لفترة طويلة كانت التعددية القطبية تُقدَّم باعتبارها الأفق المنشود للسياسة الدولية. أمام هيمنة القطب الأمريكي الأوحد في التسعينيات وما تلاها من تدخلات مثيرة للجدل، كانت ثمة أصوات كثيرة — من باريس إلى بكين، من دلهي إلى موسكو — تطالب بعالم تتوازن فيه قوى متعددة وتتعادل فيه الطموحات المتنافسة. ذلك العالم يتأسس اليوم على أرض الواقع. لكنه لا يشبه في قليل ولا كثير حفلة الأمم المتحدة كما تصوّرها المتفائلون. إنه يشبه أكثر حلبة تنافس من دون حكم.
01الأنواع الثلاثة لتعددية الأقطاب
يميز علماء العلاقات الدولية بين أشكال مختلفة لتعددية الأقطاب. حفلة القوى الكبرى كما نظّمها مؤتمر فيينا عام 1815 تقوم على الاعتراف المتبادل بمناطق النفوذ والإرادة المشتركة لتجنب الحروب الكلية. تستلزم حداً أدنى من القيم المشتركة وقنوات الاتصال الدبلوماسي الفعّال. ثم الثنائية القطبية المستقرة كما تجلّت في الحرب الباردة التي نظّمت التنافس في كتلتين متمايزتين بقواعد اشتباك ضمنية. وأخيراً التعددية الفوضوية، وهي نظام تتنافس فيه قوى متكافئة الحجم على الهيمنة دون إطار تنظيمي فعّال — وهذا بالضبط النظام الذي سبق حربَي القرن الماضي. العالم الراهن يحمل عناصر من الأشكال الثلاثة، لكنه يميل بشكل مقلق نحو النموذج الثالث.
02لماذا هذه التعددية أشد خطورة بنيوياً
ثمة عوامل بنيوية متعددة تجعل تعددية الأقطاب المعاصرة شديدة الهشاشة. أولها تضارب الإدراك: الولايات المتحدة لا تزال تتصور نفسها القوة الضامنة للنظام العالمي، والصين ترى نفسها قوة صاعدة تطالب بمكانتها المشروعة، وروسيا تتصرف كقوة مُهانة تستعيد حقوقها المسلوبة. هذه القراءات المتناقضة للعالم لا تتوافق، ولا يوجد آلية دبلوماسية ناضجة لمصالحتها. ثانيها تكاثر الفاعلين: في الواقع المعاصر، تتوزع القوة ليس فقط بين الدول، بل بين الشركات التكنولوجية العملاقة والجماعات المسلحة غير الدولية والمؤسسات المالية الخاصة ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل التنسيق بين القوى الكبرى أشد عسراً وإدارة الأزمات أكثر تعقيداً.
03مناطق الاحتكاك: أين تتجسد الهشاشة
في نظام متعدد الأقطاب غير مستقر، تتكاثر مناطق الاحتكاك وتتسلسل. المحيط الهندي-الهادئ هو المسرح الرئيسي للمنافسة الصينية-الأمريكية مع تايوان كصاعق محتمل. أوروبا الشرقية تعيش تحت التهديد الدائم لتصعيد الحرب الأوكرانية. الشرق الأوسط مسرح توكيلات متشابكة. وأفريقيا جنوب الصحراء ميدان تنافس مكثف بين قوى خارجية على الموارد والموقع الاستراتيجي. في كل منطقة من هذه المناطق، يمكن لخطأ في الحسابات أو أزمة سوء تدبير أن تطلق دوامة تصعيد لا يسيطر عليها أحد فعلياً.
04غياب البنية الأمنية العالمية
الإشكال الجذري هو انعدام البنية الأمنية الملائمة لهذا العالم متعدد الأقطاب. الأمم المتحدة المصمَّمة لعام 1945 مشلولة بحقوق النقض الدائمة للقوى المتصارعة. منتديات كمجموعة العشرين تنتج تصريحات حسنة النية بلا آليات ملزمة. التحالفات العسكرية القائمة — الناتو وكواد وأوكوس — إجابات جزئية وإقليمية على إشكالية كونية. لا يوجد ما يماثل مؤتمر فيينا الحديث، منتدى تتفاوض فيه القوى الكبرى على قواعد التعايش في هذا العالم الجديد.
05خاتمة استشرافية
تعددية الأقطاب ليست بذاتها أشد خطورة من سائر أشكال تنظيم النظام الدولي. لكنها تصبح كذلك حين تأتي دون تحضير، دون مؤسسات ملائمة، دون ثقافة دبلوماسية مشتركة بين الفاعلين، وفي سياق من عدم الثقة المتبادلة المتراكمة. هذه بالضبط هي الصورة الراهنة. التحدي ليس مقاومة التعددية — فهي حتمية — بل تنظيمها قبل أن تنظّم نفسها كصراع.
هل ضاعت معركة السيطرة على البيانات العالمية؟
من RGPD إلى تيك توك والكابلات تحت البحار — من يتحكم في البيانات يتحكم في قوة ا…
← اقرأ المقاللماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالهل تستطيع أفريقيا أن تكون الرابح الكبير في النظام ال…
ديموغرافيا متفجرة ومعادن حيوية واستقلالية استراتيجية متنامية — الأوراق موجودة،…
← اقرأ المقالالعمالقة التكنولوجيون الكوريون الجنوبيون في قلب الحر…
سامسونج وSK Hynix وهيمنة ذاكرات DRAM — كيف أصبحت سيول رقعة شطرنج تتنافس عليها …
← اقرأ المقال