في خضمّ تحولات إقليمية متسارعة، ومع تصاعد التوترات من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر، ومن الخليج العربي إلى المغرب الكبير، تُصبح القدرة العسكرية لدول المنطقة عاملاً حاسماً في تحديد أوزانها الجيوسياسية. وتُقارب هذه الدراسة التفصيلية أقوى الجيوش العربية عام 2026 من خلال منظور متعدد الأبعاد: عدد القوات، ومستوى التسليح، والتمويل، والخبرة القتالية، والقدرات التقنية.
ما يُميّز المشهد العسكري العربي في عام 2026 هو التناقض اللافت بين الإنفاق الضخم على التسليح وضعف الكفاءة التشغيلية في بعض الجيوش. فالمنطقة العربية تستهلك نحو 30% من واردات الأسلحة العالمية، وفق تقارير SIPRI، غير أن أداء هذه الجيوش في الميادين الفعلية لا يتناسب دوماً مع حجم الإنفاق.
منهجية التقييم: كيف نقيس القوة العسكرية؟
تعتمد هذه المقارنة على جملة من المؤشرات: الميزانية العسكرية كنسبة من الناتج المحلي وكقيمة مطلقة؛ وحجم القوات البشرية (نظامية واحتياطية)؛ والأسطول الجوي بمعيار الطائرات المتقدمة؛ والقوة البحرية من حاملات ومدمّرات وغواصات وطاتب دورية؛ والقدرات الصاروخية والردع؛ وأخيراً الخبرة القتالية وجاهزية القوة.
المملكة العربية السعودية: القوة الأولى بالميزانية والتسليح
تتصدّر المملكة العربية السعودية قائمة الجيوش العربية بميزانية دفاعية تُقدَّر عام 2025 بنحو 75 مليار دولار، مما يجعلها من بين أكبر عشرة مُنفقين على الدفاع في العالم. تمتلك المملكة أسطولاً جوياً يُعدّ من الأحدث في المنطقة يضم أكثر من 280 طائرة متقدمة من طرازات F-15SA وEurofighter Typhoon، إضافة إلى طلبيات لطائرات F-35 الأمريكية الشبحية.
غير أن تجربة اليمن كشفت ثغرات تشغيلية حادة: فرغم التفوق الجوي الساحق، أثبتت قوات الحوثيين قدرتها على استنزاف القدرات السعودية عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. ويرى المحللون أن الجيش السعودي يعاني من "مشكلة الوسط"، أي تفوق في التسليح مع نقص في الكوادر التكتيكية المدرّبة.
| الدولة | الميزانية العسكرية (2025) | عدد القوات | الطائرات المتقدمة | المرتبة الإقليمية |
|---|---|---|---|---|
| المملكة العربية السعودية | 75 مليار $ | 257,000 | 280+ | الأولى |
| مصر | 4.5 مليار $ | 438,500 | 220+ | الثانية |
| الإمارات | 22 مليار $ | 65,000 | 180+ | الثالثة |
| الجزائر | 9 مليار $ | 400,000 | 200+ | الرابعة |
| العراق | 3 مليار $ | 200,000 | 80+ | الخامسة |
| المغرب | 5.4 مليار $ | 200,000 | 110+ | السادسة |
| قطر | 3.9 مليار $ | 18,000 | 100+ | السابعة |
| الكويت | 2 مليار $ | 17,500 | 70+ | الثامنة |
مصر: الجيش الأعرق والأكبر بشرياً
يُعدّ الجيش المصري الأضخم عربياً من حيث القوى البشرية، بتعداد يتجاوز 438,000 جندي نظامي ونحو 479,000 احتياطي. ويستند إلى ترسانة متنوعة تجمع بين معدّات روسية السوفيتية الموروثة وتسليح أمريكي وفرنسي حديث. ومن أبرز إضافاته الأخيرة: مقاتلات Rafale الفرنسية، وطائرات MiG-29M روسية، وغواصات ألمانية من فئة Type 209.
يُشكّل الجيش المصري ركيزة مؤسسية للدولة المصرية تتجاوز دوره الحربي التقليدي، إذ يسيطر على حصة كبيرة من الاقتصاد الوطني تُقدَّر بين 25 و40% وفق مصادر مختلفة. وتُمثّل قناة السويس واحدة من أبرز أولوياته الاستراتيجية التي تمس الأمن القومي المصري مباشرة.
الإمارات: كفاءة قتالية وتقنية متقدمة
تحتل الإمارات مكانة خاصة في التصنيف العربي: فرغم صغر حجم قواتها (65,000 جندي)، فإنها تُعدّ الأعلى جاهزية قتالية بين الجيوش العربية. وقد أسّست تجربتها في اليمن وليبيا لسمعة "إسبارطة الصغيرة"، وهو لقب منحها إياه بعض المسؤولين الأمريكيين. وتمتلك أسطولاً من مقاتلات F-16E/F Block 60 ومروحيات الهجوم الأباتشي، إضافة إلى استثمارات ضخمة في الطائرات المسيّرة الهجومية.
الجزائر: الجيش الصامت ذو الإمكانات الكبيرة
يُمثّل الجيش الجزائري حالة مثيرة للاهتمام: فهو يمتلك قدرات ضخمة ومنهجية تسليح صارمة وتجربة قتالية في مواجهة الإرهاب (الحرب الأهلية 1992-2002 والإرهاب في منطقة الساحل)، لكنه يحرص على تجنب الانخراط في نزاعات خارج حدوده. ويعتمد تسليحه بشكل رئيسي على الأسلحة الروسية (Su-30MKA وMiG-29SMT ومنظومات S-400 الدفاعية)، في مقابل محاولات حثيثة للتنويع نحو الصين وإيطاليا.
التحديات الاستراتيجية للجيوش العربية
تواجه الجيوش العربية تحديات مشتركة تتجاوز التسليح: أولاً، ثغرة الاندماج التقني؛ فامتلاك الأسلحة المتقدمة لا يكفي دون بناء قدرة التشغيل المتبادل بين الأصول المختلفة واستيعاب الحروب الشبكية. وثانياً، ضعف الكوادر التقنية؛ إذ يفتقر كثير من الجيوش العربية إلى كوادر مؤهّلة في هندسة الطيران والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني. وثالثاً، التبعية للمورّد الخارجي؛ فمعظم الجيوش العربية معتمدة على صيانة الأسلحة من دولة المصدر، مما يجعل القدرات القتالية رهينةً بالعلاقة السياسية مع المورّد.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
يتّجه المشهد العسكري العربي نحو استمرار الاستثمار الكثيف في التسليح المتطور، لا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. وستُشكّل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة وتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري القوة الفاصلة في نزاعات القرن الحادي والعشرين بالمنطقة.
الأكثر احتمالاً هو بقاء التفاوت الكبير بين دول الخليج المموّلة جيداً ودول المحور البشري كمصر والجزائر والمغرب التي تحاول الموازنة بين الجاهزية والموارد المحدودة. كما سيُصبح الاستثمار في الصناعة الدفاعية المحلية شرطاً استراتيجياً لا ترفاً، خصوصاً مع تزايد المشروطية السياسية في صفقات الأسلحة الغربية.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.