🔑سباق التسلحشرق آسياالصيناليابانكوريا الجنوبيةكوريا الشماليةالردع

تشهد منطقة شرق آسيا سباق تسلح من أضخم ما عرفه العالم منذ الحرب الباردة. فحجم الإنفاق العسكري في المنطقة تجاوز 600 مليار دولار سنوياً، وتتسابق القوى الكبرى على تعزيز قدراتها البحرية والجوية والصاروخية بوتيرة لم تشهدها المنطقة منذ عقود. لا يتعلق الأمر هنا بتهديدات وهمية بل بمعادلات استراتيجية حقيقية تتشابك فيها أطماع الهيمنة الإقليمية والنزاعات الإقليمية وخطوط الإمداد الدولية.

في قلب هذا السباق أربعة لاعبين محوريين: الصين ذات الطموح الكوني، واليابان الصاحية من عقود التزام الهدوء، وكوريا الجنوبية المُدفوعة بالتهديد الشمالي، والولايات المتحدة الساعية إلى الحفاظ على تفوقها في المحيط الهادئ. لكل منها حسابات مختلفة، ولكن النتيجة واحدة: منطقة تتراكم فيها الأسلحة بمعدل مقلق.

الصين: قيادة السباق

الصين: أكبر برنامج تحديث عسكري في التاريخ الحديث

تُنفق الصين على دفاعها ما يزيد على 225 مليار دولار سنوياً وفق التقديرات الرسمية، وتُشير تقارير غربية إلى أن الإنفاق الفعلي قد يكون ضعف ذلك. والهدف المُعلَّن: امتلاك جيش عالمي المستوى بحلول 2035 وتحقيق "الريادة العسكرية" بحلول 2049. وقد أبهرت الصين العالم في هذا المسار بمعدلات غير مسبوقة لبناء السفن الحربية: خلال السنوات العشر الأخيرة أطلقت أكثر مما بنته سائر أساطيل العالم مجتمعة في الفترة ذاتها.

الدولةالإنفاق العسكري 2025حاملات الطائراتالغواصاتالطائرات المتقدمة
الصين225+ مليار $3 (جارٍ بناء 4)70+2000+
اليابان51 مليار $2 (معدَّلة)22350+
كوريا الجنوبية46 مليار $1 (قيد البناء)22450+
الولايات المتحدة (المحيط الهادئ)100+ مليار $ (مخصص)5-6 (متمركزة)30+800+
اليابان تستيقظ

اليابان: من الدفاع السلبي إلى الردع الفعّال

أعلنت اليابان في 2022 عن أكبر تحول في سياستها الدفاعية منذ 1947: مضاعفة الميزانية العسكرية إلى 2% من الناتج المحلي، والحصول على صواريخ بعيدة المدى تطال الأراضي الصينية والكورية الشمالية، وتحويل حاملتَي مروحيات إلى حاملات طائرات من طراز F-35B. هذه التحولات تُعيد تحديد دور اليابان في الأمن الإقليمي من شريك ثانوي إلى ركيزة أولى في منظومة الردع الأمريكي بالمحيط الهادئ.

كوريا الجنوبية: التسليح الذاتي

كوريا الجنوبية: تحوّل من الاعتماد إلى الاكتفاء الذاتي

دفع التهديد الكوري الشمالي المتصاعد كوريا الجنوبية إلى الاستثمار في صناعة دفاعية محلية تُعدّ اليوم من بين الأكثر ديناميكية في العالم. صدّرت سيول عام 2022-2023 كميات ضخمة من الدبابات K2 ومدافع K9 الذاتية الحركة لبولندا ورومانيا وأستراليا، مما جعل كوريا الجنوبية واحداً من أسرع مُصدّري الأسلحة نمواً في العالم. كما تطوّر برنامجها الصاروخي بوتيرة متسارعة استجابةً لتجارب بيونغ يانغ المتكررة.

التهديد النووي الكوري الشمالي

كوريا الشمالية: الجوكر النووي في مشهد إقليمي مُتوتر

تُعقّد كوريا الشمالية المعادلة الاستراتيجية في المنطقة بشكل استثنائي. فهي رغم اقتصادها المتداعي تمتلك ما يُقدَّر بـ40 إلى 60 رأساً نووياً، وصواريخ عابرة للقارات تطال الأراضي الأمريكية نظرياً، وأكبر ترسانة من الأسلحة الكيماوية في العالم. ويُضاف إلى ذلك إمدادها روسيا بملايين القذائف والصواريخ في إطار صفقة مبادلة بالتكنولوجيا العسكرية الروسية.

الولايات المتحدة: إعادة تموضع

الولايات المتحدة: تعزيز الردع الموزّع في المحيط الهادئ

تُعيد واشنطن هيكلة وجودها العسكري في المحيط الهادئ وفق مبدأ "الردع المتكامل": توزيع القوات على مواقع متعددة بدلاً من تركيزها في قواعد كبيرة عُرضة للضربات الصينية، وتعزيز قدرات اليابان والفلبين ودول أخرى على الدفاع الذاتي لتحمّل العبء الأولي لأي مواجهة. كما تعمل على نشر صواريخ بعيدة المدى أرضية في الفلبين واليابان.

مخاطر سباق التسلح: التصعيد غير المقصود

ثمة خطر حقيقي يُحذّر منه المحللون الاستراتيجيون: ما يُسمى بـ"معضلة الأمن"، وهي الحلقة المفرغة التي تُصبح فيها إجراءات كل طرف الدفاعية تهديداً في نظر الطرف الآخر، مما يدفعه إلى الاستجابة بتعزيز تسليحه، وتستمر الحلقة في التصاعد حتى تُصبح المواجهة العرضية أكثر احتمالاً. وتفتقر منطقة شرق آسيا إلى الإطار الحواري الذي كان يُدير توترات الحرب الباردة (خط أحمر مباشر، اتفاقيات للحد من التسلح).

السيناريو الأكثر ترجيحاً

⚖️ استمرار سباق التسلح مع ردع متبادل يمنع الحرب الشاملة

الأرجح خلال 2026-2035 هو استمرار التنافس التسليحي بلا توقف، مع إبقاء الردع المتبادل على خط التوازن الهش. الخطر الحقيقي ليس في حرب مخطَّطة بل في حادثة بحرية أو جوية غير محسوبة في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان تُطلق دوامة تصعيد يصعب إيقافها.

الاقتصاد سيُشكّل ضابطاً محورياً: فالترابط الاقتصادي بين الصين واليابان وكوريا وأمريكا بلغ مستويات تجعل الحرب الشاملة بينها كارثية على الجميع. لكن هذا الترابط لم يمنع حروباً في الماضي حين تصاعدت حدة المشاعر القومية.

❓ أسئلة متكررة
هل تمتلك كوريا الجنوبية برنامجاً نووياً؟
لا، كوريا الجنوبية وقّعت معاهدة عدم الانتشار النووي. لكن استطلاعات الرأي تُظهر أن نسبة كبيرة من الكوريين الجنوبيين (تصل إلى 70% وفق بعض الاستطلاعات) يؤيدون امتلاك سلاح نووي. وقد ناقش مسؤولون كوريون جنوبيون علناً هذا الخيار في ضوء التهديد الكوري الشمالي، مما يثير توترات مع واشنطن.
ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس جيوبولو

محلل متخصص في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا والقوى الكبرى. مؤسس مجلة جيوبولو للتحليلات الاستراتيجية المستقلة.

النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.