في عام 2010، دمّرت دودة إلكترونية تُعرف بـStuxnet فيزيائياً أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم في منشآت نووية إيرانية — دون أن يُطلَق صاروخ واحد، ودون أن يُحدَّد الجهة الممولة رسمياً، ودون أن تتمكن المجتمع الدولي من تصنيف الحدث قانونياً. كان ذلك أول "سلاح إلكتروني" موثق تسبّب في أضرار مادية فعلية لبرنامج عسكري أجنبي. منذ ذلك الحين يُلاحق الاستراتيجيين وفقهاء القانون الدولي هاجس السؤال: هل يمكن للهجمات الإلكترونية أن تحل يوماً محل الحروب التقليدية وتتيح للدول إلحاق أضرار متبادلة دون عبور عتبة النزاع المسلح الكلاسيكي؟
01ما تستطيعه الهجمات الإلكترونية وما لا تستطيعه
الجواب الواقعي على هذا السؤال يمر عبر تقييم رصين لما تُتقنه الأسلحة الإلكترونية حقاً. في خانة القدرات الموثقة تتفوق في عدة مجالات: زعزعة البنى التحتية الحيوية (شبكات الكهرباء والأنظمة المالية والاتصالات)، سرقة المعلومات السرية البالغة القيمة، تخريب العمليات الصناعية، وشن حملات تأثير تتلاعب بالمعلومات وتزعزع الديمقراطيات. لا تهاون في أي من هذه القدرات. لكن للهجمات الإلكترونية حدوداً جوهرية لا تملكها الحروب التقليدية. صعوبة الإسناد بيقين تُعقّد الردع والرد المتناسب. غالباً ما تكون قابلة للتراجع — يمكن استعادة النظام المُهاجَم —، خلافاً لجسر مدمر أو قاعدة جوية منكوبة. وتستلزم معرفة دقيقة بأنظمة الخصم لا تتوفر دائماً في اللحظة المطلوبة.
02الحرب الظل الروسية-الأوكرانية في الفضاء الإلكتروني
وفّرت الحرب في أوكرانيا أغنى البيانات التجريبية عن إدماج الهجمات الإلكترونية في نزاع تقليدي. قبل انطلاق الغزو البري في فبراير 2022، كان هاكرز روس قد اخترقوا أنظمة حكومية أوكرانية ومحوا بيانات وحاولوا شل شبكات اتصال. هجمات على محطات الكهرباء الأوكرانية تركت ملايين الناس في الظلام وسط الشتاء. لكن هذه الهجمات الإلكترونية، مهما بلغت من التطور، لم تُحلّ محل الحرب التقليدية — بل سبقتها ورافقتها.
03ردع إلكتروني: مسألة غير محلولة
الإشكال الجوهري في الردع الإلكتروني هو أن قواعد الاشتباك لم تُؤسَّس بعد لا بالقانون الدولي ولا بالممارسات المستقرة للدول. في المجال النووي أنتج عقود من القانون والعقيدة إطاراً للردع تفاهم عليه الطرفان. في الفضاء الإلكتروني تظل الأسئلة الأساسية بلا إجابة: عند أي مستوى من الأضرار يُعدّ الهجوم الإلكتروني عملاً حربياً؟ ما الرد المتناسب — إلكتروني أم تقليدي — على هجوم يطال بنية تحتية حيوية؟
04خاتمة استشرافية
لن تحل الهجمات الإلكترونية محل الحروب التقليدية — لكنها باتت بُعداً دائماً وأحياناً حاسماً فيها. الصراع المستقبلي لن يختار بين الحرب الإلكترونية والحرب التقليدية: بل سيجمع بينهما. ما هو على المحك الآن هو بناء قانون دولي للفضاء الإلكتروني وأعراف سلوك بين الدول قبل أن يبلغ هذا المجال الرمادي درجة من التراكم تتحول معها إلى فتيل للتصعيد المنفلت.
العمالقة التكنولوجيون الكوريون الجنوبيون في قلب الحر…
سامسونج وSK Hynix وهيمنة ذاكرات DRAM — كيف أصبحت سيول رقعة شطرنج تتنافس عليها …
← اقرأ المقالهل تستطيع الصين تجاوز الغرب في سباق الذكاء الاصطناعي…
قوة البيانات مقابل الإبداع الخوارزمي — الواقع الراهن لموازين القوى واختناق أشب…
← اقرأ المقالبحر الصين الجنوبي: المعركة الصامتة للسيطرة على تجارة…
خمسة تريليونات دولار سنوياً وجزر اصطناعية معسكرة وخط التسع نقاط المنازَع — من …
← اقرأ المقالهل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقال