تُمثّل القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في أرجاء المعمورة أحد أكثر التعبيرات وضوحاً عن توزيع النفوذ العسكري في العالم. وبنظرة على خريطة هذه القواعد، تتجلى صورة للهيمنة الأمريكية غير المسبوقة في تاريخ القوى الكبرى: تمتلك الولايات المتحدة نحو 750 قاعدة أجنبية موزّعة على أكثر من 80 دولة، أي أكثر من مجموع قواعد سائر دول العالم مجتمعةً.
📊 أرقام القواعد العسكرية الأجنبية 2025
الولايات المتحدة: ~750 قاعدة في 80+ دولة. روسيا: ~26 قاعدة. الصين: 5 قواعد معلنة (1 في جيبوتي + مواقع أخرى). فرنسا: ~20 قاعدة. المملكة المتحدة: ~14 قاعدة. تركيا: 11 قاعدة. الإجمالي الدولي للقواعد الأجنبية: يتجاوز 800.
القواعد الأمريكية: شبكة الهيمنة الكونية
تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية على كل قارات العالم، وتُشغّل 95% منها خارج الولايات المتحدة. وتتوزع هذه القواعد بين ثلاثة مستويات: القواعد الكبرى (Main Operating Bases) كقاعدة رامشتاين في ألمانيا وكاديينا في اليابان وعديد في قطر؛ والقواعد الثانوية (Forward Operating Sites)؛ والمواقع التعاونية الأمنية الأصغر. وتُكلّف شبكة القواعد الأمريكية نحو 55 مليار دولار سنوياً للتشغيل والصيانة، وهو رقم يفوق الميزانية الدفاعية لمعظم دول العالم.
القواعد في أوروبا: نحو تحصين الجناح الشرقي
أحدثت الحرب الأوكرانية نقلة نوعية في هيكل الوجود العسكري الغربي في أوروبا. فقد تضاعفت القوات الأمريكية في ألمانيا وبولندا ودول البلطيق. وأُنشئت مجموعات قتالية متعددة الجنسيات في المجر وبلغاريا وسلوفاكيا ورومانيا. كما تحولت فنلندا والسويد من الحياد إلى العضوية الكاملة في حلف الناتو، مما أضاف آلاف الكيلومترات من الحدود المتاخمة لروسيا إلى الجناح الناتوي.
القواعد في منطقة المحيط الهادئ: الجبهة الأساسية ضد الصين
يُحتضن نحو 85,000 جندي أمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، موزّعين على اليابان وكوريا الجنوبية وغوام وهاواي والفلبين وأستراليا. وتُشكّل هذه القواعد السلسلة الدفاعية الأولى في مواجهة التمدد الصيني المحتمل في المحيط الهادئ. وقد تعزّز هذا الحضور مؤخراً بفضل اتفاقية AUKUS التي تُتيح للغواصات الأمريكية التواجد في الموانئ الأسترالية.
القواعد في الشرق الأوسط: شبكة استراتيجية متكاملة
تمتلك الولايات المتحدة شبكة قواعد متكاملة في الشرق الأوسط تشمل: قاعدة العديد الجوية في قطر (أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة)، والمقر الرئيسي للأسطول الخامس في البحرين، وقواعد في الكويت والإمارات ودييغو غارسيا (المحيط الهندي). وتُعدّ هذه الشبكة المحرك الأساسي لتوفير القدرة الردعية في مواجهة إيران وحماية الملاحة في مضيق هرمز والممرات البحرية الحيوية.
المنافسون يبنون قواعدهم
تمتلك روسيا شبكة قواعد أصغر لكن أكثر استراتيجية: قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري في سوريا (الوحيد لها على البحر المتوسط)، وقواعد في أرمينيا وطاجيكستان وقرغيزستان (مجال ما بعد السوفيتي)، وحضور مستحدث في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وعدد من الدول الأفريقية.
أما الصين، فقد أقامت قاعدتها العسكرية الأجنبية الأولى في جيبوتي عام 2017، وهي تسعى بصمت إلى تطوير قدرات لوجستية في موانئ باكستان وميانمار وسريلانكا وكمبوديا والإمارات. ويُشير هذا التوجه إلى أن بكين تُبني "سلسلة لؤلؤ" للحضور البحري رغم نفيها الرسمي لأي نوايا توسعية.
قواعد القوى المتوسطة: تعزيز النفوذ الإقليمي
تُوسّع تركيا شبكتها العسكرية الخارجية بسرعة لافتة: فبعد قاعدتها في قطر، أضافت حضوراً عسكرياً في ليبيا والصومال والسودان وأذربيجان، وسط توترات مع حلفائها في الناتو حول بعض هذه التحركات. كما تُشغّل فرنسا قواعد متعددة في أفريقيا، رغم أن موجة الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل أجبرتها على إغلاق قواعدها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
يسير العالم نحو نظام قواعد أكثر تعقيداً وتنافسية. فالولايات المتحدة ستُعيد هيكلة شبكتها لا تقليصها، مع التركيز أكثر على آسيا والمحيط الهادئ. والصين ستتوسع تدريجياً في بناء قدرات لوجستية دون الإعلان الرسمي عنها بوصفها قواعد عسكرية. وروسيا ستواصل تعزيز بصمتها الأفريقية للتعويض عن انكفائها الأوروبي.
المتغير الأكثر حسماً سيكون موقف دول "الجنوب العالمي" من هذه القواعد، وما إذا كانت ستتمسك بالسيادة الكاملة أو ستتيح وجوداً عسكرياً مقابل مكتسبات اقتصادية وأمنية.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.