السؤال الذي يطرحه المحللون في شمال شرق آسيا بقسوة مقتضبة: هل يمكن أن تكون في الوقت ذاته الحليف العسكري للولايات المتحدة وأول شريك تجاري للصين؟ تعيش كوريا الجنوبية هذا التناقض يومياً منذ عقد، وتصاعد التوتر بين بُعدَيها بشكل حاد منذ عام 2016 حين أثار نشر منظومة ثاد الصاروخية الأمريكية على أراضيها رداً اقتصادياً عقابياً صينياً كلّف اقتصادها عشرات المليارات من الدولارات.
01التحالف الأمريكي: الركيزة التي لا تُتجاوَز
التحالف مع الولايات المتحدة أساس الأمن الكوري الجنوبي منذ الحرب الكورية 1950-1953. الثمانية وعشرون ألف جندي أمريكي المنتشرون في البلاد، والمظلة النووية الأمريكية، والتدريبات العسكرية المشتركة المنتظمة: كل ذلك يشكّل وثيقة تأمين حياة لدولة تتشارك حدوداً مع أكثر دول العالم عسكرة وأشدها غموضاً. التهديد الكوري الشمالي ليس تجريداً — يملك نظام كيم جونغ أون قرابة أربعين رأساً نووياً وصواريخ عابرة للقارات قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية وجيشاً تقليدياً يتخطى المليون جندي. هذا الواقع الجيوستراتيجي يجعل الحياد الكامل مستحيلاً.
02التبعية الاقتصادية للصين
في الوقت ذاته، الصين الشريك التجاري الأول لكوريا الجنوبية بفارق كبير تستوعب ما يقارب ربع صادراتها الإجمالية. الشركات الكورية الكبرى — سامسونج وهيونداي وLG وSK — لها استثمارات ضخمة في الصين وتعتمد على سوقها لجزء معتبر من إيراداتها. حين قررت بكين "معاقبة" سيول بعد نشر ثاد عام 2016-2017، تجاوزت خسائر الشركات الكورية في الصين خمسة عشر مليار دولار بين مقاطعة السياحة والقيود التجارية غير الرسمية وإغلاق المتاجر.
03ثاد بوصفه كاشفاً
قضية ثاد كاشفة بامتياز. نُشر هذا النظام الصاروخي الأمريكي عام 2016 لمواجهة التهديد الباليستي الكوري الشمالي، لكن بكين رأت فيه منظومة مراقبة موجَّهة ضدها — رادار قادر على رصد الصواريخ ما وراء شبه الجزيرة الكورية. الردّ الاقتصادي الصيني جاء فورياً وقاسياً. في مواجهة هذه الضغوط، تفاوضت سيول مع بكين على اتفاق "ثلاثة لا" غير رسمي: لا توسيع لثاد، ولا اندماج في شبكة دفاع صاروخي أمريكية إقليمية، ولا تعاون عسكري ثلاثي ذي توجه مناهض للصين. يكشف هذا الاتفاق عن حقيقة صارخة: اضطرت كوريا الجنوبية إلى تقديم تنازلات استراتيجية للصين للحفاظ على مصالحها الاقتصادية، في مجال يُعدّ عادةً من صميم السيادة الوطنية.
04خاتمة استشرافية
الحياد الكامل وهمٌ بالنسبة لكوريا الجنوبية. ما تمارسه سيول فعلاً هو نوع من "الحياد المُدار": الحفاظ على التحالف الأمريكي عمودَ فقراتها الأمني مع إبقاء علاقات اقتصادية مقبولة مع الصين وتجنّب الاستفزازات غير الضرورية. توازن هش يتطلب إتقاناً دبلوماسياً دائماً، وقابل للانهيار في أي أزمة في مضيق تايوان أو عدوان كوري شمالي جديد. لكنه حتى الآن التوازن الوحيد القابل للحياة.
هل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقالهل ضاعت معركة السيطرة على البيانات العالمية؟
من RGPD إلى تيك توك والكابلات تحت البحار — من يتحكم في البيانات يتحكم في قوة ا…
← اقرأ المقالبحر الصين الجنوبي: المعركة الصامتة للسيطرة على تجارة…
خمسة تريليونات دولار سنوياً وجزر اصطناعية معسكرة وخط التسع نقاط المنازَع — من …
← اقرأ المقالهل تستطيع الصين تجاوز الغرب في سباق الذكاء الاصطناعي…
قوة البيانات مقابل الإبداع الخوارزمي — الواقع الراهن لموازين القوى واختناق أشب…
← اقرأ المقال