بعد ثمانية عقود من الالتزام بدستور السلام الذي فُرض عليها عقب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، تُشهد اليابان تحولاً عسكرياً هو الأعمق والأكثر إثارةً للجدل في تاريخها الحديث. ففي ديسمبر 2022، أعلنت حكومة الرئيس فوميو كيشيدا عن استراتيجية أمنية وطنية جديدة تقلب المعادلة الدفاعية اليابانية رأساً على عقب: ضمّن الميزانية العسكرية للضعف خلال خمس سنوات لتصل إلى 2% من الناتج المحلي (ما يعني نحو 80 مليار دولار سنوياً بحلول 2027)، والحصول على قدرة "ضرب المنشآت العدائية" (التي كانت محرَّمة دستورياً سابقاً)، وشراء صواريخ بعيدة المدى يابانية وأمريكية الصنع.
ما الذي أعاد تشكيل هذه المعادلة بعد عقود من الاستقرار؟ الإجابة تتشكّل من عوامل ثلاثة: الصعود العسكري الصيني الصاروخي، وتنامي التهديد النووي الكوري الشمالي، وقلق طوكيو من أن الضمانة الأمنية الأمريكية قد لا تكون كافية في أزمة حادة.
المادة التاسعة: الدستور الذي قيّد اليابان لثمانية عقود
تنص المادة التاسعة من الدستور الياباني (1947) على تخلي اليابان إلى الأبد عن الحرب كحق من حقوق السيادة الوطنية، وعن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها لتسوية النزاعات الدولية. وتحظر الإبقاء على قوات حربية. وقد تحايلت اليابان على هذا القيد بإنشاء "قوات الدفاع الذاتي" (SDF) الذي اعتُبر دستورياً لكونه محدوداً بالدفاع الذاتي. لكن تفسير هذه المادة تمدّد تدريجياً منذ التسعينيات، ووصل إلى نقطة التحول الكبرى في 2022-2023.
📊 التحول العسكري الياباني: أرقام
• الميزانية العسكرية اليابانية 2023: 51 مليار دولار. • المستهدف 2027: نحو 80 مليار دولار (2% من الناتج). • طلبيات صواريخ Tomahawk الأمريكية: 400 صاروخ بعيد المدى. • صواريخ يابانية محلية بمدى حتى 1000 كم قيد التطوير. • طلبيات F-35 يابانية: 147 طائرة (الأكبر خارج الولايات المتحدة).
البيئة الأمنية التي أجبرت اليابان على التحرك
تحيط باليابان بيئة أمنية من بين الأكثر تعقيداً في العالم: الصين تُطوّر أكبر قوة بحرية في العالم وتضغط في بحر الصين الشرقي حول جزر سينكاكو/دياويو التي تطالب بها طوكيو وبكين معاً. وكوريا الشمالية أجرت عشرات الاختبارات الصاروخية بما فيها رشقات عبرت فوق الأجواء اليابانية. وروسيا تواصل التوترات حول جزر كوريل المتنازع عليها منذ الحرب العالمية الثانية.
ما الذي تمتلكه اليابان الآن؟ التحديث غير المسبوق
تبنّت اليابان برنامجاً تسليحياً غير مسبوق يشمل: أولاً، الصواريخ البعيدة المدى لأول مرة في تاريخ قوات الدفاع الذاتي: صواريخ توماهوك الأمريكية بمدى 1600 كم وصواريخ يابانية بمدى 1000 كم، وهو ما يمنحها قدرة الضرب الاستباقي المحرّمة دستورياً حتى عهد قريب. ثانياً، مقاتلات F-35 (147 طائرة) وتعديل حاملتَي المروحيات "إيزومو" و"كاغا" لتتحول إلى حاملات طائرات حقيقية. ثالثاً، أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة من نوع Aegis Ashore وسفن مجهّزة بنظام Aegis.
كيف تنظر آسيا إلى اليابان المُسلَّحة؟
أثار التحول العسكري الياباني ردود فعل متباينة. في كوريا الجنوبية، تتجاذب السياسة الكورية نحو اليابان توترٌ تاريخي مستمر (الاستعمار الياباني 1910-1945) ومتطلبات التعاون الأمني في مواجهة التهديدات المشتركة. أما الصين، فردّت رسمياً بقلق شديد واصفةً التحول بـ"الخروج عن المسار السلمي"، بينما يرى المحللون الصينيون أن اليابان المُسلَّحة ستُعقّد حسابات بكين في أي أزمة تايوانية. وحيّبت الولايات المتحدة التحول الياباني كأحد أبرز ثمار استراتيجية الردع الموزّع في المحيط الهادئ.
نهضة الصناعة الدفاعية اليابانية: السلاح كسياسة
حتى وقت قريب، كانت اليابان تحظر تصدير الأسلحة. وفي عام 2023-2024، رفعت هذه القيود جزئياً لتسمح بتصدير الأسلحة المنتجة بالترخيص الأمريكي. وتبدو طوكيو عازمة على تطوير صناعة دفاعية وطنية قادرة على التصدير، لا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة وتقنيات الشبح والصواريخ. ويُمثّل التعاون مع المملكة المتحدة وإيطاليا في مشروع مقاتلة الجيل السادس GCAP إشارةً واضحة إلى هذا التوجه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
الأرجح أن اليابان ستُكمل تحولها نحو أحد أقوى جيوش المحيط الهادئ بحلول 2030، مع الحفاظ على الإطار الدستوري السلمي رسمياً عبر توسيع تفسيره. التحالف الأمريكي الياباني سيبقى محوراً للاستراتيجية الدفاعية، مع دور أكبر لطوكيو في إدارة الاستجابة للأزمات.
النقطة الأكثر حساسية: الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب الأراضي الصينية والكورية الشمالية تُغيّر معادلة الردع الإقليمي تغييراً جذرياً. ستُقابل الصين بزيادات عسكرية مضادة، وسيدور سباق تسلح ضمني يجعل منطقة شرق آسيا الأشد خطورة في العالم خلال العقد القادم.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.