في مقالته المرجعية "غرامشي والهيمنة والعلاقات الدولية" عام 1983، أنجز المنظّر الكندي روبرت كوكس نقلة نوعية في التقليد الماركسي: بدلاً من الاكتفاء بتحليل اقتصادي بنيوي صرف، استعار من الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مفهوم "الهيمنة" (Hegemony) ليُفسّر كيف تُدار الهيمنة الدولية ليس بالقوة الاقتصادية والعسكرية وحدها، بل عبر شبكة معقّدة من الأفكار والمؤسسات التي تجعل النظام القائم يبدو "طبيعياً" ومقبولاً حتى في نظر من يخسرون منه.
📌 سلسلة الماركسية والنظريات النقدية — جميع المقالات
١. الماركسية والمادية التاريخية: مدخل عام
٢. نظرية النظام العالمي عند والرشتاين
٣. الهيمنة الغرامشية والنظرية النقدية عند كوكس ← أنت هنا
غرامشي: الهيمنة بالرضا لا بالقسر فقط
طوّر أنطونيو غرامشي مفهومه عن الهيمنة الثقافية وهو سجين لدى النظام الفاشي الإيطالي في العشرينيات والثلاثينيات، متسائلاً: لماذا لا تنتفض الطبقة العاملة الأوروبية رغم استغلالها الاقتصادي الواضح؟ إجابته: لأن الطبقة المسيطرة لا تحكم بالقوة وحدها، بل تنجح في جعل أفكارها ومصالحها وقيمها تبدو "المنطق الطبيعي والمعقول للجميع" — عبر المدارس والإعلام والدين والمؤسسات الثقافية. هذه الهيمنة بالرضا أكثر استقراراً وأقل كلفة بكثير من الحكم بالقمع المباشر وحده.
كوكس: تدويل مفهوم الهيمنة
نقل كوكس هذا الإطار من المستوى الداخلي إلى المستوى الدولي: تماماً كما تُهيمن طبقة داخل مجتمع عبر مزيج من القوة والرضا، تُهيمن قوة عظمى على النظام الدولي عبر "كتلة تاريخية" (Historical Bloc) تجمع بين ثلاث فئات متفاعلة:
💪 القدرات المادية
القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للدولة المهيمنة وحلفائها — الأساس الملموس للهيمنة.
💡 الأفكار
الأيديولوجيا والقيم التي تُبرّر النظام القائم وتجعله يبدو مشروعاً وعادلاً في نظر أطراف كثيرة، لا القوة المهيمنة فقط.
🏛️ المؤسسات
المنظمات الدولية التي تُرسّخ القواعد وتُديم النظام الهيمني بطريقة تبدو محايدة وتقنية، لا مفروضة قسراً.
النظرية التحليلية مقابل النظرية النقدية
قدّم كوكس تمييزاً منهجياً بالغ التأثير أصبح مرجعاً أساسياً في فلسفة العلوم الاجتماعية للعلاقات الدولية:
🔧 نظرية حلّ المشكلات (Problem-Solving Theory)
تقبل بالنظام القائم كإطار ثابت وتسأل كيف نُحسّن أداءه ضمن حدوده — هكذا تعمل غالبية النظريات السائدة (الواقعية، الليبرالية) دون مساءلة شرعية النظام ذاته.
🔍 النظرية النقدية (Critical Theory)
تسأل: من صاغ هذا النظام؟ لمصلحة من؟ وكيف نشأ تاريخياً؟ لا تكتفي بتحسين النظام بل تُساءل إمكانية تجاوزه وتغييره جذرياً.
«النظرية دائماً لصالح شخص ما ولغرض ما. لا توجد نظرية بذاتها، منفصلة عن موقع زماني ومكاني محدد.»
— روبرت كوكس، «القوى الاجتماعية والدول ونُظم العالم»، 1981
تطبيق: الهيمنة الأمريكية كـ"كتلة تاريخية" بعد 1945
يُفسّر أتباع هذا التقليد النيوغرامشي (كستيفن جيل) استقرار الهيمنة الأمريكية بعد 1945 ليس فقط بتفوّقها العسكري والاقتصادي، بل ببنائها لكتلة تاريخية متكاملة: مؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد، البنك الدولي) قدّمت إطاراً تقنياً "محايداً" ظاهرياً للتعاون الاقتصادي، بينما رسّخ خطاب "العالم الحر" مقابل "الشيوعية" شرعية أيديولوجية واسعة للنظام الأمريكي حتى بين حلفاء لم يستفيدوا بالتساوي من هذا الترتيب. هذا المزيج من القدرة المادية والشرعية الفكرية والإطار المؤسسي هو بالضبط ما يجعل الهيمنة الأمريكية أكثر استقراراً بكثير من هيمنة تعتمد على القوة العسكرية وحدها.
أضاف روبرت كوكس بُعداً لا غنى عنه للتحليل الماركسي التقليدي: فهم الهيمنة الدولية ليس فقط كتفوّق اقتصادي وعسكري، بل كنسيج معقّد من القوة المادية والأفكار المُشرعِنة والمؤسسات — وهو ما يُفسّر لماذا تصمد بعض أنظمة الهيمنة عقوداً طويلة رغم اعتراضات كثيرة عليها.
تابع السلسلة إلى المقال الختامي: نقد الماركسية في العلاقات الدولية
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك الإلكتروني.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت