في عام 2013 كشف إدوارد سنودن للعالم حجم المراقبة التي مارستها وكالة الأمن القومي الأمريكية على الاتصالات العالمية. في عام 2018 أظهرت فضيحة كامبريدج أناليتيكا كيف يمكن لبيانات شخصية جمعها فيسبوك أن توظَّف للتأثير على الانتخابات. في عام 2023 طرحت جلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي السؤال بصراحة مكشوفة: هل يمكن لتطبيق تسيطر عليه شركة صينية خاضعة لقوانين بكين أن يحتفظ بأمان ببيانات مئة وخمسين مليون أمريكي؟ وراء هذه الأحداث المتفرقة تتشكّل قضية جيوسياسية جوهرية: في عالم باتت فيه البيانات نفط القرن الحادي والعشرين، من يتحكم فيها يتحكم في السلطة.
01ما هي البيانات الاستراتيجية؟
مفهوم "البيانات الاستراتيجية" يغطي واقعاً متنوعاً جداً. ثمة البيانات الشخصية الجماعية: أنماط الاستهلاك والتفضيلات السياسية والشبكات الاجتماعية والموقع الجغرافي، التي تتيح وضع ملفات تعريف لشعوب بأكملها واستباق سلوكياتها واستهداف رسائل سياسية. ثمة البيانات الصناعية: براءات الاختراع وعمليات التصنيع وخطط الإنتاج التي تمثل جوهر المزايا التنافسية للاقتصادات المتقدمة. وثمة بيانات البنى التحتية: مخططات شبكات الكهرباء وأنظمة التحكم في النقل وهندسة شبكات الاتصال التي يكفي اختراقها لشلّ مجتمع حديث دون إطلاق صاروخ واحد.
02الهيمنة الأمريكية وحدودها
المنصات الأمريكية الكبرى — غوغل وميتا وأمازون ومايكروسوفت وآبل — تتركز فيها نسبة استثنائية من البيانات العالمية. وهي ميزة نظرية للولايات المتحدة التي يمكنها من حيث المبدأ الوصول إلى هذه البيانات في إطار قوانين المراقبة الخاصة بها. لكن هذه الهيمنة تمثل أيضاً نقطة ضعف: إذا كانت القوانين الأمريكية تتيح للحكومة الأمريكية الوصول إلى البيانات، فهي تثير قلقاً مشروعاً لدى الدول الحليفة التي ترى بياناتها الوطنية مخزّنة على خوادم أمريكية.
03الاستراتيجية الصينية للبيانات
طوّرت الصين نهجاً مختلفاً جذرياً. داخل حدودها تمارس الدولة سيطرة مطلقة: جدار الحماية العظيم يعزل الإنترنت الصيني، والشركات التكنولوجية ملزمة قانوناً بالتعاون مع أجهزة الأمن، و"قانون أمن البيانات" لعام 2021 يصنّف بعض فئات البيانات "مواردَ استراتيجية وطنية" لا يمكن إخراجها من البلاد. في الخارج تختلف الاستراتيجية: تطبيقات كتيك توك وويشات تجمع بيانات مئات الملايين من المستخدمين الأجانب، وشركات البنى التحتية كهواوي نصبت معدات شبكية في عشرات الدول.
04الكابلات تحت البحار: البنية المنسية للقوة الرقمية
أكثر من تسعة وتسعين بالمئة من حركة الإنترنت الدولية تمر عبر كابلات تحت البحار — بنى تحتية فيزيائية تُوضع في أعماق المحيطات، باتت مواقعها وملكيتها وأمنها رهانات جيوسياسية من الدرجة الأولى. سيطر تاريخياً على هذا القطاع تكتلات أمريكية وأوروبية، لكن فاعلين صينيين — HMN Technologies سابقاً التابعة لهواوي مارين — يتموضعون الآن كموردين بديلين للدول النامية خاصة في أفريقيا ومحيط آسيا والهادئ. مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على حلفائها لإقصاء الموردين الصينيين من مشاريع الكابلات الاستراتيجية، لكن الضغط الاقتصادي حقيقي.
05خاتمة استشرافية
معركة السيطرة على البيانات لم تُخسر — لكنها لم يفز بها أحد بعد. ما هو مؤكد أنها تُخاض الآن، في قرارات غير مرئية في الغالب: أي موردي المعدات الشبكية يُركَّب، أين تُخزَّن بيانات الصحة الوطنية، أي تطبيق يُجاز على هواتف الموظفين الحكوميين. الدول التي لا تمتلك استراتيجية صريحة في هذه المسائل تخسر بالتخلف الافتراضي. وبمجرد جمع البيانات وترسّخ العادات البنيوية، يصبح التراجع بالغ الصعوبة.
لماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالسيول بين واشنطن وبكين: هل تستطيع كوريا الجنوبية البق…
التحالف العسكري الأمريكي والتبعية الاقتصادية الصينية وثاد — كوريا الجنوبية محا…
← اقرأ المقالهل يُعلن عودة الحدود نهايةَ عولمة السعادة؟
Friend-shoring وNear-shoring والـsplinternet — العولمة لا تموت، إنها تتحول إلى…
← اقرأ المقالهل تستطيع أفريقيا أن تكون الرابح الكبير في النظام ال…
ديموغرافيا متفجرة ومعادن حيوية واستقلالية استراتيجية متنامية — الأوراق موجودة،…
← اقرأ المقال