لم يكن الفن يوماً بريئاً من السياسة، لكن القرن الحادي والعشرين أفرز نسخة أكثر تطوراً واتساعاً من التلاقي بين السينما والقوة. اليوم لا يُنتج مخرجو هوليوود أفلامهم وحدهم، ولا يختار منتجو بكين قصصهم بحرية، ولا تُبث سردية موسكو في الغرف المظلمة فحسب — بل على شاشات هواتفنا الذكية على مدار الساعة.
تعود الشراكة بين هوليوود والجيش الأمريكي إلى الأربعينيات. يمتلك وزارة الدفاع منذ 1948 مكتباً لتنسيق العلاقة مع صناعة السينما، يُعرَّف حالياً بـ«Entertainment Media Office». يُقدّم المكتب الوصول إلى المعدات العسكرية — مقاتلات، حاملات طائرات، دبابات — في مقابل الرقابة على السيناريو. يجب أن يُقدّم الفيلم صورة «إيجابية» عن القوات المسلحة الأمريكية.
هذا التعاون يشمل مئات الأفلام والمسلسلات. Transformers وIron Man وTop Gun — كلها استفادت من وصول ميداني عسكري مشروط بتعديلات سينارية. الاتفاق منفعة متبادلة: هوليوود تُخفّض تكاليف الإنتاج كثيراً، والبنتاغون يُعلن عن نفسه لمئات الملايين من المشاهدين دون إنفاق دولار واحد في ميزانية التواصل.
Top Gun: Maverick (2022): وصول لمقاتلات F-18 وحاملة USS Theodore Roosevelt — زيادة 35% في تجنيد البحرية بعد الفيلم
Iron Man (2008): تصوير في قواعد سلاح الجو
Transformers: 4 أفلام بتعاون عسكري مكثف
Black Hawk Down (2001): إنتاج بدعم مباشر من الجيش الأمريكي
طوّرت الصين منذ 2015 صناعة سينما حربية ذات قوة غير مسبوقة. فيلم «مقاتل الذئب 2» (2017) حقّق أرقام قياسية في شباك التذاكر الصيني بعائدات 870 مليون دولار، مُقدّماً جندياً صينياً خارقاً يُنقذ أفارقة من مرتزقة غربيين. «معركة بحيرة تشانغجين» (2021) حصد 902 مليون دولار — الفيلم الأعلى تصنيفاً في تاريخ السينما الصينية والثالث عالمياً آنذاك.
هذه الإنتاجات ليست تجارية فحسب. إنها مشاريع دولة: سيناريوهات مُعتمَدة من السلطات العسكرية، وتمويل جزئي من استوديوهات جيش التحرير الشعبي، وعرض إلزامي في دور السينما الحكومية. الرسالة ثابتة: الصين قوية، جنودها أبطال، أعداؤها (غربيون في الغالب) جبناء أو فاسدون.
«سينما الحرب في القرن الحادي والعشرين لا تُعرض في القاعات وحدها. تُستهلَك على تيك توك في خمس عشرة ثانية، وفاعليتها الدعائية قد تعادل فيلماً مدته ساعتان.»
— د. نينا ينكوفيتش، خبيرة التضليل الإعلامي، مركز ويلسون، 2025أحدث سوق السينما الصيني تحولاً عميقاً في مضامين الأفلام الأمريكية منذ العقد الأول من الألفية الثالثة. استوديوهات عديدة، حرصاً على الوصول إلى 1.4 مليار مستهلك، قبلت تعديلات سينارية لنيل تأشيرات التوزيع من هيئة الرقابة الصينية (NRTA). استبدال أشرار صينيين بأشرار روس. حذف إشارات إلى تايوان. إضافة ممثلين ومشاهد خصيصاً للنسخة الصينية.
وثّقت منظمة PEN America هذه الظاهرة في تقريرها «صُنع في هوليوود، رُقِب من بكين» (2020). التوتر بين المردودية التجارية والنزاهة السينارية يُنتج سينما أمريكية رقيبة جزئياً على نفسها إرضاءً لبكين — مفارقة لافتة لصناعة تُقدّم نفسها حاملة راية حرية التعبير العالمية.
السينما الحربية أداة قوة استراتيجية متجذّرة في ترسانة القرن الحادي والعشرين. ليس هذا جديداً في جوهره — عملت ليني ريفنشتال لهتلر عام 1934، وأيزنشتاين لستالين — لكن الحجم والتعقيد والبُعد العابر للحدود وصلا إلى مستويات غير مسبوقة.
ما تغيّر هو وعي المُشاهد: نحن نعرف أننا نُستهدَف. السؤال ما إذا كان هذا الوعي يُحصّننا. الأدلة تُشير إلى أنه لا يفعل ذلك دائماً — صورة مؤثرة تتجاوز حاجبنا النقدي، وتُحرّك المشاعر ووجهات النظر ثم تنسحب، تاركةً أثراً نادراً ما نعيه في أنفسنا.
كيف تشكّل السينما الصورة الجيوسياسية للمنطقة؟
← اقرأ المقالالتعاون بين البنتاغون وهوليوود وتأثيره على الصورة العسكرية
← اقرأ المقالكيف تحوّلت منصات التواصل إلى ساحات حرب معلومات حقيقية
← اقرأ المقال