في بلدٍ أنهكته الحرب لأكثر من عقد، قد يبدو للوهلة الأولى أن السلاح وحده هو الذي يرسم ملامح المشهد. غير أن اليمن ظل، عبر تاريخه، مختلفاً عن كثير من الدول؛ فإلى جانب مراكز القرار السياسي والعسكري، بقيت القبيلة إحدى أهم القوى القادرة على التأثير في مسار الأحداث.
ولهذا، فإن الحراك القبلي الذي أعقب قضية الشيخ حمد بن فدغم لم يُقرأ داخل الأوساط اليمنية بوصفه حادثة معزولة، بل اعتُبر اختباراً جديداً للعلاقة بين السلطة الفعلية في مناطق الشمال والبنية القبلية التي ظلت لعقود شريكاً أساسياً في إدارة المجتمع، خاصةً مع اتساع خريطة النكف من دهم إلى بكيل ومأرب وحضرموت والمهرة.
١ الحوثيون والقبيلة… علاقة بين الاحتواء والتوتر
منذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، أدركت الجماعة أن بقاءها لا يعتمد فقط على التفوق العسكري، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة العلاقة مع القبائل، خصوصاً في المحافظات ذات الثقل القبلي مثل الجوف، ومأرب، وعمران، وصعدة، وحجة.
سعت الجماعة إلى استقطاب عدد من المشايخ ومنحهم أدواراً ومناصب، في محاولة لضمان ولاء جزء من البنية القبلية.
حاولت الجماعة في الوقت نفسه تقليص استقلالية القبيلة وإحلال الولاء للتنظيم محل الولاءات التقليدية.
وقد نجحت هذه السياسة في بعض المناطق، لكنها واجهت مقاومة في مناطق أخرى، حيث ظلت القبائل تتمسك بأعرافها واستقلال قرارها، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين تتراوح بين التعاون والتوتر وفقاً للظروف. وقضية الشيخ بن فدغم، بهذا المعنى، اختبار مباشر لحدود هذه السياسة المزدوجة: فالتصعيد القبلي الذي أعقب احتجازه يشير إلى أن "إحلال الولاء للتنظيم محل الولاءات التقليدية" لم يكتمل، على الأقل في الجوف.
٢ لماذا أثارت قضية بن فدغم اهتماماً واسعاً؟
لا يعود الاهتمام بالقضية إلى شخصية الشيخ وحدها، بل إلى ما تمثله من رمزية في المجتمع القبلي. ففي الثقافة القبلية، لا يُنظر إلى الشيخ باعتباره فرداً عادياً، بل باعتباره ممثلاً لقبيلته، وأي خلاف يتعلق به قد يُفسَّر على أنه مساس بالقبيلة بأكملها. ومن هنا، جاءت سرعة إعلان النكف القبلي، باعتباره آلية اجتماعية تهدف إلى إعلان التضامن والمطالبة برد الاعتبار وفق الأعراف القبلية.
٣ رسائل القبائل… أكثر من مجرد تضامن
يحمل الحراك القبلي الحالي عدة رسائل يمكن قراءتها من زوايا مختلفة.
١. قدرة على التعبئة السريعة
القبيلة لا تزال تمتلك قدرة على التعبئة السريعة عندما ترى أن أحد أعرافها الأساسية قد تعرض للاهتزاز.
٢. شبكة علاقات فاعلة
شبكة العلاقات بين القبائل لا تزال فاعلة رغم سنوات الحرب والانقسام، إذ تجاوزت بيانات التضامن حدود الجوف لتصل إلى محافظات أخرى.
٣. شرعية اجتماعية مستمرة للأعراف
الأعراف القبلية ما تزال تحظى بشرعية اجتماعية واسعة لدى قطاعات كبيرة من المجتمع اليمني، حتى في ظل تراجع مؤسسات الدولة. وهذه الرسالة الثالثة هي الأقرب لمضمون الوصف بـ"بنية موازية" تحمي الإرث الاجتماعي حين تتراجع الدولة: فالقبيلة لا تستبدل الدولة، لكنها تملأ الفراغ الذي تتركه حين تغيب سلطة قضائية أو أمنية فعالة في مناطق نفوذها.
٤ هل يمكن أن يؤثر الحراك على المشهد العسكري؟
من المبكر الربط بين النكف القبلي وأي تغير مباشر في موازين القوى العسكرية. فالقبائل ليست كتلة واحدة، ومواقفها تختلف من منطقة إلى أخرى، كما أن كثيراً منها يفضل النأي بنفسه عن الانخراط في المواجهات المسلحة.
لكن، في المقابل، فإن أي اتساع في حالة الاحتقان القبلي قد ينعكس على البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها القوى العسكرية، سواء عبر الوساطات أو المواقف المحلية أو طبيعة العلاقة مع السكان.
٥ الجوف… عقدة جغرافية وسياسية
لا تقتصر أهمية الجوف على بعدها القبلي، بل تمتد إلى موقعها الاستراتيجي. فالمحافظة تشكل ممراً بين صعدة ومأرب، وتجاور الحدود السعودية، كما تضم مناطق صحراوية واسعة وحقولاً نفطية وغازية، ما جعلها ساحة تنافس مستمر منذ اندلاع الحرب. ولهذا، فإن أي تغير في المزاج القبلي داخل الجوف يحظى بمتابعة من مختلف الأطراف، نظراً لتأثيره المحتمل على الاستقرار المحلي.
٦ النكف القبلي… بين الأعراف والسياسة
عرف اليمن عبر تاريخه عشرات حالات النكف القبلي. وفي معظمها، كان الهدف الأساسي هو الضغط الاجتماعي لحل النزاعات أو حماية الأعراف أو المطالبة بالإنصاف. غير أن بعض حالات النكف تحولت لاحقاً إلى عوامل أثرت في التوازنات السياسية، خصوصاً عندما اتسعت دائرة المشاركين فيها أو ارتبطت بقضايا ذات طابع وطني.
لذلك، يحرص كثير من المراقبين على التمييز بين البعد القبلي للقضية وبين أي استنتاجات سياسية أو عسكرية لا تزال سابقة لأوانها.
٧ هل تعود القبيلة لاعباً رئيسياً؟
أظهرت الحرب اليمنية أن القبيلة لم تختفِ كما توقع بعض الباحثين بعد قيام الدولة الحديثة، بل أعادت تعريف دورها. ففي بعض المناطق أصبحت وسيطاً بين القوى المتحاربة، وفي مناطق أخرى لعبت دور الضامن لاتفاقات محلية، بينما حافظت في مناطق عديدة على نفوذها الاجتماعي التقليدي.
وتكشف قضية الشيخ حمد بن فدغم أن القبيلة ما تزال قادرة على فرض حضورها عندما تتعلق القضية بالأعراف والكرامة، حتى وإن اختلفت مواقف أبنائها السياسية.
٨ ثلاثة سيناريوهات محتملة
🔮 مسارات محتملة لمستقبل القضية
من الاحتواء إلى التصعيدالسيناريو الأول: الاحتواء. قد تنجح الوساطات القبلية في احتواء الأزمة، بما يحفظ مكانة الشيخ ويمنع اتساع الخلاف، وهو السيناريو الذي ينسجم مع طبيعة المجتمع القبلي اليمني الذي يمنح الوساطة مكانة خاصة.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر. إذا بقيت أسباب الخلاف قائمة، فقد تستمر حالة الاحتقان القبلي لفترة أطول، مع استمرار البيانات واللقاءات والوساطات دون انتقال إلى مواجهات أوسع.
السيناريو الثالث: اتساع التداعيات. أما إذا انضمت قبائل إضافية أو ارتبطت القضية بملفات أخرى، فقد تتحول إلى حدث ذي أبعاد سياسية أوسع، بما يعيد فتح النقاش حول العلاقة بين القبيلة والسلطة في اليمن.
٩ اليمن… بلد لا يمكن فهمه دون فهم القبيلة
أثبتت أحداث السنوات الأخيرة أن القبيلة ليست مجرد إرث اجتماعي، بل عنصر أساسي في فهم السياسة اليمنية. فالتحالفات، والوساطات، وحل النزاعات، وحتى موازين القوى المحلية، كثيراً ما تتأثر بمواقف القبائل وشيوخها. ولهذا، فإن قضية الشيخ حمد بن فدغم تتجاوز حدود حادثة فردية، لتسلط الضوء مجدداً على حقيقة طالما أكدها المؤرخون والباحثون: من يريد أن يفهم اليمن، عليه أولاً أن يفهم القبيلة.
سواء انتهت هذه القضية عبر الوساطات القبلية أو استمرت تداعياتها، فإنها أعادت إلى الواجهة حقيقة يصعب تجاهلها: القبيلة ما تزال أحد الأعمدة الاجتماعية والسياسية الأكثر تأثيراً في اليمن.
لقد أظهرت الأيام الماضية أن قيم النجدة، والوفاء، والكرامة، والنكف القبلي لا تزال حية في وجدان قطاعات واسعة من المجتمع، وأن القبائل، رغم تغير الظروف، قادرة على الاجتماع عندما ترى أن أحد أعرافها قد تعرض للمساس. وصف هذا الواقع بأن اليمن يعيش في ظل "بنية قبلية موازية للدولة" يبقى قراءة تفسيرية لما حدث، لا حكماً قطعياً؛ فالقبيلة لا تحكم، ولا تجبي ضرائب، ولا تدير جيشاً نظامياً - لكنها، في لحظات كهذه، تتولى وظيفة حماية الأعراف والكرامة الجماعية التي تتراجع عنها سلطات الأمر الواقع في الشمال.
ويبقى مستقبل هذا الحراك مرتبطاً بمسار الوساطات والحوار بين مختلف الأطراف، لكنه يؤكد في جميع الأحوال أن اليمن سيظل بلداً لا يمكن قراءة تحولاته من زاوية السياسة والسلاح فقط، بل أيضاً من زاوية المجتمع القبلي الذي ما زال يؤدي دوراً محورياً في صناعة الأحداث.
📚 المراجع
- برّان برس، تغطية مستمرة لتطورات قضية الشيخ بن فدغم والنكف القبلي في الجوف، مايو 2026. barran.press
- يمن مونيتور، تقارير حول علاقة جماعة الحوثي بالقبائل في محافظات الشمال. yemenmonitor.com
- إرم نيوز، "اليمن.. غليان قبلي في الجوف عقب إفراج الحوثيين عن الشيخ بن فدغم". eremnews.com
- دراسات تاريخية حول العلاقة بين القبيلة والسلطة في اليمن منذ عهد الإمامة المتوكلية حتى الجمهوريتين.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت