لم تكن روسيا يوماً مجرد دولة، بل كانت في فكر ساستها وجغرافيتها مشروعاً حضارياً خاصاً يتجاوز ما تعرفه الأطر التقليدية للدولة القومية. وقد جاءت حرب أوكرانيا التي اندلعت في فبراير 2022 لتكون المحك الأعنف لهذا المشروع منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على بداية الحرب، يطرح المحللون الاستراتيجيون سؤالاً جوهرياً: ما الذي تبقّى من روسيا كقوة كبرى، وما الذي تغيّر تغيّراً لا رجعة فيه؟
ثمة مفارقة صارخة في حالة روسيا ما بعد الحرب: فهي من جهة أضعف اقتصادياً وأكثر عزلةً عن الغرب مما كانت عليه في أي وقت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي؛ ومن جهة أخرى، لا تزال تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم، وتحتفظ بمقعد دائم في مجلس الأمن، وتواصل حضورها الفاعل في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. فأين تقع روسيا اليوم في النظام الدولي؟
روسيا ما قبل الحرب: وهم القوة المستعادة
في عقد 2010، بدا أن روسيا بوتين قد استعادت كثيراً من مكانتها الدولية التي أضاعتها في التسعينيات. فأسعار النفط المرتفعة دعمت الاقتصاد وملأت خزينة الدولة. وإعادة الانخراط في سوريا (2015) أثبتت أن موسكو ليست منسحبة من الشؤون الدولية. وتعزّز دورها في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كرقيب دولي لا يمكن تجاهله.
غير أن ما كشفته الحرب الأوكرانية هو أن كثيراً من هذه القوة كان مبنياً على أسس هشة: اعتماد مفرط على صادرات الطاقة، وعجز صناعي عن التحديث الذاتي، وضعف مؤسسي في أجهزة الدولة، وإخفاق في بناء اقتصاد قادر على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية.
التكاليف الاقتصادية: العقوبات والتكيّف
فرض الغرب على روسيا حزمة عقوبات غير مسبوقة شملت تجميد أصول المصرف المركزي الروسي البالغة نحو 300 مليار دولار، وإقصاء المصارف الروسية الكبرى من نظام SWIFT، وحظر صادرات التكنولوجيا المتقدمة، وتسقيف سعر النفط الروسي. وعلى الرغم من ذلك، أثبت الاقتصاد الروسي مرونةً أكبر مما توقّعه كثير من المحللين الغربيين: فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% عام 2023، وحافظت روسيا على تصدير نفطها عبر قنوات بديلة إلى الهند والصين وتركيا.
📊 الاقتصاد الروسي: أرقام ما بعد الحرب
الناتج المحلي الإجمالي 2025: نحو 1.8 تريليون دولار (بالأسعار الثابتة). التضخم: 7-9% سنوياً. نسبة الإنفاق العسكري من الناتج: تجاوزت 6%. الدين الخارجي: منخفض نسبياً (نحو 15% من الناتج). الصادرات النفطية للصين والهند: ارتفعت 3 أضعاف منذ 2022.
المكانة الدولية: ما الذي تغيّر فعلاً؟
تغيّرت خريطة النفوذ الروسي على عدة مستويات. فعلى صعيد أوروبا، تحوّلت روسيا من شريك اقتصادي إلى تهديد وجودي في نظر الحلفاء الأوروبيين. وقد ردّ حلف الناتو بتعزيز وجوده على الجناح الشرقي، وانضمام فنلندا والسويد، وزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي. وتحوّل مشروع خط أنابيب الغاز الشمالي "نورد ستريم" من رمز للاعتماد المتبادل إلى حطام في قاع بحر البلطيق.
في المقابل، عمّقت روسيا ارتباطها بمحور غير غربي يضم الصين وإيران وكوريا الشمالية ودولاً أفريقية عدة. وباتت هذه العلاقات أكثر من مجرد تعاون تكتيكي، فهي تُشكّل في مجموعها ما يمكن وصفه بـ"منظومة مضادة للنظام الغربي" وإن ظلّت أقل تماسكاً من حلف ناتو أو منظومة غربية متكاملة.
روسيا في أفريقيا والشرق الأوسط: الاستثمار في فراغ القوة
استثمرت روسيا انسحاب الغرب من مناطق عدة لتعزيز حضورها، ولا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث تنشط مجموعة "فاغنر" (التي أعيد هيكلتها رسمياً بعد مقتل قائدها يفغيني بريغوجين في أغسطس 2023 لتُصبح "مجموعة أفريقيا"). وحصدت موسكو حضوراً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وغيرها، مقدّمةً خدماتها الأمنية كبديل عن الشرطة الدولية الغربية.
الردع النووي: ورقة لعب وطوق نجاة
وظّف بوتين الورقة النووية بذكاء طوال الحرب الأوكرانية، لا بتهديدات مباشرة بل بإشارات غامضة جعلت الحلفاء الغربيين يُحجمون عن تسليح أوكرانيا بأنواع معينة من الأسلحة. وهذا يكشف أن الترسانة النووية الروسية ليست مجرد رادع، بل أداة ضغط فعّالة في إدارة نزاعات دون العتبة النووية.
مسارات روسيا في النظام الدولي الجديد
السيناريو الأول: روسيا شبه منعزلة (احتمال 30%)
تستمر الحرب أو تنتهي بتسوية مُجحفة بحق أوكرانيا، مما يُبقي روسيا تحت العقوبات الغربية وتحت نفوذ صيني متزايد. تتحول موسكو تدريجياً إلى شريك أصغر في الثنائي الصيني الروسي، وتتآكل قوتها التقنية والاقتصادية في غياب التحديث الصناعي.
السيناريو الثاني: روسيا ما بعد الصراع (احتمال 40%)
تُفضي تسوية تفاوضية للحرب إلى رفع جزئي للعقوبات وإعادة انخراط روسيا في الاقتصاد العالمي. لكن المكانة الأوروبية لا تعود، وتستمر روسيا قوةً إقليمية نافذة في الفضاء ما بعد السوفيتي، مع صعود دورها في الجنوب العالمي.
السيناريو الثالث: روسيا المتجددة (احتمال 30%)
تتمكن روسيا من التكيّف الاقتصادي الكامل مع العقوبات، وتبني صناعة دفاعية متقدمة، وتعزّز تحالفاتها مع قوى آسيوية وأفريقية. تنشأ منظومة دولية ثنائية القطب فيها الغرب في مواجهة محور روسيا-صين-إيران مع ذيل من الدول الحاجبة.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
يبدو الأرجح أن روسيا ستبقى لاعباً دولياً محورياً لكنها ستفقد طموحها الأوروبي والنظام الغربي إلى غير رجعة. ستتعمق علاقتها مع الصين لكن دون أن تتحول إلى تبعية كاملة لبكين، إذ لن يقبل الكرملين موضع الشريك الأصغر.
المحرك الحاسم سيكون التجديد التكنولوجي الداخلي: إن تمكنت روسيا من استيراد وتطوير تقنيات الصناعة الدفاعية والرقمية، فإنها ستحافظ على ثقلها. أما إن استمر النزيف التقني بفعل العقوبات، فإن المدى البعيد يُهدد بتراجعها إلى مرتبة القوة النووية من الدرجة الثانية.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.