في السابع والعشرين من سبتمبر 2020، انطلقت حرب قره باغ العليا بعرض ميداني رصده المراقبون العسكريون في أرجاء العالم بذهول بالغ. في غضون أسابيع قليلة، وظّفت أذربيجان طائرات بيرقدار TB2 التركية وذخائر الإطاحة الإسرائيلية من طراز هاروب لتدمير أعمدة مدرعات أرمينية ومنظومات دفاع جوي ومواقع مدفعية بدقة وفعالية لم يكن يستطيع بلوغها جيش تقليدي أكبر منها بمرات. في أربعة وأربعين يوماً، ذُبت نزاع مجمّد منذ ثلاثة عقود وأُعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لجنوب القوقاز. كان الدرس بلورياً: الطائرات المسيّرة غيّرت طبيعة الحرب.
01الدرس الأوكراني: ديمقراطية القوة النارية
بعد عامين، جاءت الحرب في أوكرانيا لتؤكد هذه الثورة وتضخّمها. على الجانبَين، طائرات مسيّرة من كل الأحجام والوظائف — من كوادريكوبتر تجارية معدّلة لإلقاء قنابل يدوية إلى طائرات مسيّرة للضربات بعيدة المدى تستهدف مصافي النفط الروسية — حوّلت خط الجبهة إلى فضاء مراقبة دائمة لا شيء فيه يختبئ. تحولت القدرة على العمل دون اكتشاف إلى ثروة تكتيكية لا تقل قيمة عن القوة النارية ذاتها. ما أذهل المحللين هو ديمقراطية القوة النارية التي تتيحها هذه الطائرات. طائرة مسيّرة تجارية بثمن بضع مئات من الدولارات، معدّلة في ورشة حرفية، يمكنها تدمير دبابة تكلّف ملايين.
02الأجيال الثلاثة للطائرات المسيّرة العسكرية
لفهم الثورة الجارية، لا بد من التمييز بين ثلاثة أجيال من المنظومات. الجيل الأول، طائرات التحكم عن بعد كـPredator وReaper الأمريكيتين، تتطلب طياراً بشرياً يتحكم في الطائرة آنياً من قاعدة تبعد آلاف الكيلومترات. ثورية في الرقابة والإضراب الدقيق لكنها عرضة للحرب الإلكترونية. الجيل الثاني، ذخائر الإطاحة والطائرات شبه الذاتية، تدمج استقلالية جزئية: تنتقل نحو المنطقة المستهدفة وتحدد الأهداف وفق معايير مبرمجة مسبقاً. الجيل الثالث، أسراب الطائرات الذاتية، قيد التطوير في المختبرات العسكرية الكبرى. يقوم على فكرة أن سرباً منسّقاً بخوارزميات ذكاء اصطناعي يمكنه إغراق الدفاعات بالأعداد والسرعة.
03ميزانيات سباق التسلح
الأرقام مذهلة. خصّصت وزارة الدفاع الأمريكية أكثر من تسعة مليارات دولار لبرامج الطائرات المسيّرة والمنظومات الذاتية في ميزانية 2024، بمعدل نمو سنوي يقارب العشرين بالمئة. الصين، وفق تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية، تستثمر مبالغ مماثلة في سلسلة إنتاجية تستند إلى هيمنتها في سوق الطائرات المسيّرة المدنية إذ تتحكم DJI في أكثر من سبعين بالمئة من السوق العالمية. في أوروبا، تسبّبت قناعة التأخر في إطلاق خطط طارئة.
04الأسئلة الأخلاقية والقانونية المفتوحة
لا يمكن مناقشة هذا الملف دون الإشارة إلى البُعد الأخلاقي والقانوني. من يتحمل المسؤولية حين تقرر آلة القتل؟ كيف ينطبق القانون الدولي الإنساني — الذي يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين والتناسب والحيطة — على منظومة تتخذ قراراتها في أجزاء من الثانية وفق خوارزمية؟ اتفاقيات جنيف كُتبت لحروب بين بشر ولا تجيب عن هذه الأسئلة.
05خاتمة استشرافية
الطائرات المسيّرة الذاتية ليست مجرد تطور في الحرب — إنها ثورة فيها. تعيد رسم توازن الهجوم والدفاع، تمنح المنافسين الأصغر أدواتٍ كانت حكراً على القوى العظمى، وتطرح تحديات فلسفية وقانونية لم يسبق لها مثيل. لا يوجد سؤال عمّا إذا كانت ستهيمن على ميادين الحروب المستقبلية. السؤال هو كيف ستتصدى الدول والقانون الدولي لهذه القدرة قبل أن تفلت من أي سيطرة.
هل يستطيع تكتل بريكس فعلياً تحدي الغرب؟
جوهانسبرغ 2023 والمجموعة الموسعة وإزاحة الدولار — بين الطموح المُعلن والانقسام…
← اقرأ المقالالعمالقة التكنولوجيون الكوريون الجنوبيون في قلب الحر…
سامسونج وSK Hynix وهيمنة ذاكرات DRAM — كيف أصبحت سيول رقعة شطرنج تتنافس عليها …
← اقرأ المقالهل دخلنا حقاً حرباً باردة عالمية جديدة؟
التنافس الصيني-الأمريكي وعودة منطق المواجهة — لماذا يشبه عالم اليوم الحرب البا…
← اقرأ المقالهل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقال