إذا كانت أسلحة الليزر قد أثبتت أنها تقترب من التحول إلى أداة عملية ضد المسيّرات والصواريخ القصيرة المدى، فإن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التكنولوجيا مرشحة أيضاً لتغيير موازين القوى العالمية بحلول عام 2040. الواقع أن أسلحة الطاقة الموجهة لم تعد مجرد وعود نظرية أو عروض مختبرية، بل أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من برامج التحديث العسكري في الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا، مع اهتمام متزايد في الصين وروسيا ودول أخرى ترى في الليزر أداة لتقليص كلفة الدفاع ورفع سرعة الاستجابة في ساحة معركة تتكاثر فيها المسيّرات والذخائر الرخيصة.
١ من سباق الصواريخ إلى سباق الطاقة
طوال عقود الحرب الباردة وما بعدها، كان قياس القوة العسكرية يتم أساساً بعدد الرؤوس النووية، والصواريخ الباليستية، والغواصات، والطائرات الشبح، أي بقدرة الدولة على الضرب أو الردع عبر وسائل تدمير كبرى. لكن الحروب الحديثة أظهرت أن التحدي لم يعد محصوراً في السلاح الاستراتيجي الثقيل، بل في القدرة على مواجهة هجمات كثيفة ومنخفضة الكلفة نسبياً، مثل أسراب المسيّرات والراجمات والصواريخ القصيرة المدى، من دون استنزاف اقتصادي سريع لمنظومات الدفاع التقليدية.
من هنا، لم يعد السؤال العسكري المركزي: كم صاروخاً تمتلك الدولة؟ بل أصبح أيضاً: كم هدفاً جوياً صغيراً تستطيع إسقاطه في الدقيقة؟ وهل تستطيع الاستمرار في الدفاع أياماً أو أسابيع من دون نفاد الذخيرة الاعتراضية؟ هذا التحول هو الذي يمنح الليزر قيمة استراتيجية؛ فهو لا يعد فقط بزيادة الفعالية القتالية، بل بإعادة تعريف الردع من خلال خفض كلفة الاعتراض وتسريع زمن الاستجابة إلى حدود تقارب لحظة الكشف نفسها.
٢ اقتصاد الحرب الجديدة
أحد أهم أبعاد الليزر أنه قد يغيّر اقتصاد الحرب بقدر ما يغيّر تكتيكاتها. فالتقارير المتعلقة بـ DragonFire البريطاني تشير إلى أن رشقة ليزر لعشر ثوانٍ قد تكلّف نحو 13 دولاراً فقط، في حين أن الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في بعض مهام الدفاع الجوي قد تتجاوز كلفتها مئات آلاف الدولارات للطلقة الواحدة. كما تنظر إسرائيل إلى Iron Beam بوصفه وسيلة لتقليص الفجوة الهائلة بين كلفة اعتراض الهدف وكلفة الهدف نفسه، إذ إن الصواريخ الاعتراضية التقليدية قد تبدأ من نحو 50 ألف دولار للطلقة، بينما يفترض أن تكون كلفة الاشتباك بالليزر أدنى بكثير.
رشقة DragonFire لعشر ثوانٍ تكلّف نحو 13 دولاراً فقط - ما يعادل كلفة تشغيل مدفأة منزلية لمدة ساعة، بحسب وزارة الدفاع البريطانية.
الصواريخ الاعتراضية التقليدية تبدأ من نحو 50 ألف دولار للطلقة، وقد تتجاوز كلفة بعضها مئات آلاف الدولارات.
هذه المعادلة تغيّر منطق الحرب الحديثة. ففي بيئة يراهن فيها المهاجم على الإغراق العددي عبر مسيّرات أو قذائف رخيصة، يصبح امتلاك منظومة دفاع منخفضة الكلفة عاملاً استراتيجياً بحد ذاته، لأنه يمنع الخصم من تحويل المعركة إلى استنزاف مالي مستمر. لهذا السبب، يمكن وصف الليزر بأنه سلاح اقتصادي وعسكري في آن واحد: فهو لا يضمن النصر وحده، لكنه قد يبدّل الحسابات التي تحدد من يستطيع الصمود أكثر في حرب طويلة.
٣ الولايات المتحدة والصين وروسيا
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تمثل أسلحة الطاقة الموجهة وسيلة للحفاظ على التفوق النوعي في بيئة أمنية تزداد فيها التهديدات الرخيصة والمنتشرة. نشر الجيش الأميركي بالفعل أنظمة ليزر في مناطق عمليات خارجية لمواجهة المسيّرات، كما تواصل برامج مثل DE M-SHORAD وHELIOS الانتقال من الاختبار إلى الاستخدام العسكري الأكثر انتظاماً ضمن الدفاع القصير المدى وحماية المنصات البرية والبحرية. ويدل هذا الاتجاه على أن واشنطن لا تبحث فقط عن أداة دفاعية جديدة، بل عن دمج الليزر ضمن شبكة أوسع تشمل الرادارات والاستشعار والقيادة والسيطرة والذكاء الاصطناعي.
🇨🇳 الصين
تنظر إلى التكنولوجيا في إطار سباق أوسع على التفوق الصناعي والتقني في الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات، رغم أن المعلومات العلنية حول برامجها أقل تفصيلاً من الحالة الأميركية.
🇷🇺 روسيا
تحاول الحفاظ على موطئ قدم في هذا المجال رغم القيود الاقتصادية والتكنولوجية، مع تركيز أكبر على حماية المنشآت الاستراتيجية وتعطيل الاستطلاع.
الاتجاه العام في الدراسات المستقبلية الخاصة بالطاقة الموجهة يشير إلى أن الدول التي تملك قاعدة إلكترونيات متقدمة وصناعة دفاعية واسعة ستكون الأقدر على الاستفادة من هذه الثورة.
٤ إسرائيل والخليج: من التجربة إلى الشبكة
إسرائيل تبدو اليوم أقرب دولة إلى تقديم نموذج عملياتي واضح لاقتصاد الدفاع الليزري. فبحسب تقارير متعددة، اجتاز Iron Beam اختبارات تشغيلية على اعتراض الصواريخ وقذائف الهاون والمسيّرات، وجرى التخطيط لإدماجه في شبكة الدفاع الجوي كطبقة خامسة مكمّلة للقبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومات Arrow. وتكمن أهمية هذا التطور في أنه لا يهدف إلى استبدال الصواريخ الاعتراضية بالكامل، بل إلى تخصيصها للتهديدات الأثقل والأبعد مدى، وترك الأهداف الأرخص والأكثر عدداً لمنظومة اعتراض منخفضة الكلفة وسريعة الاستجابة.
في الخليج العربي، تبدو جاذبية هذه التكنولوجيا واضحة أيضاً. فحماية المنشآت النفطية، والموانئ، والمطارات، والمدن عالية الرقمنة من المسيّرات والصواريخ القصيرة المدى تتطلب دفاعاً يمكنه العمل باستمرار من دون استنزاف سريع للمخزون الاعتراضي. وإذا استمرت كلفة هذه الأنظمة في الانخفاض ونجحت في إثبات الفاعلية التشغيلية في البيئات الحارة والمغبرة، فمن المرجح أن تصبح جزءاً من شبكات الدفاع الجوي الخليجية خلال العقد المقبل، خاصة لدى الدول التي تستثمر بالتوازي في البنية الرقمية والطاقة والصناعات الدفاعية المحلية.
٥ لماذا لن يختفي الصاروخ؟
رغم كل الحماس، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن الليزر سيلغي الصواريخ أو يحل محلها في المدى المنظور. حتى أكثر المصادر تفاؤلاً تصف Iron Beam ومنظومات مماثلة بأنها عناصر مكمّلة داخل بنية دفاع متعددة الطبقات، لا بديلاً كاملاً عن المنظومات الصاروخية القائمة. ويرجع ذلك إلى قيود معروفة: الطقس، والغبار، والحاجة إلى طاقة كبيرة، وضرورة إبقاء الشعاع مركزاً على نقطة محددة من الهدف، إضافة إلى الصعوبات الأشد في مواجهة الأهداف الباليستية البعيدة أو الأسرع من الصوت أو المناورة.
⚠️ قيود تقنية حقيقية
الطقس والغبار والرطوبة تشتت الشعاع وتقلل فعاليته. الحاجة إلى طاقة كهربائية كبيرة ومستمرة تحدّ من الاستخدام المتنقل. وضرورة تركيز الشعاع على نقطة واحدة من الهدف لفترة كافية تجعل الأهداف السريعة أو المناورة أكثر صعوبة من المسيّرات البطيئة.
الأرجح إذن أن المستقبل سيكون هجيناً. ستعمل الصواريخ الاعتراضية، والمدافع، والحرب الإلكترونية، والتشويش، والليزر ضمن شبكة موحدة، بحيث تتولى كل طبقة نوعاً معيناً من التهديدات وفقاً للمدى والكلفة والسرعة واحتمال الإصابة. هذا يعني أن الثورة الحقيقية قد لا تكون في اختفاء الصاروخ، بل في تغير طريقة توزيع الأدوار بين الوسائل الدفاعية المختلفة.
٦ الفضاء وسيناريوهات 2040
أحد أكثر المسارات إثارة للجدل هو احتمال انتقال بعض تطبيقات الطاقة الموجهة إلى الفضاء. فالغلاف الجوي يضع قيوداً كبيرة على أداء الليزر بسبب الرطوبة والغبار والاضطرابات الحرارية، بينما تبدو البيئة المدارية أكثر ملاءمة نظرياً لانتقال الشعاع، وهو ما يعيد إلى الواجهة تصورات قديمة عن أنظمة اعتراض أو تعطيل فضائية. لكن هذا الاحتمال يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً على سباق تسلح جديد في المدار، ويعيد طرح أسئلة قانونية واستراتيجية حول عسكرة الفضاء ومستقبل الردع في بيئة تتقاطع فيها الأقمار الصناعية والاتصالات والاستطلاع والإنذار المبكر.
🔮 ثلاثة سيناريوهات بحلول 2040
قراءات مستقبلية محتملةبحلول عام 2040، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو سيناريو الاستقرار النسبي، حيث تؤدي فعالية الليزر ضد المسيّرات والتهديدات الرخيصة إلى خفض جاذبية هجمات الإغراق ورفع قدرة الدفاع على الصمود. والثاني هو سيناريو سباق التسلح الجديد، حيث يدفع نجاح الليزر الخصوم إلى تطوير أسراب أكبر، وطلاءات مقاومة للحرارة، وصواريخ أسرع من الصوت، وهجمات سيبرانية تستهدف البنية البرمجية لمنظومات الطاقة الموجهة. أما السيناريو الثالث، وهو الأوسع أثراً، فيقوم على دمج الليزر مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات والمسيّرات والأقمار الصناعية في شبكة قتالية موحدة قادرة على كشف التهديد وتحليله واختيار وسيلة الاعتراض خلال ثوانٍ، وهو ما قد يعيد تعريف مفهوم القيادة والسيطرة ذاته.
٧ من يربح سباق الليزر؟
الفائز في هذا السباق ليس بالضرورة من يملك أقوى شعاع، بل من ينجح في دمج الصناعة والطاقة والإلكترونيات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في منظومة واحدة. هذا الاستنتاج تدعمه دراسات سلاسل التوريد الخاصة بأسلحة الطاقة الموجهة، والتي تظهر أن فعالية هذه الأنظمة تعتمد على بنية صناعية وتقنية متكاملة أكثر من اعتمادها على اختراق منفرد في عنصر واحد. ومن هنا، يصبح سباق الليزر جزءاً من سباق أوسع على من يملك القاعدة الصناعية والتكنولوجية القادرة على تحويل البحث العلمي إلى قدرة عسكرية منتجة وقابلة للنشر الواسع.
أسلحة الليزر لا تمثل قطيعة كاملة مع تاريخ الحرب، بل مرحلة انتقالية كبرى تشبه إدخال الرادار أو الطيران النفاث أو الأقمار الصناعية: تقنية لا تلغي ما قبلها، لكنها تعيد ترتيب النظام العسكري حولها تدريجياً.
وإذا استمرت وتيرة الاستثمار العسكري العالمي المرتفعة، التي بلغت 2.887 تريليون دولار في 2025 بحسب معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، فإن جزءاً متزايداً من هذا الإنفاق سيتجه إلى القدرات التي تسمح بالردع الشبكي منخفض الكلفة وعالي السرعة، وهو السياق الذي يمنح الطاقة الموجهة أهميتها الاستراتيجية المتصاعدة.
أسلحة الليزر تقترب من النضج التشغيلي كأداة فعالة ومنخفضة الكلفة ضد المسيّرات والتهديدات الرخيصة، وهذا وحده يكفي لتغيير اقتصاد الدفاع الجوي. لكنها لن تستبدل الصواريخ الاعتراضية بالكامل في المدى المنظور، بسبب قيود تقنية حقيقية تتعلق بالطقس والطاقة والأهداف السريعة.
الثورة الحقيقية، إذن، ليست في اختفاء سلاح قديم وظهور سلاح جديد، بل في إعادة توزيع الأدوار بين طبقات الدفاع المختلفة، وفي تحوّل القدرة الصناعية والتقنية المتكاملة - لا قوة الشعاع وحدها - إلى المعيار الحقيقي لمن يتقدّم في هذا السباق.
📑 تتمة الملف
يتناول الجزء الثاني من هذا الملف البعد الاقتصادي لهذا التحول بتفصيل أكبر: كيف يعيد سوق أسلحة الطاقة الموجهة تشكيل ميزانيات الدفاع، ومن سيكون رابحاً وخاسراً في هذا السباق، وفرصة دول الخليج فيه. اقرأ الجزء الثاني: كيف ستغيّر أسلحة الليزر ميزانيات الدفاع العالمية؟ ←
📚 المراجع
- UK Ministry of Defence / GOV.UK، "Boost for Armed Forces as new laser weapon takes down high-speed drones"، نوفمبر 2025. gov.uk
- Breaking Defense، "In first, UK test fires $13-per-strike DragonFire laser weapon against 'aerial targets'". breakingdefense.com
- Wikipedia، "DragonFire (weapon)" - تفاصيل البرنامج والكلفة والتوقيت. en.wikipedia.org
- SIPRI، "Trends in World Military Expenditure, 2025" - بيانات الإنفاق العسكري العالمي. sipri.org
- Reuters / Defense News، تقارير حول منظومة Iron Beam الإسرائيلية وإدماجها في الدفاع الجوي متعدد الطبقات. reuters.com
- Army Recognition، تقارير حول برامج HELIOS وDE M-SHORAD الأميركية. armyrecognition.com
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت