العقوبات الاقتصادية هي السلاح الأثير للقوى الغربية حين تقف بين خيارَي الحرب والصمت. لا تُسيل دماءً وتُجنّب خسائر بشرية، وتُرسل رسالة سياسية واضحة، وتُرضي الرأي العام الداخلي بأن "شيئاً ما يُفعل". لكن بعد عقود من الاستخدام المتصاعد لهذه الأداة، من إيران إلى كوريا الشمالية إلى روسيا، يطرح المحللون تساؤلاً جوهرياً: هل العقوبات فعّالة بالفعل، أم أنها أداة تُريح صانعها أكثر مما تُكلّف هدفها؟
01إيران: أربعة عقود من العقوبات وصمود مُقلق
إيران هي الحالة الأطول والأغنى بالدروس. منذ 1979، أحاطت الولايات المتحدة إيران بمنظومات عقوبات متصاعدة الشمول. في عهد أوباما، جاء الضغط الاقتصادي الأشد حين استُهدف القطاع المصرفي الإيراني وصادرات النفط بشكل مشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. النتيجة؟ إيران جاءت إلى طاولة المفاوضات وتوصلت إلى الاتفاق النووي الشهير عام 2015. بدت حينها العقوبات ناجحة.
لكن ماذا تلا ذلك؟ انسحاب ترامب من الاتفاق عام 2018 وعودة العقوبات الأكثر شمولاً لم تُخضع إيران بشكل نهائي، بل دفعتها إلى تطوير أدوات تحايل وبناء اقتصاد موازٍ أكثر مرونة. اليوم تُصدّر إيران النفط بأحجام أكبر مما كان متوقعاً رغم العقوبات.
02روسيا: اختبار حي في عصر العولمة
أضخم اختبار للعقوبات في التاريخ الاقتصادي الحديث هو ما فُرض على روسيا منذ فبراير 2022. خمسة عشر ألف إجراء عقوبات خلال عام واحد، تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي بقيمة ثلاثمئة مليار دولار، إخراج روسيا من نظام سويفت المصرفي، وحظر استيراد النفط الروسي أوروبياً. النتائج كانت مزيجاً مفاجئاً: الروبل تراجع ثم عاد، الاقتصاد الروسي تقلّص بنحو ثلاثة بالمئة في السنة الأولى، وهو أقل بكثير مما توقعه الغرب. ثم عادت المعدلات للنمو بفضل ارتفاع أسعار النفط والطلب الحربي الداخلي.
السبب في الصمود الجزئي هو تحويل الصادرات النفطية نحو الصين والهند اللتين لم تنضما للعقوبات. والفارق الجوهري عن الحرب الباردة هو أن روسيا اليوم تعيش في نظام اقتصادي دولي معولم يتيح الحلول البديلة بصورة لم تكن ممكنة في عهد سابق.
03حدود العقوبات: ما لا يُقال علناً
العقوبات تفترض وحدة دولية كاملة لتحقيق تأثيرها القصوى. لكن هذه الوحدة غير متوفرة في عالم اليوم. ما إن تفرض الغرب عقوبات على طرف حتى ينفتح أمامه شركاء بديلون في جنوب آسيا وأفريقيا وآسيا الوسطى والصين. هذا لا يلغي الضرر الذي تسببه العقوبات، لكنه يُخففه بشكل يُضعف الضغط المطلوب لتغيير السلوك.
يُضاف إلى ذلك تأثير العقوبات على السكان المدنيين قبل النخب. في كوريا الشمالية، يرزح الشعب تحت وطأة الفقر الشديد بينما يواصل النظام برنامجه النووي ويعيش الزعيم بترف هزأ به العالم. العقوبات تُعاقب الشعب دون أن تُغيّر بالضرورة حسابات النخبة الحاكمة.
04متى تنجح العقوبات؟
المقاربة التحليلية الأنزه في هذا الملف تقول إن العقوبات تنجح حين تتوافر ثلاثة شروط: أولاً، أن تكون شاملة وتحظى بدعم دولي واسع بلا ثغرات كبيرة. ثانياً، أن تكون مصحوبة بعرض واضح للتطبيع الاقتصادي مقابل تغيير السلوك. ثالثاً، أن يكون الاقتصاد المستهدف غير قادر على تنويع شراكاته الخارجية. كلما توافرت هذه الشروط، ارتفعت فرص النجاح.
05الخاتمة: سلاح لا يُلغى ولكن
العقوبات الاقتصادية ليست سلاحاً خاسراً بالكامل، لكنها ليست الرادع السحري الذي يُقدَّم إليه أحياناً. في عالم متعدد الأقطاب تتنافس فيه قوى كبرى على النفوذ، وفي ظل اقتصاد دولي معولم يتيح الحلول البديلة، تتراجع فعاليتها بالضرورة. الواقعية الاستراتيجية تستلزم الاعتراف بهذا الحد وعدم إحلال العقوبات محل استراتيجية أشمل.
إيران بعد سنوات العقوبات والضربات: هل الجمهورية الإسلام…
قوة تحت الضغط تُطوّر مناعة ذاتية — الاقتصاد الموازي والبرنامج النووي ومحور …
← اقرأ المقاللماذا تستثمر الصين بكثافة في الذكاء الاصطناعي الحربي وا…
من يملك الخوارزمية يملك المعركة — استراتيجية الاندماج المدني-العسكري وثورة …
← اقرأ المقالكيف تستخدم الولايات المتحدة الحروب الإقليمية لاحتواء ثل…
استراتيجية الاحتواء المُحدَّثة — أوكرانيا مع روسيا، وإيران في الشرق الأوسط،…
← اقرأ المقالهل بدأت "مبادرة الحزام والطريق" تفقد زخمها العالمي؟
عقد من الوعود والديون والتعثر — هل أسلوب بناء الإمبراطورية بالقروض يصطدم بح…
← اقرأ المقال