في قمة جوهانسبرغ في أغسطس 2023، أعلنت دول بريكس — البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا — انضمام ستة أعضاء جدد: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإيران ومصر والأرجنتين. قُدِّمت اللحظة في بعض التحليلات بوصفها ثورة جيوسياسية: ولادة موازٍ جدير للنظام الغربي الممثَّل في مجموعة السبع. الأرقام تبدو مدهشة — تمثل المجموعة الموسعة أكثر من أربعين بالمئة من سكان العالم ونحو خمسة وعشرين بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي وحصة وافرة من احتياطيات النفط والمعادن الكونية. لكن وراء الأرقام، ما الذي تستطيع دول بريكس تحقيقه فعلاً بصورة جماعية؟
01ما بريكس وما ليس بريكس
أولى أخطاء التحليل تناوُل بريكس باعتبارها كتلة متماسكة ذات مصالح مشتركة. إنها ليست كذلك. الهند والصين لهما حدود مشتركة متنازع عليها تورط جنودهما في مواجهات جسدية لم تمضِ عليها سنوات. البرازيل ديمقراطية ليبرالية تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وأوروبا. روسيا قوة في حالة حرب مع النظام الأمني الأوروبي. الهند عضو في "كواد" التحالف المناهض للصين في الهندي-الهادئ. المملكة العربية السعودية تبيع شبه جميع نفطها بالدولار وتضم قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها.
ما تشترك فيه دول بريكس أقل من مشروع إيجابي مشترك، وأكثر قاسم مشترك من استياءات متبادلة تجاه النظام الدولي القائم: التمثيل المبالغ فيه للقوى الغربية في مؤسسات الحوكمة العالمية، هيمنة الدولار في التبادلات الدولية، وإدراك أن قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية العالمية صُممت على قياس القوى الغربية.
02مسألة إزاحة الدولار
الطموح الأوضح تصريحاً في منتديات بريكس هو تقليص الاعتماد على الدولار في التبادلات الدولية. اكتسب هذا الطموح إلحاحاً جديداً بعد تجميد الاحتياطيات النقدية الروسية من قبل الدول الغربية عام 2022 — خطوة غير مسبوقة أثبتت أن حتى الأصول السيادية لعضو دائم في مجلس الأمن يمكن مصادرتها إن قررت واشنطن ذلك.
لكن واقع إزاحة الدولار أكثر تعقيداً وأبطأ مسيرةً بكثير مما تُوحي به التصريحات المبدئية. لا تزال الدولار يمثل نحو تسعة وخمسين بالمئة من الاحتياطيات الدولية، نسبة في تراجع طفيف لكن تعكس مزايا بنيوية لا تستطيع البدائل الحالية تقديمها: عمق سوق المال الأمريكي وسيولته، الثبات المؤسسي للولايات المتحدة، وغياب بديل جاهز حقاً. اليوان الصيني المرشح الطبيعي يخضع لضوابط صارمة على حركة رأس المال تُقيّد استخدامه الدولي.
03ما يستطيع تكتل بريكس تحقيقه
لن يُحلّ بريكس محل الغرب ولن يُفكّك النظام الليبرالي الدولي في المدى القريب. لكنه يستطيع تحقيق شيء أدق وأكثر ديمومة ربما: تآكل انفراد الغرب في تحديد المعايير الدولية. بتطوير قنوات تمويل تنموية بديلة — يتجسد فيها بنك التنمية الجديد لبريكس —، وبالتفاوض على اتفاقيات تجارية ثنائية بالعملات المحلية، والتنسيق في المحافل الدولية، يستطيع بريكس تدريجياً تجعيل النظام الدولي أقل أحادية قطبية دون أن يُحل محله نظام بديل متماسك.
04خاتمة استشرافية
بريكس ليس ما يُبشّر به أنصاره — كتلة موحدة ستقلب النظام الغربي. وليس ما يخشاه منتقدوه — تهديداً وجودياً فورياً للديمقراطية الليبرالية. بل هو شيء أكثر تواضعاً وأكثر واقعية: منتدى يعكس ويُضخّم استياء أغلبية بشرية تجاه نظام دولي تراه غير عادل. تأثيره لن يأتي من مواجهة مباشرة مع الغرب بل من التآكل البطيء لشمولية المعايير والمؤسسات التي طالما استطاع الغرب تقديمها مسلَّماتٍ كونية.
هل دخلنا حقاً حرباً باردة عالمية جديدة؟
التنافس الصيني-الأمريكي وعودة منطق المواجهة — لماذا يشبه عالم اليوم الحرب البا…
← اقرأ المقاللماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالهل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقالهل تُعدّ طوكيو سراً استقلالها العسكري في مواجهة الول…
صواريخ بعيدة المدى وصناعة دفاعية مُعاد إطلاقها وشك حقيقي في الضمانة الأمريكية …
← اقرأ المقال