منذ فبراير 2022، يُعيد العالم رسم تحالفاته الاستراتيجية بوتيرة فاقت توقعات أكثر المحللين جرأةً في استشراف المستقبل. ومن أبرز محاور هذا التحوّل التحالف الروسي الصيني المتعمّق، الذي وصفه بوتين وشي جين بينغ بأنه "شراكة بلا حدود" في فبراير 2022، قُبيل أسابيع قليلة من الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن هل هذه الشراكة متينة فعلاً، أم أنها تفترق حين تتعارض مصالح بكين مع أولويات موسكو؟
المفارقة المثيرة أن العقوبات الغربية التي قُصد بها عزل روسيا وإخضاعها دفعتها في واقع الأمر إلى أحضان الصين أكثر مما كان متوقعاً. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري الصيني الروسي من 146 مليار دولار عام 2021 إلى ما يزيد على 240 مليار دولار عام 2024، مما يجعل الصين الشريك التجاري الأول لروسيا بفارق كبير. لكن هل يعني ذلك أن بكين تُسبغ تأييدها الكامل على سياسة موسكو؟ الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو.
تاريخ الشراكة الروسية الصينية: من الخصومة إلى التقارب
شهدت العلاقة الروسية الصينية في القرن العشرين تقلبات حادة: من التحالف السوفيتي الصيني في الخمسينيات إلى الانشقاق الأيديولوجي الحاد في الستينيات، وصولاً إلى الاحتكاكات الحدودية العسكرية عام 1969. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، انتهزت الصين الفرصة لتوطيد علاقتها مع روسيا الضعيفة من موضع القوة.
في عهد بوتين، تعزّزت الشراكة تدريجياً عبر صفقات الأسلحة والتعاون في الفضاء الما بعد سوفيتي وتنسيق المواقف في مجلس الأمن. وجاء تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون (2001) ثم البريكس ليُرسّخ إطاراً مؤسسياً لهذا التقارب. غير أن الحرب الأوكرانية نقلت هذه الشراكة إلى مستوى مختلف كلياً.
أين تقف الصين فعلاً من الحرب الأوكرانية؟
اختارت الصين موقفاً دقيقاً يجمع بين الحياد المُعلن والدعم الضمني لروسيا. فهي لم تُصوّت ضد العقوبات لكنها رفضت التصويت لصالحها في الأمم المتحدة. واستمرت في استيراد النفط الروسي بأسعار مخفّضة، مما وفّر لموسكو شرياناً اقتصادياً حيوياً. كما واصلت الشركات الصينية تصدير بضائع "ذات استخدام مزدوج" يستفيد منها الجيش الروسي، وإن كانت بكين تؤكد أنها لا تُزوّد روسيا بأسلحة مباشرة.
📊 التبادل التجاري الصيني الروسي
2021: 146 مليار دولار | 2022: 190 مليار | 2023: 240 مليار | 2024: يُقدَّر بـ 260 مليار دولار.
الواردات الصينية من روسيا: نفط وغاز وحبوب ومعادن (نحو 65% من إجمالي الواردات).
الصادرات الصينية لروسيا: سيارات وإلكترونيات وآلات ومنتجات تقنية.
التمويل الصيني: فرصة أم فخ؟
تحتاج روسيا إلى ضخّ استثمارات ضخمة لتحديث بنيتها التحتية وتطوير حقول الطاقة في سيبيريا وإعادة بناء الصناعة التحويلية التي أضرّت بها العقوبات. وتبدو الصين المرشّح الطبيعي لملء هذا الفراغ. لكن ثمة تحفظات صينية جدية: فالشركات الصينية الكبرى تخشى العقوبات الثانوية الأمريكية التي قد تحرمها من الوصول إلى الأسواق الغربية. وقد أدّى ذلك إلى فجوة بين الخطاب السياسي الداعم وحجم الاستثمارات الفعلية على الأرض.
خطوط التوتر في الشراكة: ما لا يُقال علناً
رغم الدفء الظاهر في العلاقة، ثمة توترات حقيقية تُشوّش صورة "الشراكة بلا حدود". فالصين وروسيا تتنافسان في آسيا الوسطى، حيث تعتبر موسكو دول الفضاء ما بعد السوفيتي مجالها الحيوي، بينما تتوسع الصين اقتصادياً وبنيوياً في المنطقة ذاتها. كذلك يختلف البلدان حول مسألة الترتيبات الأمنية في منطقة الهادئ وجنوب آسيا، حيث يتعارض الطموح الصيني أحياناً مع المصالح الروسية في جنوب شرق آسيا.
التعاون التقني والعسكري: العلاقة الأكثر إثارة للجدل
ظلت روسيا لعقود مورّداً رئيسياً للأسلحة للصين. غير أن هذه المعادلة بدأت تنقلب: فقد تجاوز التطور التقني الصيني في مجال الطيران والمركبات المسيّرة والصواريخ نظيره الروسي في بعض المجالات. ويرى بعض المحللين أن الصين باتت تستورد من روسيا بشكل أساسي التكنولوجيا النووية وتقنيات الطيران الشبحي وقدرات الغواصات، بينما تُقدّم لها في المقابل التكنولوجيا المدنية والمنظومات الإلكترونية.
مستقبل التحالف: دوام أم تصدّع؟
سيناريو التعمّق (احتمال 35%)
يستمر التضامن الاستراتيجي بين موسكو وبكين في مواجهة الضغط الأمريكي المتصاعد. تتطور البنية المؤسسية للتحالف لتشمل تنسيقاً أعمق في السياسات الاقتصادية والأمنية. يُصبح البريكس + ومنظمة شنغهاي إطاراً حقيقياً للتعاون متعدد الأبعاد.
سيناريو التوازن الهشّ (احتمال 50%)
يستمر التعاون في المجالات التي تخدم مصالح الطرفين مع تزايد التنافس في مجالات أخرى. تحرص الصين على عدم الانجرار إلى تبعية سياسية تجاه روسيا، بينما تسعى موسكو للحفاظ على قدر من الاستقلالية في سياستها تجاه القوى الأخرى.
سيناريو الابتعاد (احتمال 15%)
تُفضي تسوية الحرب الأوكرانية إلى انفتاح روسي تدريجي على الغرب، مما يُقلّص الحاجة إلى التحالف الصيني. وتعود الصين للتركيز على علاقتها مع الغرب حيث تتمركز أسواقها الأكثر أهمية.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
الأرجح هو استمرار "التحالف الوظيفي" القائم على التقاطع في مواجهة الضغط الأمريكي، دون أن يتطور إلى تحالف استراتيجي كامل بمعنى الناتو. بكين ستحرص على حماية علاقاتها الاقتصادية مع الغرب (التي تبلغ أكثر من 800 مليار دولار سنوياً) وعدم تحويل الشراكة الروسية إلى عبء استراتيجي.
الاستثمارات الصينية في روسيا ستظل دون إمكاناتها الحقيقية طالما بقيت العقوبات الأمريكية والأوروبية. والمعادلة الدقيقة ستكون: الصين تُريد روسياً ضعيفاً بما يكفي لأن يكون شريكاً تابعاً، لكنه أقوى بما يكفي ليكون درعاً استراتيجياً في مواجهة الضغط الغربي.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.