المادة التاسعة من الدستور الياباني لعام 1947 التي صِيغت في ظل الاحتلال الأمريكي، من أكثر النصوص الدستورية الحديثة إثارة للدهشة. تنصّ على أن الشعب الياباني "يتخلى إلى الأبد عن الحرب بوصفها حقاً من حقوق السيادة الوطنية" وعلى أن "القوات البرية والبحرية والجوية، مع أي إمكانات حربية أخرى، لن تُحفَظ أبداً". لسبعة عقود نظّم هذا النص الهوية السياسية اليابانية، وجعل من هذه الدولة واحدة من نادر الاقتصادات العالمية الكبرى التي بنت أمنها على التبعية العسكرية لا الاستقلالية الاستراتيجية. في ديسمبر 2022 أعلنت حكومة فوميو كيشيدا مضاعفة الميزانية الدفاعية خلال خمس سنوات ليصل الإنفاق العسكري إلى اثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي — مستوى لم تعرفه اليابان منذ الحرب العالمية الثانية. شيء جوهري يتغير.
01أسباب الانقلاب الاستراتيجي
أسباب هذا التحول متعددة تتعزز بعضها بعضاً. التهديد الكوري الشمالي ليس جديداً، لكن تقدم برنامج بيونغ يانغ الصاروخي الذي بات قادراً على استهداف الأراضي اليابانية كاملةً بصواريخ حاملة للرؤوس النووية أضفى على القضية إلحاحاً لم تستطع الطبقة السياسية تجاهله. التصعيد العسكري الصيني هو الشاغل الأعمق: التحديث المتسارع لجيش التحرير الشعبي، والتمارين العسكرية حول تايوان التي تحاكي بوضوح حصاراً أو غزواً، والتوغلات المتكررة في المياه المتنازع عليها حول جزر سنكاكو.
02من الدفاع إلى الضربة المضادة
الثورة العقائدية ليست ميزانياتية فحسب. اعتمدت اليابان استراتيجية أمن قومي جديدة تُقدّم لأول مرة مفهوم "قدرة الضربة المضادة" — أي القدرة على ضرب قواعد معادية في أراضيها إذا رُئي أن هجوماً على اليابان وشيك. هذه قطيعة مفاهيمية جذرية مع العقيدة الدفاعية البحتة لقوات الدفاع الذاتي اليابانية. لتجسيد هذه العقيدة، طلبت طوكيو مئات صواريخ توماهوك الأمريكية، وتُسرّع تطوير صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى من إنتاجها الوطني.
03المصالحة مع كوريا الجنوبية
من أبرز إشارات إعادة التوجه الاستراتيجي الياباني التحسن الدراماتيكي في العلاقات مع كوريا الجنوبية في عهد يون سوك يول. دولتان سمّمت خلافاتهما التاريخية المرتبطة بالاستعمار الياباني علاقتهما لعقود، قررتا تحت الضغط المشترك للتهديد الكوري الشمالي والضغط الأمريكي وضع هذه الخلافات جانباً لتطوير تعاون أمني ثلاثي مع واشنطن.
04الممانعة الداخلية
التحول العسكري الياباني لا يحظى بإجماع في المجتمع الياباني. استطلاعات متواترة تُظهر رأياً عاماً منقسماً، مع أصوات وازنة في صفوف المعارضة والمجتمع المدني والإعلام تنتقد الانزياح نحو ثقافة استراتيجية أقل رفضاً للمجازفة. التجربة الصادمة للحرب العالمية الثانية والقنبلتَين النوويتَين على هيروشيما وناغازاكي لا تزال عميقة الجذور في الذاكرة الجماعية اليابانية.
05خاتمة استشرافية
التسليح الياباني ليس خياراً أيديولوجياً — بل هو استجابة براغماتية لتدهور حقيقي في بيئة الأمن الإقليمي. لكنه سيُخلّف عواقب بعيدة المدى: على التوازن في شمال شرق آسيا، وعلى حسابات بكين بشأن تايوان، وعلى مصداقية الضمانة الأمنية الأمريكية، وعلى الهوية السياسية اليابانية ذاتها. السلمية ما بعد الحرب لم تُهجَر — لكنها تُفسَّر بجدية من جديد، وهذا التفسير يتجاوز المسألة الميزانياتية بكثير.
لماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالهل تستطيع الصين تجاوز الغرب في سباق الذكاء الاصطناعي…
قوة البيانات مقابل الإبداع الخوارزمي — الواقع الراهن لموازين القوى واختناق أشب…
← اقرأ المقالهل يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب غير مستقر؟
بين حنين النظام الأمريكي وحلبة التنافس بلا حكم — لماذا يمكن أن تكون تعددية الأ…
← اقرأ المقالهل تُعدّ طوكيو سراً استقلالها العسكري في مواجهة الول…
صواريخ بعيدة المدى وصناعة دفاعية مُعاد إطلاقها وشك حقيقي في الضمانة الأمريكية …
← اقرأ المقال