خلف الصواريخ، والمحطات المدارية، والروبوتات القمرية، تبقى الحقيقة الأكثر حسماً في سباق الفضاء هي الأرقام المكتوبة في الميزانيات. فالفضاء مكلف، وطريقة تمويله تكشف كثيراً عن رؤية الدولة للقوة والنفوذ. واليوم، لم تعد المنافسة الصينية-الأميركية في المدار تُقاس فقط بعدد المهمات أو الصور الرمزية، بل تُقرأ أيضاً في بنود الاعتمادات التي يقرّها الكونغرس في واشنطن، وفي المبالغ التي تخصصها بكين لبرامجها الفضائية المدنية والعسكرية، رغم محدودية الشفافية الصينية في هذا المجال.
١ الولايات المتحدة: قوة إنفاق فضائي بلا منافس مباشر
في الحالة الأميركية، تمثل وكالة الفضاء "ناسا" المؤشر الأكثر وضوحاً أمام الرأي العام. فقد بلغت ميزانية ناسا في السنة المالية 2024 نحو 24.9 مليار دولار. وبعد جدل سياسي حاد حول مقترح خفض الميزانية إلى 18.8 مليار دولار لعام 2026، رفض الكونغرس الأميركي في يناير 2026 معظم هذه التخفيضات المقترحة، وأقرّ ميزانية نهائية بلغت 24.4 مليار دولار لناسا للسنة المالية 2026 - وهي، بحسب جمعية "The Planetary Society"، من أعلى ميزانيات الوكالة منذ عام 1998 إذا أُخذ التضخم بالحسبان، خاصة مع إضافة تمويل تكميلي رفع الرقم الفعلي إلى ما يقارب 27.5 مليار دولار.
📊 معركة الميزانية الأميركية لعام 2026
طلبت الإدارة الأميركية في مايو 2025 خفض ميزانية ناسا بنسبة 24% إلى 18.8 مليار دولار، مع خفض حاد بنسبة 47% في برامج العلوم. لكن الكونغرس، بمجلسيه، رفض معظم هذه التخفيضات في يناير 2026، وأقرّ 24.4 مليار دولار كميزانية أساسية، مع تمويل تكميلي إضافي ضمن قانون موازنة أوسع يرفع الرقم الإجمالي إلى ما يقارب 27.5 مليار دولار - وهو ما يعكس استمرار الدعم السياسي الواسع لناسا عبر الحزبين، حتى في وجه مقترحات خفض من السلطة التنفيذية.
لكن ناسا ليست سوى الجزء العلني من صورة أكبر. فالإنفاق الفضائي الأميركي يشمل أيضاً برامج وزارة الدفاع الخاصة بالأقمار الصناعية للاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر، إضافة إلى موازنات "القوة الفضائية" الأميركية ومشروعات الأمن القومي ذات الصلة بالفضاء. ولهذا تؤكد تحليلات عدة أن الولايات المتحدة تنفق في المجال الفضائي، مدنياً وعسكرياً معاً، أكثر من مجموع ما تنفقه بقية القوى الفضائية مجتمعة. وتشير تقديرات مقارنة سابقة إلى أن الإنفاق الفضائي الأميركي بلغ في 2017 نحو 48 مليار دولار، مقابل حوالي 8.4 مليارات دولار للصين.
٢ الصين: ميزانية أقل شفافية ولكنها تتصاعد بسرعة
تكمن الصعوبة الكبرى في الحالة الصينية في أن بكين لا تنشر صورة مفصلة وواضحة لميزانيتها الفضائية، ولا تفصل بوضوح بين الإنفاق المدني والعسكري. لذلك، يعتمد الباحثون غالباً على تقديرات دولية ومقاربات تحليلية مبنية على النشاط الفضائي، والبرامج المعلنة، والمقارنات مع كلفة المشاريع المشابهة عالمياً.
مع ذلك، تبدو الاتجاهات العامة واضحة. فقد قُدرت الميزانية الفضائية الصينية، المدنية والعسكرية، بنحو 8.4 مليارات دولار في 2017. أما في منتصف عشرينيات هذا القرن، فتشير تقديرات أكثر حداثة إلى نطاق يتراوح بين 10 و20 مليار دولار سنوياً، فيما تضع بعض التصنيفات الحديثة الصين عند مستوى يقارب 19 إلى 20 مليار دولار سنوياً.
ورغم أن هذه الأرقام تبقى أدنى من الإنفاق الأميركي، فإنها تكفي لتأكيد أن الصين أصبحت القوة الفضائية الثانية عالمياً. ففي أقل من عقدين، نجحت بكين في تمويل محطة فضائية مستقلة، ونظام ملاحة عالمي هو "بايدو"، ومهمات قمرية ومريخية، إضافة إلى وتيرة إطلاق متسارعة تعكس انتقالها من موقع الدولة الصاعدة إلى موقع المنافس الهيكلي للولايات المتحدة.
٣ صندوق المقارنة: الأرقام جنباً إلى جنب
عند إضافة الإنفاق العسكري والاستخباراتي الأميركي، يبقى الفارق الإجمالي لصالح واشنطن رغم أن الصين تقلص الهوة تدريجياً. ناسا وحدها تمثل إنفاقاً يماثل أو يفوق كثيراً من التقديرات المنشورة لمجمل البرامج الفضائية الصينية. الصين لا تزال خلف الولايات المتحدة من حيث القيمة المطلقة، لكنها توجه إنفاقها نحو بناء استقلال فضائي يدعم مشروعها العسكري والاقتصادي الأوسع.
٤ نموذجان مختلفان في تمويل الفضاء
المقارنة بين الولايات المتحدة والصين لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل أيضاً بطريقة تنظيمه.
وكالة مدنية واضحة ومعروفة هي ناسا، وبنية عسكرية واستخباراتية أوسع بكثير، وقطاع خاص فضائي شديد الحيوية تدعمه العقود الحكومية ويؤدي دوراً متزايداً في الإطلاق والخدمات المدارية والاتصالات.
الفضاء يدخل ضمن منطق "الاندماج المدني-العسكري"، حيث تتقاطع الأهداف العلمية والعسكرية والصناعية في إطار استراتيجي واحد تشرف عليه الدولة والشركات العامة ومؤسسات مرتبطة بالجيش.
وهذا يعني أن الميزانية الفضائية الصينية لا تمول برامج استكشاف فقط، بل تخدم أيضاً مشروعاً أشمل يتعلق بالسيادة التكنولوجية وصعود الصين كقوة عالمية.
٥ من ينفق أكثر… ولأي غرض؟
من حيث الأرقام المطلقة، تبقى الولايات المتحدة في موقع الصدارة من دون منازع. فميزانية ناسا وحدها تضاهي أو تتجاوز بعض التقديرات الكلية المنشورة للبرامج الفضائية الصينية، في حين يشكل الإنفاق العسكري الأميركي على الفضاء طبقة إضافية يصعب قياسها بدقة لكنها تعزز الفارق بشكل كبير.
لكن الأهم من سؤال "من ينفق أكثر؟" هو سؤال "أين تذهب الأموال؟".
🇺🇸 وجهة الإنفاق الأميركي
جزء كبير يتجه إلى منظومات الإنذار المبكر، والأقمار الاستخباراتية، والاتصالات العسكرية، والبنية المدارية المرتبطة بالردع والعمليات العالمية، فيما تبقى البرامج العلمية والمهمات المأهولة مكوناً مهماً لكنه ليس الوحيد.
🇨🇳 وجهة الإنفاق الصيني
تركيز واضح على بناء بنية تحتية فضائية مستقلة، وتحقيق إنجازات رمزية كبرى في القمر والمريخ، ودعم القدرات العسكرية عبر الملاحة والاتصالات والاستطلاع.
ومن هذا المنظور، لا تحاول بكين إنفاق المبلغ نفسه الذي تنفقه واشنطن، بل تسعى إلى إنفاق ما يكفي في المواقع التي تمنحها أقصى عائد استراتيجي.
٦ اتجاهات 2025–2035: تقارب تدريجي أم فجوة مستمرة؟
خلال العقد المقبل، قد تعيد عدة عوامل رسم التوازن بين الطرفين. فمن جهة، يحذر بعض المراقبين الأميركيين من أن تقليص بعض موازنات العلوم الفضائية أو إعادة توجيهها قد يضعف أجزاء من التفوق الأميركي على المدى الطويل. ومن جهة أخرى، تواصل الصين السير ضمن رؤية تمتد حتى 2045، هدفها التحول إلى قوة فضائية رائدة، مع تصاعد ثابت في التمويل وتوسيع البرامج الفضائية ذات الاستخدام المزدوج.
ومع ذلك، لا تزال تحليلات غربية عديدة تصف المنافسة بأنها "سباق غير متكافئ"، لأن الفارق التراكمي في الموارد، والخبرة، والبنية الصناعية، والقطاع الخاص الفضائي، لا يزال يميل بوضوح لمصلحة الولايات المتحدة.
٧ كيف سترد الولايات المتحدة على هذا الصعود؟
الرد الأميركي المرجح على صعود الصين الفضائي لن يكون انسحاباً من المدار، بل تسريعاً للتطوير. فمن منظور واشنطن، لا تمثل القدرات الصينية المتنامية في الفضاء مجرد تقدم طبيعي لدولة صاعدة، بل تشكل تآكلاً تدريجياً للفارق النوعي الذي استفادت منه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
🎯 ثلاثة مسارات أميركية متوازية
الرد المرجّح على صعود الصينبمعنى آخر، لن تحاول الولايات المتحدة منع الصين من دخول الفضاء، لأن ذلك لم يعد ممكناً عملياً، لكنها ستسعى إلى جعل التقدم الصيني أكثر كلفة، وأكثر عرضة للردع، وأكثر تقييداً بتحالفات وتكنولوجيا تظل واشنطن فيها الطرف الأقوى.
السؤال لم يعد ما إذا كانت الصين قادرة على منافسة الولايات المتحدة في الفضاء، بل كيف ومتى يمكن أن تقلص الفجوة إلى حد تصبح معه شريكاً إجبارياً أو خصماً لا يمكن تجاوزه في تحديد مستقبل المدار والأمن الفضائي.
تكشف مقارنة الميزانيات الفضائية بين الولايات المتحدة والصين عن واقع مزدوج: واشنطن ما تزال تتفوق بوضوح في الحجم، والعمق الصناعي، والبنية المؤسسية، والقطاع الخاص؛ لكن بكين لم تعد مجرد لاعب صاعد يلاحق الآخرين من بعيد، بل تحولت إلى قوة فضائية تملك التمويل الكافي لتثبيت موقعها كمنافس استراتيجي طويل الأمد.
هذا الفارق في الأرقام، رغم وضوحه، لا يعني بالضرورة فارقاً مماثلاً في الأثر الاستراتيجي: فكما رأينا في الجزأين السابقين من هذا الملف، تكفي ميزانية أصغر، إذا وُجّهت بدقة نحو الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي والأقمار العسكرية، لتغيير حسابات الردع في منطقة بأكملها.
📚 المراجع
- NASA / Wikipedia، "Budget of NASA"، تفاصيل ميزانية 2024 و2026. en.wikipedia.org/wiki/Budget_of_NASA
- Space.com، "Congress passes $24.4 billion NASA budget, rejecting Trump's deep cuts"، يناير 2026. space.com
- The Planetary Society، "Your Guide to NASA's Budget" وتحليلات ميزانية 2026. planetary.org
- American Astronomical Society، تفاصيل ميزانية ناسا للسنة المالية 2026 المعتمدة من الكونغرس. aas.org
- The Conversation، تحليلات مقارنة حول الإنفاق الفضائي الأميركي والصيني. theconversation.com
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت