عندما أعلن شي جين بينغ في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني أن الصين تسعى لـ"تجديد الأمة الصينية العظيمة" بحلول عام 2049، لم يكن يقرأ خطاباً احتفالياً. كان يضع خارطة طريق لمشروع قومي من أشمل ما عرفه القرن الواحد والعشرون: إعادة تأهيل الصين كقوة عالمية كبرى في كل الميادين، السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية. وما نشهده اليوم من احتكاكات تجارية ومخاوف أمنية وصراعات دبلوماسية بين بكين والغرب هو تعبير عن هذا المشروع الكبير وليس عنه سببه.
01القومية كعقيدة حاكمة
شي جين بينغ ينتمي إلى جيل من القيادة الصينية تشكّل وعيه السياسي في ظل إصلاحات دينغ شياو بينغ التي رفعت مئات الملايين من الفقر، لكنها خلقت أيضاً توترات اجتماعية ونمواً متفاوتاً. هذا الجيل يرفض نموذج القبول الصامت لقيادة الغرب للنظام الدولي، ويرى أن الصين حققت ما يكفي من القوة الاقتصادية لتطالب بمكانة مناسبة في هذا النظام، أو لبناء نظام مواز.
استمرارية شي في السلطة عبر إلغاء حد الولايتين، واحتكاره تدريجياً للقرار، يعكسان أيضاً وصول رؤية استراتيجية طويلة المدى إلى السلطة: رؤية ترى أن الإصلاحات المتدرجة وحدها لا تكفي، وأن الصين تحتاج إلى قيادة مركزية قوية لمواجهة ضغوط الغرب والحفاظ على وحدتها في مرحلة التنافس الكبير.
02الحرب التجارية: أرضية المواجهة الاقتصادية
تحوّل الاقتصاد من حقل للتعاون إلى ميدان للمواجهة منذ عهد ترامب الأول. الرسوم الجمركية المتبادلة، قوانين "فصل سلاسل التوريد"، محاولة الغرب تقليص اعتماده على الرقائق الصينية والمعادن النادرة، كلها مؤشرات على تحول عميق في النظرة الغربية للصين من شريك تجاري إلى منافس استراتيجي.
الصين تردّ بأدوات متعددة. تسريع التخلص التدريجي من الدولار في تبادلاتها الدولية، توسيع نطاق "المدفوعات الرقمية" عبر اليوان الرقمي في دول الجنوب العالمي، وبناء شبكات تجارية بديلة تحت إطار بريكس وشنغهاي.
03الساحة التكنولوجية: معركة المستقبل
إذا كان الجيوسياسيون يتحدثون عن موازين القوى بمنطق عسكري، فإن الساحة الحقيقية للتنافس الصيني-الغربي في القرن الحادي والعشرين هي التكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي، شبكات الجيل الخامس، الحوسبة الكمومية، الفضاء: كل هذه الميادين تحدد من سيملك القوة في العقود المقبلة.
الصين استثمرت بضخامة هائلة في هذه القطاعات. استراتيجية "صنع في الصين 2025" كانت المفصل الذي تنبّه الغرب إلى أن بكين لا تريد أن تظل منتجة لبضائع رخيصة، بل تريد أن تُسيطر على قمة سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية.
04النفوذ الناعم: الرواية المقابلة
على صعيد النفوذ الناعم، تنتهج الصين استراتيجية بديلة للنموذج الغربي. منح الدراسية لآلاف الطلاب من أفريقيا وآسيا، مراكز كونفوشيوس في جامعات العالم، الإعلام الصيني الدولي كـCCTV وChina Daily، ومنح البنية التحتية للدول النامية دون شروط الحوكمة.
الهدف ليس أن يُحبّ العالم الصين بالضرورة، بل ألا يكون موحداً ضدها. الصين تحتاج فقط إلى حيادية الدول النامية، ولا تحتاج إلى تحالفهم الوثيق، لتضمن أن العالم لن يقف ضدها في مجلس الأمن أو المحافل الدولية.
05الخاتمة: مشروع حضاري لا أيديولوجي
الخطأ الأكثر شيوعاً في تحليل الصين هو قراءة استراتيجيتها بمنطق الحرب الباردة الأيديولوجية. الصين ليست الاتحاد السوفيتي الجديد، ولا تسعى إلى تصدير ثورة. إنها تسعى إلى استرداد مكانة ضائعة، وضمان بيئة دولية لا تتهدد استمرارها. لكن هذا الهدف، حين يترجَم إلى أدوات القوة الصلبة والناعمة، يخلق توترات حقيقية مع نظام دولي لا يستوعب بسهولة قوة عظمى ثانية تريد إعادة كتابة قواعد اللعبة. ولهذا السبب، فإن حرب النفوذ بين الصين والغرب لن تنتهي قريباً.
لماذا تعود البلقان ساحةً للصراع الجيوسياسي بين الصين ور…
منطقة صغيرة بمخاطر كبيرة — جغرافيا الانتهازية وتنافس القوى الكبرى في قلب أو…
← اقرأ المقالهل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول…
التحالف الذي بُني لتهديد واحد يواجه انقسامات حول تهديد آخر — تركيا وأوروبا …
← اقرأ المقالهل ما تزال أوروبا قادرة على أن تكون قوة مستقلة بين واشن…
بين الاعتماد الأمني الأمريكي والاعتماد الاقتصادي الصيني — سؤال السيادة الاس…
← اقرأ المقالدبلوماسية الموانئ: كيف تبني الصين إمبراطوريتها البحرية …
قلادة اللؤلؤ تتحول إلى واقع — غوادر وهامبانتوتا وبيراوس: موانئ تُرسم بها خر…
← اقرأ المقال