الوهم الأوروبي بامتلاك "استقلالية استراتيجية" حقيقية يعود كلما تزداد الضغوط الخارجية، ويتراجع كلما حان وقت اختباره الفعلي. شارل ديغول طرح الفكرة في ستينيات القرن الماضي، وجاك شيراك جدّدها في رفضه حرب العراق، وإيمانويل ماكرون يعيد بعثها في كل خطاب عن "السيادة الاستراتيجية الأوروبية". لكن بين الطموح والواقع هوةٌ يصعب تجاوزها. فهل تستطيع أوروبا فعلاً أن تكون قوة ثالثة مستقلة في عالم يتشكل حول قطبَي القوة الأمريكي والصيني؟
01الاعتماد الأمني: جذر المشكلة
الجواب الصريح يبدأ من الأمن. أوروبا وضعت دفاعها منذ عام 1949 في يد الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة وتُموّله بشكل غير متناسب. ألمانيا وصلت منذ وقت ليس بعيداً إلى نسبة واحد بالمئة فقط من الناتج الإجمالي المخصص للإنفاق الدفاعي، وهي نسبة هزيلة أمام الالتزام الناتوي البالغ اثنين بالمئة. الغزو الروسي لأوكرانيا كان صاعقة جدّدت الإدراك، وبدأت الميزانيات الدفاعية الأوروبية ترتفع، لكن الفجوة لا تُسد في سنة أو اثنتين.
الاعتماد على الأمن الأمريكي خلق طوال العقود الماضية استهلاكاً لموارد بشرية ومالية هائلة في الاقتصاد التنافسي بدلاً من صناعة الأسلحة. الدول الأوروبية لم تبنِ صناعات دفاعية على مستوى تحدياتها الأمنية، لأن الغطاء الأمريكي كان متاحاً.
02الاعتماد الاقتصادي على الصين: جانبان لا يلتقيان
على الجانب الاقتصادي، أوروبا وجدت نفسها خلال عقدين في علاقة تعاون-منافسة مع الصين تصعب إدارتها. الصين هي أكبر مصدر للواردات الأوروبية، والشركات الأوروبية كفولكسفاغن ومجموعة LVMH وعشرات غيرها استثمرت بضخامة في السوق الصينية. الفصل الكامل عن الصين، ما يُسمى بـ"decoupling"، سيكون مكلفاً جداً للاقتصادات الأوروبية في المدى القصير.
لكن الاعتماد يجعل أوروبا عرضة للضغط الاقتصادي الصيني في لحظات الأزمة. هذا ما كشفته أزمة الكمامات في بداية الجائحة: اكتشفت أوروبا أنها تعتمد على الصين في مدخلات طبية استراتيجية.
03مشروع السيادة الاستراتيجية: أين وصل؟
مشروع السيادة الاستراتيجية الأوروبية ليس وهماً كاملاً. ثمة تقدم حقيقي في بعض المجالات. الاتحاد الأوروبي طوّر أدوات سياسية مشتركة في ملف التنافس التكنولوجي مع الصين: قوانين تدقيق الاستثمار الأجنبي، محاولة بناء قدرة تصنيع رقائق أوروبية، واستراتيجيات تنويع سلاسل التوريد. الأداة الاقتصادية الأوروبية عبر اليورو وقوانين المنافسة والمفوضية الأوروبية تمثل قوة حقيقية لا يمكن إغفالها.
04الفجوات الداخلية: من يمثل أوروبا؟
لكن العائق الأكبر هو الداخلي. مَن يمثل "أوروبا" في التفاوض مع واشنطن وبكين؟ المفوضية الأوروبية؟ مجلس الوزراء؟ برلين وباريس؟ الإجابة مزيج مبهم من كل هؤلاء، وهو ما يجعل القرار الاستراتيجي الأوروبي بطيئاً وغير متماسك في مواجهة شركاء يتخذون قراراتهم بشكل مركزي.
ألمانيا وفرنسا لا تملكان الرؤية ذاتها دائماً. دول أوروبا الشرقية ترى الأمن بعيون مختلفة عن الدول الغربية. والمجر تحت حكم أوربان تسير في كثير من الأحيان في الاتجاه المعاكس.
05الخاتمة: استقلالية نسبية في عالم حقيقي
الواقعية الاستراتيجية تقول إن أوروبا لن تكون قطباً مستقلاً كاملاً في التنافس الأمريكي-الصيني. لكنها يمكن أن تكون قوة ذات وزن مستقل تؤثر في كفة هذا التنافس، تحمي مصالحها بشكل أفضل، وتتجنب الانزلاق إلى تبعية كاملة لأي من طرفي المعادلة. تحقيق ذلك يستلزم وحدة سياسية داخلية أعمق وإرادة لتحمل التكاليف. وهذا على وجه التحديد ما تفتقده أوروبا اليوم.
دبلوماسية الموانئ: كيف تبني الصين إمبراطوريتها البحرية …
قلادة اللؤلؤ تتحول إلى واقع — غوادر وهامبانتوتا وبيراوس: موانئ تُرسم بها خر…
← اقرأ المقالإيران بعد سنوات العقوبات والضربات: هل الجمهورية الإسلام…
قوة تحت الضغط تُطوّر مناعة ذاتية — الاقتصاد الموازي والبرنامج النووي ومحور …
← اقرأ المقالتايوان والحرب المحتملة: هل ينجو الاقتصاد العالمي من صرا…
رقاقة إلكترونية تحكم العالم — لماذا حرب في مضيق تايوان ستكون أعظم صدمة اقتص…
← اقرأ المقالهل انتهى فعلياً النظام العالمي الذي نشأ بعد عام 1991؟
نهاية التاريخ لم تدم — ثلاثة عقود بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والسؤال الأكبر:…
← اقرأ المقال