عرّف جوزيف ناي مُبتكر المفهوم القوة الناعمة بأنها القدرة على الحصول على ما تريد بالجذب لا بالإكراه. للصين في هذا إشكالية عميقة: كيف تُقنع العالم بجاذبيتها وهي تقمع الأقليات وتُخمد الديمقراطية وتُصادر البيانات وتُكبّل الإعلام؟
تبنّت الصين استراتيجية تُقابل القصور في الجاذبية بالتوسع في متجهات التأثير. معاهد ثقافية، وإعلام دولي، ودبلوماسية اقتصادية، وتعاون تعليمي، وحضور في منصات التواصل — كمية لتعويض نقص نوعي في المصداقية الديمقراطية. استراتيجية تشبع لا إغراء.
معاهد كونفوشيوس: أكثر من 500 عالمياً (تراجع منذ 2020)
CGTN / China Daily / Xinhua: حضور في 140+ دولة
الطلاب الصينيون في الخارج: 1.1 مليون في 2024
ميزانية الدبلوماسية العامة: تقديرات ~10 مليارات دولار سنوياً
مبادرة الحزام والطريق: 152 دولة موقّعة في 2025
تُقدّم معاهد كونفوشيوس المُدمَجة في جامعات أجنبية نفسها مراكز ثقافية لتعليم الصينية وتعريف الطلاب بالحضارة الصينية. بلغ عددها ذروته بأكثر من 500 معهد عام 2015. في 2026، انخفض العدد إلى أقل من 350 بعد موجة إغلاق كثيفة في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا.
الانتقادات موثّقة: تدخل في الحرية الأكاديمية (موضوعات محظورة: تايوان، التيبت، تيانانمن)، وجمع بيانات عن الطلاب والباحثين، وتمويل غير شفاف مرتبط مباشرة بـHanban (جهة حكومية صينية). عدة تحقيقات برلمانية وثّقت هذه الممارسات وأفضت إلى قيود تشريعية.
تُبثّ قناة China Global Television Network (CGTN) بست لغات منها العربية والفرنسية. تمتلك استوديوهات في لندن وواشنطن ونيروبي وبنية تحتية بمستوى دولي. لكن محتواها مُتوائم بشكل منهجي مع مواقف الحزب الشيوعي الصيني الرسمية.
في أفريقيا، تقدّمت CGTN بصورة لافتة: حضور في 30+ دولة بإصدارات فرنسية وسواحيلية وإنجليزية، تسدّ فراغاً خلّفه تراجع وسائل الإعلام الغربية. للمشاهد الأفريقي الذي يرى في CNN وBBC انحيازاً أطلسياً، تقدّم CGTN بديلاً — دون أن يُدرَك انحيازها الخاص دائماً.
«القوة الناعمة الصينية تنجح حيث تغيب البدائل. حيث تحضر الولايات المتحدة وأوروبا بعرض موثوق، تكافح في الإقناع. جغرافيتها الفاعلة تُطابق جغرافية الغياب الغربي.»
— جوشوا كورلانتزيك، مجلس العلاقات الخارجية، 2025ميّز مفهوم «القوة الحادة» (sharp power) الذي أطلقه National Endowment for Democracy عام 2017 بين التأثير الجاذب (قوة ناعمة) والتأثير المتلاعب والقسري الذي تمارسه بكين أحياناً. الضغط على جامعات لإلغاء محاضرات ناقدة للصين، والتهديدات الاقتصادية ضد دول تستقبل الدالاي لاما، والهجمات السيبرانية على مؤسسات ناقدة — ليس هذا جذباً بل إكراهاً.
هذه القوة الحادة تُفكّك في نهاية المطاف القوة الناعمة التي جاءت لحمايتها. كل واقعة تدخل موثّقة تُعزز الريبة من المؤسسات الصينية الشرعية، وتخلق أثر مظلة يُهلهل حتى الدبلوماسية الثقافية الصادقة.
تعاني القوة الناعمة الصينية تناقضاً جوهرياً: القيم التي تُروّج لها — الانسجام والتعاون وعدم التدخل والتنمية — حقيقية وتجد صدى لدى شرائح واسعة من الجمهور العالمي. لكن النظام السياسي الذي يحملها يجعلها غير ذات مصداقية لمن يعلم ما يجري في شينجيانغ وهونغ كونغ وتيبت.
القوة الناعمة في تحليلها النهائي انعكاسٌ لما يكون عليه البلد فعلاً — ولا يُمكن لأي ميزانية تواصل مهما بلغت أن تردم هذه الهوة على المدى البعيد.
كيف تبني الصين نفوذها الثقافي والاقتصادي حول العالم؟
← اقرأ المقالتحوّل في ميزان القوى — الصين لم تعد تقبل الأدوار الثانوية
← اقرأ المقالاستراتيجية الصين في مواجهة الغرب — النفوذ الناعم والصلب معاً
← اقرأ المقال