في ردهات وزارة الدفاع اليابانية في طوكيو، يتردد سؤال لا يُصاغ رسمياً لكن الجميع يعمل عملياً على الإجابة عنه: ماذا تفعل اليابان إذا قررت واشنطن في لحظة أزمة حادة في مضيق تايوان عدم التدخل عسكرياً؟ هذا السؤال الذي كان سيبدو افتراضياً أو حتى كفراً بالتحالف الأمريكي-الياباني قبل عشر سنوات — إذ بدا التحالف دعامةً لا تُزلزَل —، أصبح تساؤلاً استراتيجياً حقيقياً في كازوميغاسيكي حي الوزارات الياباني. والجواب الذي تقدمه اليابان عليه بصمت لكن بمنهجية هو تقليص تدريجي لتبعيتها التشغيلية من واشنطن.
01القلق الجوهري: موثوقية الضمانة الأمريكية
ما زرع بذرة الشك في الدوائر الاستراتيجية اليابانية ليس حدثاً واحداً بل تراكم إشارات لأمريكا أكثر تردداً في الانخراط العسكري خارج حدودها. فوضى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021. الحذر الأمريكي المحسوب تجاه الاستفزازات الروسية قبيل الحرب وأثناء أشهرها الأولى. الصعود السياسي المستدام لتيار عزلاتي أمريكي تجسّده ترامبية متجذرة تتجاوز شخصه. والأهم التساؤل الذي يطرحه محللون أمريكيون أنفسهم: هل ستخاطر أمريكا بحرب نووية مع الصين دفاعاً عن تايوان، وإن فعلت فهل تدافع أيضاً عن اليابان إذا انزلقت في الصراع؟
02القدرات الهجومية بعيدة المدى: ثورة مفاهيمية
القرار الياباني الأكثر دلالة رمزياً في مسار الاستقلالية الاستراتيجية هو اقتناء قدرات هجومية بعيدة المدى. لعقود ظلت قوات الدفاع الذاتي اليابانية دفاعية بحتة — تستطيع صدّ هجوم لكن لا تضرب أهدافاً معادية خارج أراضيها. هذا القيد المنسجم مع المادة التاسعة من الدستور وعقيدة "الدفاع الحصري" أُعيد تفسيره جذرياً. طلبت طوكيو مئات صواريخ توماهوك الأمريكية، تُسرّع تطوير صواريخ أرض-أرض محلية الصنع بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الصين وكوريا الشمالية، وتطور صاروخاً فرط صوتي بعيد المدى من إنتاجها الوطني.
03الصناعة الدفاعية: قيود مرفوعة ومنافسة متجددة
المحور الثاني للاستقلالية اليابانية صناعي. تمتلك اليابان صناعة دفاعية متطورة — ميتسوبيشي هيفي إندستريز وكاواساكي وIHI —، لكن قدراتها ظلت تاريخياً مُكبَّلة بتشريعات مقيِّدة لتصدير الأسلحة وبخيار واعٍ للشراء الأمريكي بدلاً من تطوير منظومات وطنية. كل هذا يتغير: رفعت الحكومة اليابانية قيوداً عديدة على تصدير الأسلحة مما يتيح لليابان بيع معدات دفاعية لشركائها الإقليميين ويحفز الإنتاج الوطني ويخفض التكاليف.
04خاتمة استشرافية
اليابان لا تُعدّ لقطيعة مع الولايات المتحدة — فالتحالف يبقى أساس أمنها القومي وتدعمه استطلاعات الرأي العام بثبات. ما تُعدّ له هو مرونة استراتيجية: القدرة على مواجهة عالم تصبح فيه الضمانة الأمريكية أقل إطلاقية مما كانت منذ 1951. هي احتياط واقعي لا تحدٍّ استفزازي. وفي عالم جيوسياسي متقلب كالعالم الراهن، هذا تحديداً ما تستدعيه الحكمة الاستراتيجية.
لماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالهل ضاعت معركة السيطرة على البيانات العالمية؟
من RGPD إلى تيك توك والكابلات تحت البحار — من يتحكم في البيانات يتحكم في قوة ا…
← اقرأ المقالهل دخلنا حقاً حرباً باردة عالمية جديدة؟
التنافس الصيني-الأمريكي وعودة منطق المواجهة — لماذا يشبه عالم اليوم الحرب البا…
← اقرأ المقالسيول بين واشنطن وبكين: هل تستطيع كوريا الجنوبية البق…
التحالف العسكري الأمريكي والتبعية الاقتصادية الصينية وثاد — كوريا الجنوبية محا…
← اقرأ المقال