ثمة شيء يبعث على الدوار التاريخي في مشهد جو بايدن الهابط في هانوي في سبتمبر 2023 ليرفع العلاقة بين الولايات المتحدة وفيتنام إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة المتكاملة" — أعلى مرتبة في التصنيف الدبلوماسي الفيتنامي، كانت حتى ذلك الحين حكراً على الصين وروسيا والهند. بعد خمسين عاماً من نهاية حرب أريقت فيها ملايين الأرواح ودكّت فيها الولايات المتحدة بالقنابل ما يفوق ما أُلقي في الحرب العالمية الثانية كلها، يتوثّق العدوان السابقان بشراكة يكشف بُعدها الاستراتيجي عنوانها الضمني بوضوح: موازنة القوة الصينية في جنوب شرق آسيا.
01السياسة الخارجية الفيتنامية: الـ"ثلاثة لا" ودبلوماسية الخيزران
لفهم هذا التقارب، لا بد من استيعاب عقيدة السياسة الخارجية الفيتنامية القائمة منذ التسعينيات على "الثلاثة لا": لا تحالف عسكري، ولا قواعد أجنبية على الأراضي الفيتنامية، ولا شراكة مع طرف ضد طرف آخر. أتاحت هذه العقيدة الحياد الفعّال لفيتنام الحفاظ على علاقات معقولة مع جميع القوى الكبرى في وقت واحد وتعظيم شراكاتها الاقتصادية وتجنب الانزلاق في نزاعات الآخرين. الاستعارة التي يوظّفها القادة الفيتناميون أنفسهم لوصف دبلوماسيتهم هي "الخيزران": جذور عميقة وساق مرنة تنحني في مهب الريح دون أن تنكسر.
02دوافع الاقتراب من واشنطن
على الرغم من عقيدة الـ"ثلاثة لا"، يُفسَّر التقارب من واشنطن بديناميكيات متقاطعة. الأولى تراجع العلاقات الصينية-الفيتنامية في بحر الصين الجنوبي. تطالب الصين بحقوق تاريخية في مناطق تتداخل مباشرة مع المنطقة الاقتصادية الخالصة الفيتنامية، ومضايقات الصيادين الفيتناميين من خفر السواحل الصيني مصدر توترات دائمة. خاض فيتنام من أوائل الدول معارك ضد التمدد البحري الصيني — حرب بحرية قصيرة لكن دموية دارت بين البلدَين عام 1988 على جزر سبراتلي. الدافع الثاني اقتصادي: الشركات الساعية لتنويع سلاسل إنتاجها خارج الصين وجدت في فيتنام وجهة استثمارية تصنيعية من الأكثر حيوية في آسيا.
03حدود الشراكة
سيكون خاطئاً تصوير فيتنام حليفاً أمريكياً ناشئاً. تتمسك هانوي بصرامة بعقيدة عدم الانحياز العسكري، والحزب الشيوعي الفيتنامي الذي يحكم نظاماً أحادياً يُكنّ تحفظات أيديولوجية عميقة تجاه أي تبعية لواشنطن. القرب الجغرافي من الصين قيد دائم: ألف وثلاثمئة كيلومتر من الحدود المشتركة والاعتماد الاقتصادي على بكين يفرضان حدوداً على أي مواجهة مكشوفة.
04خاتمة استشرافية
فيتنام ربما أبدع مثال معاصر على إدارة التقطب. لا حليف أمريكي ولا تابع صيني ولا مجرد مشاهد. تبحر بمهارة لافتة بين ضغوط متضاربة، مستفيدةً من تنافس الكبار لحماية مساحتها السيادية. الشراكة مع واشنطن حقيقية ومتنامية، لكنها ستبقى دائماً مُعرَّفة في الإطار الذي تختاره هانوي، لا في الإطار الذي تودّ فرضه واشنطن.
هل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقالهل تتحول الفلبين إلى الجبهة العسكرية الجديدة في مواج…
ماركوس الابن يُعيد توجيه مانيلا نحو واشنطن بقواعد تسع وسياسة شفافية راديكالية …
← اقرأ المقاللماذا تضخّ الجيوش استثمارات هائلة في الطائرات المسيّ…
من قره باغ إلى أوكرانيا — ثورة الطائرات المسيّرة تُعيد رسم طبيعة الحرب وتطرح أ…
← اقرأ المقالهل يمكن للهجمات الإلكترونية أن تحل محل الحروب التقلي…
Stuxnet وأوكرانيا وحدود الردع الرقمي — ما تستطيعه الأسلحة الإلكترونية وما تعجز…
← اقرأ المقال