لم يكن خروج الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي من مناطق سيطرة جماعة الحوثي حدثاً عادياً في سياق الحرب اليمنية المستمرة منذ أكثر من عقد. ففي غضون ساعات قليلة، تحولت القضية من حادثة تخص شيخاً قبلياً إلى قضية رأي عام داخل الأوساط القبلية، لتطلق موجة واسعة من النكف القبلي امتدت من الجوف إلى مأرب، ووصل صداها إلى حضرموت والمهرة، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل يتردد طوال سنوات الحرب: هل ما تزال القبيلة اليمنية قادرة على توحيد الصفوف عندما يتعلق الأمر بالكرامة والأعراف؟
بالنسبة لكثير من اليمنيين، لا يتعلق الأمر بشخص الشيخ حمد بن فدغم وحده، بل بمكانة الشيخ القبلي داخل البنية الاجتماعية اليمنية، حيث ينظر إلى الاعتداء على شيخ قبيلة أو احتجازه أو إهانته باعتباره مساساً بكرامة القبيلة بأكملها، وهو ما يفسر سرعة الاستجابة التي شهدتها محافظة الجوف خلال الأيام الأخيرة.
١ القبيلة… الدولة التي سبقت الدولة
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى طبيعة المجتمع اليمني نفسه. فعلى امتداد آلاف السنين، لم تكن القبيلة مجرد رابطة نسب، بل كانت مؤسسة سياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة. قبل قيام الدولة اليمنية الحديثة بقرون طويلة، كانت القبائل تدير شؤونها عبر منظومة دقيقة من الأعراف والقضاء العرفي والتحكيم والوساطات، وهي منظومة استطاعت البقاء حتى مع قيام الجمهوريات وتعاقب الأنظمة السياسية.
ورغم التحولات التي شهدها اليمن خلال العقود الأخيرة، بقيت القبيلة تحتفظ بجزء كبير من نفوذها، خصوصاً في محافظات الجوف ومأرب وشبوة وصعدة وحضرموت والبيضاء وأجزاء واسعة من عمران. ولذلك، فإن أي قضية تمس أحد كبار مشايخ القبائل لا تُقرأ باعتبارها قضية شخصية، بل باعتبارها اختباراً لهيبة القبيلة نفسها.
٢ ما حدث فعلياً: من "ميرا صدام حسين" إلى الاعتقال
بدأت القضية حين لجأت إلى الشيخ حمد بن فدغم الحزمي امرأة تُعرّف نفسها باسم "ميرا صدام حسين"، تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل، طالبة نصرته لاستعادة فيلا في صنعاء تؤكد ملكيتها، بينما يستولي عليها - بحسب الرواية القبلية - القيادي الحوثي وتاجر السلاح فارس مناع. ووفقاً للأعراف القبلية اليمنية الصارمة، أدت المرأة طقس "الاستجارة" (قص جزء من شعرها أمام الشيخ)، وهي إشارة عرفية تُلزم من تُطلب نصرته بالوقوف مع القضية.
تبنى الشيخ بن فدغم قضية المرأة وطالب بإنصافها، لكن جماعة الحوثي ردت في 13 مايو/أيار 2026 باعتراض موكبه في منطقة الحتارش شمال شرق صنعاء، وهو في طريقه إلى الجوف، واحتجازه مع المرأة معاً. وبحسب رواية الشيخ نفسه عقب الإفراج عنه، فقد تعرض للاحتجاز قرابة 50 يوماً، وللتعذيب والضغط لإجباره على "التبصيم" على اعترافات وصفها بـ"المفبركة"، متهماً قيادات حوثية بارزة - من بينهم رئيس الاستخبارات العسكرية للجماعة المعروف بـ"أبو علي الحاكم"، وفارس مناع، وعلي حسين الحوثي - بالضغط عليه لهذا الغرض.
⚠️ ادعاء أمر تصفية بعد الإفراج
كشفت منظمة حقوقية، في 19 مايو 2026، عن وثائق رقمية تتضمن - بحسب المنظمة - توجيهات صريحة من القيادي الحوثي فارس مناع إلى خلايا متخصصة بتصفية الشيخ بن فدغم فور خروجه من السجن، وإخراج العملية في قالب "حادث مروري". هذا ادعاء صادر عن منظمة حقوقية واحدة استند إلى وثائق وصفتها بـ"المسربة"، ولم يتسنَّ التحقق المستقل الكامل منه حتى وقت نشر هذا التقرير؛ لذلك يُعرض كموقف منشور لا كحقيقة مؤكدة.
على وقع الضغط القبلي والمهلة التي حددتها قبائل دهم وبكيل (72 ساعة)، رفعت قبائل دهم مطارحها من منطقة اليتمة بموجب اتفاق رعته وجاهات ومشايخ قبلية مع قيادات في جماعة الحوثي، تضمن الإفراج عن الشيخ والمرأة معاً. ووصل بن فدغم إلى مناطق سيطرة الحكومة في منطقة "الريان" شرق الجوف، حيث استقبلته حشود قبلية واسعة.
٣ لماذا انفجر الموقف بهذه السرعة؟
هناك أربعة عوامل رئيسية تفسر سرعة الحشد القبلي.
🎗️ البعد الرمزي للشيخ
في الثقافة القبلية اليمنية، يمثل الشيخ عنواناً لكرامة القبيلة، ولذلك فإن أي إساءة تطاله تتحول تلقائياً إلى قضية جماعية.
⚖️ الأعراف القبلية
يُعد "النكف" أحد أعلى درجات التعبئة القبلية، حيث تُدعى القبائل إلى الوقوف صفاً واحداً لنصرة أحد أبنائها عندما ترى أن كرامته قد مُست.
🔥 تراكم الاحتقان
بعد سنوات طويلة من الحرب، تراكمت حالات التوتر بين القوى العسكرية وبعض المكونات القبلية، ما جعل أي حادثة ذات طابع رمزي قابلة للتحول إلى قضية عامة.
📱 وسائل التواصل الاجتماعي
لعبت المنصات الرقمية دوراً كبيراً في نقل البيانات القبلية ومقاطع الفيديو وكلمات المشايخ، وهو ما سرّع انتشار القضية على نطاق واسع.
وقد جسّد الشيخ بن فدغم نفسه أحد أبرز رموز هذا الاستنفار، حين قام - بحسب عدة مصادر محلية - بـ"كسر غمد جنبيته" أمام الحاضرين في الريان، وهو عرف قبلي يمني أصيل يُعد بمثابة "نفير عام" موجّه إلى قبائل دهم وبكيل وحاشد ومذحج وكافة قبائل اليمن.
٤ الجوف… نقطة ارتكاز القبيلة اليمنية
ليست محافظة الجوف مجرد محافظة حدودية تقع شمال شرق اليمن، بل تمثل واحدة من أهم معاقل القبائل اليمنية تاريخياً. وتضم الجوف عدداً كبيراً من القبائل المنضوية ضمن حلف بكيل، أكبر التجمعات القبلية في اليمن، كما أنها تمثل بوابة جغرافية تربط مأرب بصعدة وحضرموت وصحراء الربع الخالي.
وخلال سنوات الحرب، أصبحت الجوف ساحة تنافس عسكري وسياسي بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، الأمر الذي جعل القبائل تلعب دوراً متزايداً في تحديد موازين القوى.
٥ دهم… القبيلة التي أطلقت شرارة النكف
كانت قبائل دهم أول من أعلن النكف القبلي تضامناً مع الشيخ حمد بن فدغم، ودعت إلى احتشاد واسع في منطقة اليتمة، معتبرة أن القضية تتجاوز الخلافات السياسية وتمس منظومة الأعراف القبلية التي تقوم عليها العلاقات بين القبائل.
وسرعان ما تحولت الدعوة إلى نقطة جذب لعشرات الوفود القبلية، في مشهد أعاد للأذهان الحشود القبلية التي شهدها اليمن في محطات تاريخية مختلفة. ورغم اختلاف التقديرات بشأن حجم المشاركة، فإن الرسالة كانت واضحة: القبيلة لا تزال قادرة على التعبئة عندما تعتبر أن أحد ثوابتها قد تعرض للاهتزاز.
٦ خريطة القبائل والمدن المشاركة في النكف
ومع اتساع دائرة النكف، لم يبق المشهد محصوراً في دهم والجوف وحدهما، بل تشكّلت خريطة أوسع للتحرك القبلي.
🗺️ خريطة التضامن القبلي
من اليتمة إلى المهرةكما دخلت قبائل الصيعر ونهد والمناهيل والكرب على خط النكف، عبر بيانات وكلمات شكر متبادلة تؤكد وحدة العرف رغم تباعد الجغرافيا. بهذا الاتساع، صار النكف يشبه شبكة تضامن قبلية عابرة للمحافظات، تربط الجوف بمأرب وحضرموت والمهرة، وتُظهر أن المسألة لم تعد قضية محلية، بل قضية عرف وكرامة يتلقاها اليمنيون في أكثر من نطاق قبلي.
٧ هل نحن أمام عودة قوية للقبيلة؟
أحد أهم الأسئلة التي يطرحها هذا الحراك هو ما إذا كانت القبيلة اليمنية تستعيد دورها السياسي والاجتماعي بعد سنوات من تراجع نفوذها لصالح القوى العسكرية. فالنكف الذي شهدته الجوف يوحي بأن القبيلة لم تفقد قدرتها على التنظيم، بل ربما أصبحت أكثر ميلاً إلى التحرك الجماعي عندما ترى أن الأعراف التقليدية مهددة.
هذا لا يعني بالضرورة عودة القبيلة إلى ممارسة أدوار الدولة، بل يؤكد أنها ما تزال رقماً صعباً في المعادلة اليمنية، وأن أي مشروع سياسي أو تسوية مستقبلية سيكون مضطراً إلى أخذ وزنها الاجتماعي بعين الاعتبار.
📑 تتمة الملف
يناقش الجزء الثاني من هذا الملف: لماذا أقلق هذا الحراك جماعة الحوثي؟ كيف يمكن أن يؤثر النكف القبلي على موازين القوى في شمال اليمن؟ العلاقة التاريخية بين القبائل والسلطة منذ الإمامة حتى اليوم، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل القضية. اقرأ الجزء الثاني: هل يتحول النكف القبلي إلى نقطة تحول في معادلة القوة؟ ←
📚 المراجع
- برّان برس، "قبائل الجوف تمهل الحوثيين 72 ساعة للإفراج عن الشيخ بن فدغم وميرا صدام حسين"، مايو 2026. barran.press
- يمن مونيتور، "بعد ضغوط قبلية.. جماعة الحوثي تفرج عن الشيخ الحزمي". yemenmonitor.com
- يمن مونيتور، "تصريحات الشيخ بن فدغم حول تفاصيل اعتقاله بصنعاء تثير سخطاً واسعاً ضد الحوثيين". yemenmonitor.com
- برّان برس، "منظمة حقوقية تكشف عن توجيهات صريحة من فارس مناع بتصفية الشيخ بن فدغم"، مايو 2026. barran.press
- إرم نيوز، "اليمن.. غليان قبلي في الجوف عقب إفراج الحوثيين عن الشيخ بن فدغم". eremnews.com
- وكالة خبر للأنباء، "الشيخ حمد بن فدغم يلجأ لقبائل بني نوف بالجوف ويعلن النفير ضد الحوثيين". khabaragency.net
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت