الكلمات المفتاحية اليمنالهجرة غير النظاميةإثيوبياالتجنيدأكسومأبرهة الأشرم

بين شواطئ القرن الأفريقي والسواحل اليمنية، يواصل آلاف المهاجرين الإثيوبيين رحلتهم المحفوفة بالمخاطر أملاً في الوصول إلى دول الخليج. غير أن الحرب المستمرة في اليمن حولت هذه الرحلة بالنسبة لكثير منهم إلى مأساة إنسانية، حيث يجد بعض المهاجرين أنفسهم عالقين في بلد يعيش نزاعاً مسلحاً معقداً.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تلقت Geopolô شهادات من أشخاص قالوا إنهم مهاجرون أو على صلة بملف الهجرة، إلى جانب مزاعم تداولتها مصادر محلية وشخصيات قبلية، تتحدث عن احتمال تعرض بعض المهاجرين غير النظاميين لمحاولات استقطاب أو تجنيد من قبل أطراف مشاركة في النزاع.

لم تتمكن Geopolô من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الادعاءات، كما لم يتسنَّ الحصول على أدلة مستقلة تثبتها أو تنفيها بشكل قاطع. لذلك تُعرض الشهادات في هذا التحقيق بوصفها روايات تحتاج إلى تحقق إضافي، لا بوصفها وقائع مثبتة.

وفي إحدى الشهادات التي اطلعت عليها المجلة، قال مهاجر إثيوبي إنه فر من الحرب وإنه شاهد محاولات لإقناع بعض المهاجرين بالانضمام إلى القتال. وادعى أن الخطاب المستخدم كان يتضمن إشارات إلى أحداث تاريخية تتعلق بالعلاقات القديمة بين الحبشة واليمن، في محاولة لإضفاء بعد رمزي أو ديني على عملية الاستقطاب.

وتتعامل Geopolô مع هذه الإفادة باعتبارها شهادة فردية لا يمكن تعميمها، ولا تمثل دليلاً مستقلاً على وجود سياسة منظمة، ولذلك توردها في إطار التحقيق الصحفي مع الالتزام بتمييز الشهادات عن الوقائع المثبتة.

1
شهادة فردية لا تكفي لإثبات سياسة منظمة
525م
تاريخ تقريبي للحملة الأكسومية على اليمن
3
مسارات تحليل: هجرة، نزاع، ذاكرة تاريخية
0
أدلة مستقلة قاطعة متاحة للمجلة حتى الآن

١ سؤال التحقيق

يهدف هذا التحقيق إلى دراسة سؤال أوسع: هل يمكن أن تتحول شبكات الهجرة غير النظامية إلى بيئة تستغلها أطراف النزاع لتجنيد أشخاص يعيشون أوضاعاً إنسانية هشة؟

وللإجابة عن ذلك، يستعرض التحقيق شهادات، ومعطيات منشورة من منظمات دولية، وآراء خبراء في شؤون الهجرة والنزاعات، مع الالتزام بالفصل بين المعلومات الموثقة والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.

ما تقوله الشهادات

مزاعم عن محاولات استقطاب أو تجنيد داخل بيئة هجرة هشة، مع استخدام إشارات تاريخية ودينية في الخطاب.

روايات تحتاج إلى تحقق مستقل
ما يمكن إثباته

وجود سياق إنساني هش ومسارات هجرة خطرة ونزاع يمني معقد، لكن دون دليل مستقل قاطع على سياسة منظمة في المزاعم المطروحة.

فصل بين الوقائع والادعاءات

٢ من هما مملكة أكسوم وأبرهة الأشرم؟

يشير الاسمان التاريخيان الواردان في النص إلى مملكة أكسوم، المعروفة أيضاً بالحبشة، وأبرهة الأشرم. وهما مرتبطان ببعضهما تاريخياً، لكنهما يمثلان مرحلتين وشخصيتين مختلفتين في تاريخ المنطقة.

كانت مملكة أكسوم إحدى أعظم القوى السياسية والاقتصادية في أواخر العصور القديمة. امتدت أراضيها عبر أجزاء واسعة من إثيوبيا وإريتريا الحاليتين، وسيطرت على جانب مهم من طرق التجارة البحرية في البحر الأحمر، التي كانت تربط أفريقيا بشبه الجزيرة العربية والهند.

وفي القرن الرابع الميلادي، اعتنقت المملكة المسيحية رسمياً في عهد الملك عيزانا، أو إيزانا، لتصبح واحدة من أوائل الدول المسيحية في العالم.

٣ لماذا تدخلت أكسوم في اليمن؟

في تلك الفترة، كانت مملكة حمير تسيطر على اليمن. وفي مطلع القرن السادس الميلادي، شن الملك الحميري ذو نواس حملة ضد التجمعات المسيحية في نجران، وهو ما دفع ملك أكسوم كالب إلى إرسال جيش عبر البحر الأحمر لإسقاط حكم ذي نواس.

ونجحت الحملة العسكرية في فرض النفوذ الأكسومي على أجزاء واسعة من اليمن، حيث استمر هذا النفوذ لعدة عقود. وبهذا المعنى، فإن حضور أكسوم في اليمن واقعة تاريخية معروفة، لكنها لا تكفي بذاتها لتفسير أي توظيف معاصر مزعوم لهذه الذاكرة التاريخية في سياق النزاع اليمني الحالي.

خط زمني تاريخي مختصر

أكسوم واليمن
القرن الثالث
صعود أكسوم كقوة في البحر الأحمر
القرن الرابع
اعتناق المسيحية رسمياً في عهد عيزانا
نحو 525م
حملة كالب على اليمن
حكم أبرهة
سلطة شبه مستقلة مرتبطة بأكسوم
عام الفيل
رواية إسلامية مرتبطة بحملة مكة

٤ من هو أبرهة الأشرم؟

كان أبرهة الأشرم قائداً عسكرياً من أصول أكسومية. وبعد السيطرة الحبشية على اليمن، تمكن تدريجياً من الإمساك بزمام السلطة، وحكم اليمن بصورة شبه مستقلة، مع بقائه مرتبطاً رسمياً بمملكة أكسوم.

وخلال فترة حكمه، عمل على تطوير عدد من المدن اليمنية، كما شيد كاتدرائية ضخمة في صنعاء، وكان يطمح إلى جعلها مركزاً دينياً مهماً في الجزيرة العربية.

٥ لماذا اشتهر أبرهة؟

وفقاً للرواية الإسلامية، حاول أبرهة تحويل الحج العربي من مكة إلى الكاتدرائية التي بناها في صنعاء. وعندما لم ينجح في ذلك، قاد حملة عسكرية باتجاه مكة بجيش ضم عدداً من الفيلة.

وتُعرف هذه الحادثة في التراث الإسلامي باسم عام الفيل. وقد ورد ذكرها في سورة الفيل من القرآن الكريم، حيث تروي الآيات أن جيش أبرهة هُزم قبل أن يصل إلى الكعبة. كما تذكر الرواية الإسلامية أن عام الفيل هو العام الذي وُلد فيه النبي محمد ﷺ.

٦ لماذا لا تزال هذه الشخصيات تُذكر حتى اليوم؟

يرى المؤرخون أن مملكة أكسوم وأبرهة الأشرم يمثلان مرحلة تاريخية كانت فيها قوة أفريقية تمارس نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً على جنوب شبه الجزيرة العربية. وفي العصر الحديث، قد تُستحضر هذه الشخصيات والأحداث في بعض الخطابات ذات الطابع التاريخي أو الديني أو الهوياتي.

ومع ذلك، إذا أفاد أحد الشهود بأن أشخاصاً استخدموا هذه الروايات التاريخية لمحاولة إقناع مهاجرين بالانضمام إلى جماعة مسلحة، فإن ذلك يبقى شهادة فردية لا تشكل، بمفردها، دليلاً على وجود أسلوب تجنيد منظم أو سياسة ممنهجة. وإثبات مثل هذه الادعاءات يتطلب أدلة مستقلة وموثوقة ومتعددة المصادر.

٧ شرح الإشارة إلى أكسوم وأبرهة

تعتمد الفكرة الواردة في هذا المقطع على مرجعيات تاريخية معروفة، إلا أنه من الضروري التمييز بوضوح بين الوقائع التاريخية الموثقة وبين احتمال توظيفها خطابياً في شهادة معاصرة.

ابتداءً من القرن الثالث الميلادي، ولا سيما خلال القرن السادس، كانت مملكة أكسوم إحدى أبرز القوى السياسية والاقتصادية المطلة على البحر الأحمر. وبعد اندلاع صراعات بين مملكة حمير في اليمن والجماعات المسيحية التي كانت تحظى بدعم مملكة أكسوم، قرر الملك كالب إرسال حملة عسكرية إلى اليمن نحو عام 525م. وأدت هذه الحملة إلى بسط النفوذ الأكسومي على أجزاء واسعة من اليمن لعدة عقود.

وكان أبرهة الأشرم قائداً عسكرياً أكسومياً، ثم أصبح الحاكم الفعلي لليمن بعد الحملة الحبشية. وتربط المصادر الإسلامية اسمه بحادثة عام الفيل، إذ تذكر الروايات الإسلامية أنه قاد جيشاً يضم فيلة متوجهاً إلى مكة لهدم الكعبة. وقد ورد ذكر هذه الحادثة في سورة الفيل من القرآن الكريم، حيث تذكر الرواية الإسلامية أن الجيش هُزم قبل أن يصل إلى الكعبة.

٨ هل توجد أدلة على توظيف منظم لهذه الرواية؟

لا توجد أي أدلة تاريخية أو أكاديمية موثقة تثبت أن أي تنظيم معاصر يعتمد بصورة منهجية على هذه الرواية التاريخية لتجنيد مقاتلين.

مثال على صياغة شهادة لا على واقعة مثبتة

إذا قال مهاجر إن أشخاصاً خاطبوه بعبارات من قبيل: "أسلافكم حكموا اليمن، وأبرهة وصل إلى مكة، واليوم عليكم أن تواصلوا تلك المهمة"، فإن ذلك يُعد شهادة فردية لا تكفي لإثبات وجود سياسة منظمة.

يمكن للصحفي نقل هذه الشهادة باعتبارها جزءاً من تحقيق استقصائي، لكنها لا تكفي لإثبات وجود سياسة منظمة أو منهج تجنيد قائم على هذه الرواية التاريخية.

٩ كيف يمكن عرض ذلك صحفياً؟

يمكن استخدام الصياغة التالية: "وفقاً لشهادة حصلت عليها مجلة Geopolô، أفاد مهاجر إثيوبي بأن أشخاصاً حاولوا إقناعه بالانضمام إلى جماعة مسلحة، مستحضرين تاريخ مملكة أكسوم وأبرهة الأشرم لإضفاء بعد تاريخي على خطابهم. إلا أن المجلة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الإفادة."

وتتيح هذه الصياغة التمييز بوضوح بين الوقائع التاريخية الموثقة، مثل وجود مملكة أكسوم، وأبرهة الأشرم، والحضور الحبشي في اليمن، وبين الشهادات المعاصرة، التي تبقى في إطار الادعاءات إلى أن تدعمها أدلة مستقلة وموثوقة.

خلاصة تحريرية

التحقيق لا يقدّم الشهادات باعتبارها إثباتاً لسياسة منظمة، بل يضعها في سياق سؤال إنساني وأمني أوسع: هل يمكن أن تجعل هشاشة المهاجرين غير النظاميين منهم هدفاً لمحاولات الاستقطاب في بيئات النزاع؟

الجواب يتطلب أدلة مستقلة ومتعددة المصادر. وحتى ذلك الحين، تبقى الشهادات المطروحة مادة صحفية تحتاج إلى تحقيق إضافي، بينما تبقى الوقائع التاريخية المتعلقة بأكسوم وأبرهة منفصلة عن أي ادعاء معاصر ما لم تدعمها أدلة موثوقة.

ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · اقتصاد دولي

محلل في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والقوى الكبرى.

📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت