لم يكن طرح دونالد ترامب بإمكانية إشراك سوريا في مواجهة حزب الله داخل لبنان مجرد زلة خطابية أو اجتهاد عابر. بل يعكس، في جوهره، نزعة متكررة في السياسة الأمريكية: البحث عن أدوات غير مباشرة لإدارة الصراعات، حتى لو كان ذلك يعني إعادة زجّ دول منهكة في حروب لم تخرج منها بعد.
"حين تفشل القوة في الحسم، تُلجأ إلى إعادة توزيع الحرب… ولو على حساب استقرار دول بأكملها." قراءة في دلالات طرح ترامب لإشراك سوريا في مواجهة حزب الله - يونيو 2026
ورغم أن هذا الطرح قوبل بتشكيك واسع في لبنان وسوريا، وحتى داخل الأوساط الأمريكية، فإن أهميته لا تكمن في قابليته للتنفيذ، بل في دلالته السياسية: واشنطن مستعدة لإعادة هندسة الصراع في المشرق، حتى عبر سيناريوهات صادمة، إذا كان ذلك يخدم إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
طرح غير واقعي… لكنه ليس بلا معنى
من الناحية العسكرية والسياسية، يبدو اقتراح ترامب شبه مستحيل التنفيذ بصيغته الحرفية. سوريا، الخارجة من حرب أهلية طويلة وتغيّر نظام حكم جذري، ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهة عسكرية واسعة جديدة. ولبنان، الذي يرزح تحت أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، لا يمكنه تحمّل تدخل عسكري خارجي بهذا الحجم. أما حزب الله، فهو ليس قوة هامشية يمكن تفكيكها بعملية عسكرية تقليدية.
ومع ذلك، فإن الطرح لم يأتِ من فراغ. فهو يستند إلى تصور استراتيجي واضح داخل دوائر القرار الأمريكية: أن التعامل مع حزب الله لم يعد ممكناً عبر الأدوات التقليدية وحدها، وأن كلفة استمراره كقوة إقليمية تتجاوز حدود لبنان. لكن المشكلة في هذا التصور أنه يتجاهل حقيقة أساسية: حزب الله ليس مجرد هدف عسكري، بل جزء من توازن إقليمي معقّد، وأي محاولة لكسره بالقوة قد تؤدي إلى انفجار أوسع، لا إلى تسوية.
محاولة نقل الحرب بدل إنهائها
القراءة الدقيقة لطرح ترامب تكشف أنه لا يسعى إلى حسم الصراع، بل إلى إعادة توزيع أعبائه. فبدلاً من استمرار المواجهة المباشرة بين إسرائيل وحزب الله، يمكن، نظرياً، إدخال طرف ثالث يعيد تشكيل موازين القوى ويخفف الضغط عن إسرائيل. لكن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة خطيرة: هي لا تعالج أسباب الصراع، بل تنقله إلى ساحة أكثر هشاشة.
⚠️ ما يُطرح كحلّ قد يصبح مسرِّعاً للفوضى
فإقحام سوريا في مواجهة مع حزب الله داخل لبنان يعني توسيع دائرة الحرب بدل احتوائها، وإدخال عنصر طائفي وإقليمي أكثر تعقيداً، وفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن ضبطه. بعبارة أخرى، ما يُطرح كحل، قد يتحول سريعاً إلى مسرّع للفوضى بدل أداة لاحتوائها.
سوريا والمطلوب منها، ولبنان الذي يدفع الثمن
الرهان على سوريا في هذا الطرح يكشف قراءة أمريكية إشكالية للواقع السوري. فدمشق اليوم، تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، تحاول الخروج من آثار حرب أهلية طويلة وانهيار نظام حكم استمر لعقود، وتسعى إلى تجنب أي انخراط عسكري جديد قد يهدد مسار استقرارها الداخلي الهش. إشراك سوريا في لبنان لن يعني فقط مواجهة مع حزب الله، بل صداماً مباشراً مع إيران، وإعادة تنشيط شبكات الصراع داخل الأراضي السورية، وتقويض أي مسار لإعادة الإعمار والاستقرار.
والأخطر من ذلك، أنه يعيد إنتاج منطق قديم: استخدام سوريا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، كما جرى لعقود طويلة قبل سقوط النظام السابق. لكن الفارق اليوم أن سوريا لم تعد تمتلك هامش المناورة الذي كان متاحاً سابقاً، ما يجعل أي انخراط عسكري واسع مغامرة قد تهدد بقاء التوازن الداخلي الهش الذي تحاول دمشق بناءه.
🇱🇧 لبنان: مساحة قابلة لإعادة التشكيل، لا دولة ذات سيادة
الطرح الأمريكي، في جوهره، يتعامل مع لبنان كمساحة قابلة لإعادة التشكيل، لا كدولة ذات سيادة. فإدخال سوريا في مواجهة مع حزب الله يعني عملياً تحويل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة، وتقويض أي محاولة داخلية لمعالجة مسألة السلاح، وتهديد السلم الأهلي في بلد يقوم على توازنات طائفية وسياسية دقيقة.
التشكيك اللبناني في هذا السيناريو لم يكن سياسياً فقط، بل وجودياً. لأن أي مواجهة من هذا النوع لن تبقى محصورة بين أطراف عسكرية، بل ستتسع لتشمل المجتمع بأكمله. وهنا تكمن خطورة الطرح: أنه لا يقدّم حلاً لمشكلة حزب الله، بل يهدد بإعادة تفجير لبنان من الداخل.
إسرائيل بين الاستنزاف والتقييد… وورقة ضغط متعددة الاستخدامات
رغم أن الطرح يبدو وكأنه يخدم إسرائيل، إلا أنه يحمل رسالة مبطنة: واشنطن غير مستعدة لمنح تل أبيب حرية مطلقة في إدارة الحرب. فاستمرار المواجهة في لبنان دون أفق واضح يخلق مشكلات متعددة: استنزاف عسكري واقتصادي لإسرائيل، وتعقيد المسار التفاوضي مع إيران، وخطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. في هذا السياق، يمكن فهم اقتراح ترامب كأداة ضغط على القيادة الإسرائيلية: إما الالتزام بسقف معين للتصعيد، أو مواجهة سيناريوهات بديلة قد تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية على حدودها.
الواقعية السياسية تشير بوضوح إلى أن "الخيار السوري" ليس خطة قابلة للتنفيذ، بل أداة ضغط متعددة الاستخدامات، توجّه رسائل متزامنة إلى عدة أطراف في آن واحد.
إعادة تشكيل المنطقة… أم تعميق الفوضى؟
ما يكشفه هذا الطرح هو أن الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى المنطقة من زاوية إدارة التوازنات، لا حلّ الصراعات. فبدلاً من معالجة جذور الأزمة في لبنان أو العلاقة الإيرانية–الأمريكية بشكل بنيوي، يتم البحث عن ترتيبات جديدة تعيد توزيع النفوذ. لكن هذه المقاربة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة: تعميق الانقسامات الداخلية في الدول الهشة، وتوسيع نطاق الصراعات بدلاً من احتوائها، وتحويل الحلول المؤقتة إلى أزمات مزمنة.
🇸🇾 سوريا - مغامرة بلا هامش مناورة
دولة في طور إعادة البناء بعد سقوط نظام استمر عقوداً، لا تحتمل فتح جبهة عسكرية جديدة دون تهديد توازنها الداخلي الهش.
🇱🇧 لبنان - ساحة لا دولة
يُعامَل كمساحة قابلة لإعادة التشكيل بدل دولة ذات سيادة، وسط مخاوف وجودية من تكرار تجربة الهيمنة السورية التاريخية.
🇮🇱 إسرائيل - حليف تحت الضبط
الطرح يحمل رسالة مبطنة لتل أبيب: واشنطن غير مستعدة لمنح حرية مطلقة في إدارة الحرب دون سقف واضح للتصعيد.
🇮🇷 إيران وحزب الله - استهداف غير مباشر
محاولة لتطويق حزب الله إقليمياً ورفع سقف التهديد على إيران دون مواجهة مباشرة تتحمل واشنطن كلفتها السياسية.
في النهاية، لا يبدو أن ترامب يسعى فعلياً إلى إشراك سوريا في حرب ضد حزب الله، بل إلى استخدام هذا الطرح كأداة لإعادة تشكيل سلوك الأطراف المختلفة. لكن المشكلة أن هذا النوع من المناورات لا يحدث في فراغ. ففي منطقة متشابكة مثل المشرق، قد يتحول مجرد طرح فكرة إلى محفّز لسلسلة من التفاعلات التي يصعب السيطرة عليها.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ما يُقدَّم كخيار تكتيكي قد يتحول، إذا أسيء تقديره، إلى أزمة استراتيجية جديدة. خطورة هذا الطرح لا تكمن في احتمالات تنفيذه، بل في كونه يعكس استعداد القوى الكبرى لاستخدام هشاشة الدول كأداة لإدارة صراعاتها.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت