لثلاثة عقود كاملة فُرضت العولمة كأفق طبيعي وشبه حتمي للسياسة الدولية. تراجع الحدود التجارية، حرية تدفق رأس المال، إدماج سلاسل الإنتاج على نطاق كوني، التقارب التدريجي في مستويات المعيشة والتطلعات. هذا المسار الذي قدّمه مُروّجوه أمراً لا مناص منه، ورأى فيه مُعارضوه تهديداً وجودياً، غيّر الاقتصاد العالمي فعلاً تغييراً عميقاً ولا رجعة عنه. لكن منذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن، تغيّر شيء ما. تعود الحدود — ليس فقط في الخطاب القومي، بل في قوانين الجمارك واللوائح الصناعية وسياسات الاستثمار وقيود تداول التكنولوجيا. هل نشهد نهاية العولمة كما عرفناها؟
01العولمة لم تكن حالة طبيعية
العولمة المكثفة التي عاشها العالم من 1990 حتى 2015 كانت في الحقيقة ظاهرة تاريخية مشروطة لا تطوراً حتمياً نحو غاية نهائية. استندت إلى ثلاثة شروط محددة: التفوق العسكري الأمريكي الذي ضمن أمن المسارات التجارية العالمية دون أن يُنازعه أي فاعل رئيسي، توافر عمالة منخفضة التكلفة في الاقتصادات الناشئة — خاصة الصين — مما أتاح موجة عارمة من إعادة التموضع الصناعي، ونظام تجاري دولي مُحرَّر تُداره منظمة التجارة العالمية يخفف الاحتكاكات الجمركية. هذه الشروط الثلاثة تهشّمت في وقت واحد.
02"تأمين" سلاسل الإمداد
التحول الأعمق مفاهيمي: توقفت حكومات الاقتصادات الكبرى عن النظر إلى الكفاءة باعتبارها المعيار الوحيد لتنظيم سلاسل الإنتاج. باتت الأمنية والمرونة معايير بالغة الأهمية، أحياناً أولوية. كشفت جائحة كوفيد-19 كشفاً دراماتيكياً عن مخاطر الاعتماد المفرط على مورّد وحيد لسلع حيوية. بيّنت الحرب في أوكرانيا مخاطر الاعتماد على واردات الطاقة من دولة مستعدة لتوظيف هذا الاعتماد ورقةَ ضغط. الرد موجة عالمية من "مرونة سلاسل الإمداد" بمسميات متعددة: "friend-shoring" توجيه التنويع نحو شركاء سياسيين موثوقين، "near-shoring" النقل إلى بلدان جغرافياً قريبة، "on-shoring" الإعادة إلى البلد الأصلي.
03التجزؤ التكنولوجي
الحدود الأكثر حداثة والأشد أثراً بنيوياً حدودٌ تكنولوجية. قيود تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، القيود على الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا الحساسة، قوانين اشتراط تخزين البيانات على التراب الوطني: كل ذلك يخلق تجزؤاً متصاعداً لسوق التكنولوجيا العالمية في مناطق وصول وتوافق متباينة. الإنترنت المُصمَّم والمُعاش كفضاء بلا حدود يتشقق نحو إنترنت صيني وإنترنت روسي وما بات يُسميه بعضهم "splinternet".
04خاتمة استشرافية
انتهت العولمة السعيدة — تلك التي وعدت بالتقارب الاقتصادي والسياسي نحو أفق ليبرالي كوني. لكن العولمة الاقتصادية الفعلية — من تدفقات تجارية وسلاسل إنتاج عابرة للحدود وترابط مالي — ليست على وشك الاختفاء. ما يتشكّل هو عولمة مشروطة: أكثر تشرذماً، أكثر تسييساً، أكثر تمحوراً حول الأمن القومي. ثروات أقل ومرونة مختارة أكثر. ليست نهاية العولمة — بل تحوّلها الجذري.
هل دخلنا حقاً حرباً باردة عالمية جديدة؟
التنافس الصيني-الأمريكي وعودة منطق المواجهة — لماذا يشبه عالم اليوم الحرب البا…
← اقرأ المقالهل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقالهل يتحول فيتنام إلى الحليف الاستراتيجي الجديد للولايات المتحدة؟
عقيدة الخيزران — هانوي تحافظ على حيادها بالاقتراب من واشنطن دون الابتعاد عن بكين
← اقرأ المقاللماذا تضخّ الجيوش استثمارات هائلة في الطائرات المسيّ…
من قره باغ إلى أوكرانيا — ثورة الطائرات المسيّرة تُعيد رسم طبيعة الحرب وتطرح أ…
← اقرأ المقال