في الوقت الذي يعيش فيه اليمن واحدة من أكثر الحروب تدميراً في المنطقة منذ عام 2015، يستمر البلد، بشكل مفارق، في استقطاب عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي، رغم حالة انعدام الأمن الشديد والانهيار شبه الكامل للمؤسسات. هذه المفارقة تغذي أسئلة متزايدة حول الكيفية التي تُستغل بها هذه التدفقات البشرية في سياق صراعات إقليمية محتدمة وتفكك داخلي عميق.
📋 ملاحظة منهجية قبل القراءة
يجمع هذا المقال بين معطيات موثقة عن مسارات الهجرة والسياق الجيوسياسي اليمني، وبين شهادات متداولة محلياً على منصات التواصل الاجتماعي حول تحركات مشتبه بها لشاحنات تنقل مهاجرين. هذه الشهادات الأخيرة فردية وغير موثّقة بشكل مستقل، وتُعرض هنا بصفتها هذه فقط، أي كجزء من الجدل العام المتصاعد حول الملف، لا كوقائع مؤكدة. كما أن فرضية استخدام المهاجرين "كاحتياطي بشري" من قبل جماعات مسلحة تبقى، بحسب المحللين أنفسهم، أطروحة "صعبة التوثيق بشكل منهجي"، ويجب التعامل معها بهذا القدر من الحذر.
١ مفارقة الهجرة في بلد تمزّقه الحرب
من الناحية الواقعية، تؤكد المنظمات الدولية أن الطريق البحري الرابط بين القرن الأفريقي واليمن لا يزال واحداً من أكثر مسارات الهجرة البحرية نشاطاً في العالم، مع عبور عشرات الآلاف من الأشخاص سنوياً، على الرغم من الحرب والقصف وتعدد الفاعلين المسلحين. رسمياً، يهدف كثير من هؤلاء المهاجرين إلى الوصول إلى دول الخليج كوجهة نهائية، غير أن الواقع الميداني يكشف وضعاً أكثر تعقيداً، حيث يجد عدد منهم نفسه عالقاً أو محاصراً أو مدفوعاً إلى الانخراط في اقتصادات غير رسمية وشبكات تهريب منظمة.
٢ لماذا اليمن لا أوروبا؟
هذا الإصرار على العبور نحو اليمن يثير تساؤلات إضافية: لماذا يتخلى جزء من هؤلاء المهاجرين، ولو بشكل مؤقت، عن «الطريق الأوروبية» الأكثر شهرة، ليستقروا أو يبقوا في بلد يعيش حرباً مفتوحة ولا يوفر لهم لا الأمان ولا وضعاً قانونياً واضحاً؟ لا توجد إجابة حاسمة، لكن تتداول في الأوساط التحليلية عدة فرضيات؛ من بينها انخفاض التكلفة المالية واعتماد شبكات قائمة مسبقاً، والوعود بفرص عمل في قطاعات تسيطر عليها جماعات مسلحة، إضافة إلى احتمال تحويل هؤلاء المهاجرين إلى قوة عمل رخيصة، أو حتى إلى احتياطي بشري يمكن استغلاله في التجنيد العسكري أو شبه العسكري لصالح أطراف مختلفة.
⚠️ تحذير من ناشط يمني
في هذا السياق، حذّر الكاتب والناشط اليمني علي أحمد التويتي من التداعيات الأمنية والاجتماعية المتنامية نتيجة تزايد تجمع المهاجرين الأفارقة في عدد من المناطق الحدودية، معتبراً أن استمرار الوضع الراهن دون تدخل فعّال قد يقود إلى أزمات معقدة يصعب احتواؤها مستقبلاً. وأشار إلى أن المجتمع اليمني عُرف تاريخياً بقدرته على التعايش مع المهاجرين والجاليات الأفريقية المستقرة في مدنه منذ عقود، ولم يشهد، وفق تقديره، موجات عنصرية واسعة تجاههم، لكنه أبدى قلقاً من تركز أعداد كبيرة في مناطق محددة، وما يرافق ذلك من تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية متشابكة. وأوضح أن غياب المعالجة الحكومية الجادة قد يجعل هذه التجمعات بيئة خصبة للاستغلال من قبل شبكات التهريب أو أطراف خارجية، داعياً السلطات اليمنية، بالتوازي مع المنظمات الدولية، إلى تبني مقاربة شاملة توازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن.
٣ الساحة الإقليمية: حيث يتقاطع كل شيء
السياق الإقليمي يزيد الصورة تعقيداً. فاليمن تحوّل، منذ سنوات، إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى إقليمية: حكومة مدعومة من تحالف تقوده السعودية في مواجهة حركة الحوثيين المدعومة إيرانياً، ما جعل البلاد مسرحاً لصراع نفوذ سعودي–إيراني متداخل. في الوقت نفسه، طوّرت الإمارات العربية المتحدة أجندة خاصة بها، كثيراً ما تُوصَف بأنها سياسة «تفتيت للدولة»، من خلال دعم قوى انفصالية جنوبية وبناء حضور عسكري ومينائي يتجاوز الإطار التقليدي لدعم الحكومة اليمنية الشرعية.
في بيئة كهذه، لا يبقى المهاجرون غير النظاميون مجرد ضحايا سلبيين؛ بل يمكن أن يتحولوا إلى عناصر في حسابات القوة. فشبكات التهريب المنظمة، التي قد تُتسامح معها أو تُخترق أو تُستغل، قد تساهم في تمويل الميليشيات، أو تغذية خطوط لوجستية موازية، أو تقديم خدمات متنوعة للجهات المسلحة مقابل الحماية. وهنا يصبح الحد الفاصل بين الاستغلال الاقتصادي والتوظيف الأمني والتلاعب السياسي شديد الضبابية.
❓ أطروحة تبقى صعبة التوثيق
بعض المحللين يذهبون أبعد من ذلك، فيطرحون احتمال سعي جماعات مسلحة، سواء كانت مؤيدة للحكومة أو حوثية أو مرتبطة بأجندات إقليمية، إلى دمج جزء من هؤلاء المهاجرين في منظوماتها، من العمل اللوجستي وبناء التحصينات إلى مهام ذات طابع شبه عسكري. هذه الأطروحة تبقى صعبة التوثيق بشكل منهجي، لكنها تنسجم مع أنماط معروفة في اقتصادات الحروب، حيث تُستغل الفئات الأكثر هشاشة، بما فيها المهاجرون، كاحتياطي للقوة البشرية اللازمة لاستدامة الصراع. تجدر الإشارة إلى أن هذا يبقى تحليلاً نظرياً قائماً على مقارنات مع نزاعات أخرى، لا استنتاجاً مؤكداً بأدلة مباشرة من الميدان اليمني.
أما مسألة "التمويل" الضمني لبقاء هؤلاء المهاجرين في اليمن، فلا يمكن فصلها عن شبكة التنافسات الإقليمية؛ إذ إن دعم إيران المتزايد للحوثيين تجلى في مسارات لوجستية ومالية وعسكرية معقدة، دمجت الجماعة في منظومات أوسع لنقل السلاح والتقنيات، خصوصاً الطائرات المسيّرة. وفي المقابل، راهنت الإمارات على قوى جنوبية محلية وعلى السيطرة على نقاط بحرية استراتيجية، ضمن رؤية أوسع لبسط نفوذها البحري من اليمن إلى فضاءات أخرى في المنطقة. في هذا المشهد، تصبح أي كتلة بشرية كبيرة، بما فيها المهاجرون غير النظاميون، قابلة لأن تُرى كموارد إضافية أو أوراق ضغط أو عناصر في معادلات النفوذ.
٤ شهادات متداولة محلياً: ما نعرفه وما لا نعرفه
⚠️ تنبيه ضروري
الشهادات التالية متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ولم تُوثّق بشكل مستقل من أي مصدر رسمي أو تحقيق صحفي معلن. تُعرض هنا كجزء من صورة الجدل العام المتصاعد في اليمن حول ملف الهجرة، لا كوقائع مؤكدة.
وقد أثارت تصريحات التويتي تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر معلق يُدعى محمد علي خميد أن «تنظيم ملف الهجرة أصبح ضرورة ملحة، فحماية أمن الوطن لا تتعارض مع صون كرامة الإنسان، إلا أن ترك هذا الملف دون رقابة أو معالجة جدية قد يفضي إلى تحديات كبيرة تمس الجميع».
روى المعلق زكريا السعدي تجربة شخصية خلال رحلة بين ذمار وصنعاء، حيث لاحظ مرور شاحنة مغطاة بسرعة لافتة، قبل أن يتبين له لاحقاً أنها تقل أعداداً كبيرة من المهاجرين، معتبراً أن عبورها عدة نقاط تفتيش دون اعتراض يثير تساؤلات حول الجهات التي قد تسهل تحركات مثل هذه الشبكات.
منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعينقل أحد المستخدمين على المنصة شهادة لسائق تحدث عن مشاهدته المتكررة لشاحنات تنقل مهاجرين باتجاه محافظة عمران، مرجحاً وجود شبكات منظمة أو جهات نافذة تقف خلف عمليات النقل والتهريب.
شهادة منقولة، لم يُتحقق من مصدرها الأصليوتعكس هذه الشهادات جانباً من الجدل المتصاعد داخل اليمن بشأن ملف الهجرة غير النظامية، في ظل تزايد أعداد الوافدين من دول القرن الأفريقي عبر السواحل اليمنية، وما يرافق ذلك من تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية متداخلة، تتطلب معالجة مؤسساتية متوازنة بعيدة عن خطاب الكراهية أو التعميم.
٥ فصل فرعي من فصول الحرب؟
من هنا، بدأ ملف الهجرة في اليمن يُقرأ لدى بعض المراقبين بوصفه «فصلاً فرعياً» من فصول الحرب نفسها؛ مجالاً رمادياً تتقاطع فيه أجندات إنسانية معلنة مع حسابات أمنية غير مصرح بها، ومع استراتيجيات إقليمية للصراع غير المباشر. تجاهل هذا البعد، بالنسبة لأي قارئ نقدي، يعني التقليل من درجة تعقيد الأزمة اليمنية ومن حجم الرهانات المرتبطة بهذه الفئات المهمشة التي تتحرك في الظل.
«التعامل مع الظاهرة يقتضي تعزيز آليات الرقابة على شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، إلى جانب توسيع نطاق التعاون مع المنظمات الدولية والدول المصدرة للمهاجرين، بما يضمن حماية الأمن الوطني واحترام حقوق الإنسان في آن واحد.»
يشدد خبراء في شؤون الهجرة على أن أي معالجة جدية لهذا الملف يجب أن توازن بين بُعدين لا يمكن التضحية بأحدهما لصالح الآخر: الاعتبارات الإنسانية الواجبة لمهاجرين فروا غالباً من ظروف قاسية في بلدانهم، ومتطلبات الأمن الوطني في بلد يعيش هو نفسه حرباً مفتوحة وانهياراً مؤسساتياً عميقاً.
الخطر الحقيقي ليس في وجود المهاجرين أنفسهم، بل في غياب المعالجة المؤسساتية الذي يترك الملف بأكمله عرضة للاستغلال من شبكات التهريب وللتسييس من أطراف الصراع الإقليمي، بعيداً عن خطاب الكراهية والتعميم الذي لا يخدم لا الأمن ولا كرامة الإنسان.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت