في الثلاثين من يناير 2023، بعد أسابيع قليلة من الإطلاق العالمي لـChartGPT، نشر باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم وثيقة موجزة لكنها كثيفة المعنى تلخّص الطموح الاستراتيجي لبكين: جعل الصين الزعيمة العالمية في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. لم يكن الأمر مجرد إعلان نيات — بل تحديث لخطة أُطلقت عام 2017، تدعمها استثمارات عامة وخاصة بمئات المليارات من اليوان، ومضمونها تعبئة وطنية لا نظير لها في العالم الديمقراطي. لم تعد القضية هل الصين فاعل رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي — فهي كذلك بالفعل. القضية الآن: هل يمكنها تجاوز الغرب، وبأي تبعات على موازين القوى؟
01خريطة موازين القوى الحالية
رسم خريطة القوى الفعلية في هذا الملف تكشف عن مفاجآت. تحتفظ الولايات المتحدة بتقدم ملموس في القطاعات الأكثر تطوراً: نماذج اللغة الكبيرة، هندسات أشباه الموصلات المتقدمة، والأهم المنظومة الريادية التي تحول ابتكارات المختبرات إلى منتجات تجارية. لكن الأفضلية الأمريكية أقل راحة مما تبدو. الصين تنشر الآن من الأبحاث العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر من أي دولة أخرى. في مجالات بعينها كالتعرف على الوجوه ومعالجة اللغة الصينية والتطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي، وصلت الصين بالفعل إلى الصدارة العالمية أو تجاوزتها.
02الميزة الهيكلية للبيانات
تمتلك الصين أفضلية بنيوية لا يستطيع منافسوها إعادة إنتاجها: الوصول إلى كميات هائلة من البيانات. بمليار وأربعمئة مليون مواطن متصل، ومنظومات رقابة شاملة، وإطار تنظيمي لا يفرض القيود المعمول بها في أوروبا أو الولايات المتحدة على جمع البيانات الشخصية واستخدامها، تتاح للشركات والمختبرات الصينية مجموعات تدريب لا مثيل لها في ثرائها. هذه الأفضلية بالغة الأهمية للتطبيقات الطبية، والتعرف على الصور والسلوكيات، وجميع الأنظمة التي تحتاج بيانات ضخمة لتحسين خوارزمياتها. إنها ميزة تنافسية مستدامة لا تعتمد على جودة الرقاقات أو إبداعية الباحثين.
03الاختناق في أشباه الموصلات
نقطة الضعف الاستراتيجية الرئيسية للصين في سباق الذكاء الاصطناعي معروفة: أشباه الموصلات المتقدمة. وحدات المعالجة المستخدمة في تدريب النماذج الكبيرة — بقيادة رقائق NVIDIA — تُنتَج بتقنيات لا تتقنها الصين بعد، على معدات توفرها شركات هولندية وأمريكية خضع تصديرها إلى الصين لقيود صارمة. ردّت بكين بضخ موارد هائلة في بناء سلسلة إنتاج محلية. المسعى بطيء ومكلف، لكنه يكشف عن توجه استراتيجي واضح: قطع خيط الاعتماد الدولي قبل أي خطوة حاسمة.
04الذكاء الاصطناعي العسكري: الرهان الوجودي
تبقى الرهانات العسكرية هي الأكثر حدة في هذا السباق. منظومات الأسلحة الذاتية، تحليل الاستخبارات في زمن حقيقي، الدفاع السيبراني الذكي، الحرب الإلكترونية بمساعدة الذكاء الاصطناعي: هذه التطبيقات تحدد القوة العسكرية للقرن الحادي والعشرين كما حدّد التسلح النووي قوة القرن الماضي. دمجت الصين الذكاء الاصطناعي العسكري في صميم عقيدة "الاندماج المدني-العسكري" التي تُلزم الشركات التكنولوجية المدنية بالإسهام في برامج الدفاع — نموذج لا تستطيع الديمقراطيات الليبرالية تكراره دون توترات حادة.
05خاتمة استشرافية
السؤال عمّا إذا كانت الصين "ستتجاوز" الغرب في الذكاء الاصطناعي مطروح بصيغة خاطئة. الذكاء الاصطناعي ليس ميداناً موحداً بترتيب عالمي واحد. في قطاعات وتطبيقات بعينها، الصين في الصدارة العالمية بالفعل. في أخرى، تعاني تأخراً بنيوياً يصعب تجاوزه بسرعة. ما هو مؤكد هو أن القوة التي ستتقن أفضل استخدام الذكاء الاصطناعي الاستراتيجي خلال السنوات العشر المقبلة ستمتلك تفوقاً حاسماً في المنافسة الكونية. ولا شيء يضمن أن يكون ذلك الغرب.
هل يُعلن عودة الحدود نهايةَ عولمة السعادة؟
Friend-shoring وNear-shoring والـsplinternet — العولمة لا تموت، إنها تتحول إلى…
← اقرأ المقالهل يستطيع تكتل بريكس فعلياً تحدي الغرب؟
جوهانسبرغ 2023 والمجموعة الموسعة وإزاحة الدولار — بين الطموح المُعلن والانقسام…
← اقرأ المقالهل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح جيوسياسي مطلق؟
الرقابة الداخلية والضرب الذاتي والتضليل الصناعي — الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف…
← اقرأ المقالهل يتحول فيتنام إلى الحليف الاستراتيجي الجديد للولايات المتحدة؟
عقيدة الخيزران — هانوي تحافظ على حيادها بالاقتراب من واشنطن دون الابتعاد عن بكين
← اقرأ المقال