منذ اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا عام 2022، دخل الاقتصاد الروسي طوراً جديداً يمكن وصفه باقتصاد تعبئة طويل الأمد؛ فهو يجمع بين نمو إيجابي في الأرقام الرسمية وبين واقع "اقتصاد حرب" عالي العسكرة، تُعاد فيه توجيه الموارد والإنتاج لصالح الجهد العسكري والأمني. في الوقت نفسه، تعمل موسكو على إعادة توجيه تجارتها وتحالفاتها من الفضاء الأطلسي نحو آسيا وأفريقيا وفضاء ما يُسمى بـ"الجنوب العالمي"، في محاولة لتعويض خسارة الأسواق الغربية وتخفيف آثار العقوبات المالية والتكنولوجية.
"اقتصاد معاقَب، ذو بنية ريعية وعسكرية، يحاول ضمان بقائه عبر التمدد الخارجي لا عبر الانكماش الدفاعي. العقوبات تقلّص مجال المناورة في الغرب، فتدفع موسكو إلى البحث عن أسواق وموارد جديدة في الجنوب العالمي." قراءة في مفارقة البقاء الروسي عبر التمدد — 2026
هذه النقلة ليست مجرد خيار اقتصادي ظرفي، بل باتت جزءاً من إستراتيجية كبرى تستخدم الاقتصاد كرافعة نفوذ جيوسياسي؛ من بيع الطاقة والقمح والسلاح، إلى الاستثمار في مشاريع التعدين والبنى التحتية، مروراً ببناء شبكات تأثير سياسية وإعلامية ودينية في أفريقيا وآسيا. غير أنّ هذه الدينامية تقوم على قاعدة هشة: اقتصاد ريعي يعتمد على الطاقة، وبنية تكنولوجية تحت ضغط العقوبات، وتبعية متزايدة للصين، وتحديات ديمغرافية عميقة.
اقتصاد تعبئة لا مجرد "اقتصاد صمود"
تشير معظم التحليلات إلى أن الاقتصاد الروسي لم ينهَر تحت وطأة العقوبات كما كان متوقعاً في بداية الحرب، بل أظهر قدرة على التكيّف مدفوعة بارتفاع الإنفاق العسكري وتحويل جزء كبير من الإنتاج لصالح مجمع الصناعة الدفاعية. برلمانات وهيئات أطلسية تتحدث صراحة عن "اقتصاد حرب روسي" يقوم على تعبئة نسبة عالية من الناتج المحلي واليد العاملة لصالح المجهود الحربي، مع تشديد قبضة الدولة على القطاعات الإستراتيجية.
ورغم العقوبات الواسعة على قطاع الطاقة والتكنولوجيا المالية، سجّل الاقتصاد الروسي نمواً إيجابياً في عامي 2023 و2024، مدعوماً بارتفاع مداخيل النفط والغاز التي أعيد توجيهها نحو الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، إضافة إلى الطلب العسكري الداخلي على السلاح والذخائر والعتاد.
⚠️ نمو "غير صحي"
بعض التقديرات الأوروبية تشير إلى أن النمو في 2024 تجاوز 4%، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا النمو "غير صحي"، لأنه قائم بالدرجة الأولى على الإنفاق الحربي، لا على الاستثمار المدني أو الابتكار الإنتاجي. هذا الصمود النسبي لا يلغي أن الاقتصاد الروسي يواجه ضغوطاً بنيوية ثقيلة: تضخم مستمر يضغط على القوة الشرائية ويستنزف الرضا الشعبي، نقص في اليد العاملة نتيجة الهجرة والتعبئة العسكرية والخسائر البشرية، تراجع الاستثمار المدني بسبب أولوية التمويل للقطاعين العسكري والأمني، وارتفاع تدخل الدولة عبر التأميم غير المعلن وتشديد الرقابة والضرائب.
تحليلات روسية مستقلة تصف ميزانية عام 2026 بأنها ميزانية "تعبئة ضريبية"، حيث تحاول الدولة تحويل المجتمع إلى مصدر مستمر للموارد المالية. بهذا المعنى، لم تعد الأزمة مجرد صدمة خارجية مرتبطة بالعقوبات، بل تحولت إلى نمط حكم اقتصادي طويل الأمد.
من الاقتصاد الريعي إلى "اقتصاد النفوذ"
منذ مطلع الألفية الثالثة، استقر الاقتصاد الروسي على نموذج "الدولة الريعية الجديدة"، القائم على صادرات النفط والغاز والمواد الخام. الحرب والعقوبات لم تُسقط هذا النموذج، بل حولته إلى أداة أكثر مباشرة للقوة الجيوسياسية. فموارد الطاقة تموّل النفقات العسكرية القياسية، من الرواتب إلى تطوير منظومات صاروخية وطائرات بدون طيار، والغاز والنفط يُستخدمان كوسائل ضغط على الخصوم، وجزء من هذه الموارد يُعاد تدويره في شبكات النفوذ الخارجي: تمويل وسائل إعلام موجهة، ودعم أحزاب أو نخب سياسية في الخارج، وتمويل شركات أمنية خاصة تتدخل في مناطق النزاع.
ضمن هذا المنطق، لم تعد الطاقة سلعة تجارية فحسب، بل تحولت إلى وسيلة لخلق "اعتمادية متبادلة" تجعل بعض الدول حذرة في معاداة موسكو، خوفاً من فقدان الإمدادات أو التعرض لارتفاعات حادة في الأسعار.
⚠️ ثمن التحول شرقاً: التبعية لبكين
التحول نحو آسيا، خصوصاً نحو الصين، أعاد توزيع تدفقات الطاقة الروسية بعيداً عن الأسواق الأوروبية التقليدية. اتفاقات الغاز الطويلة الأجل وتوسيع شبكات الأنابيب منحت موسكو هامش مناورة أمام العقوبات الغربية، لكنها في المقابل عمّقت تبعيتها لبكين. دراسات جيوسياسية عديدة تشير إلى أن ميزان القوة الاقتصادي بين روسيا والصين يميل بثقل واضح لصالح الصين، بما يجعل موسكو مهددة بالتحول من قطب مستقل إلى "شريك أصغر" في محور صيني–روسي أوسع.
بهذا المعنى، يمنح التحول شرقاً روسيا متنفساً مالياً وسياسياً، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام معضلة التوازن بين الحاجة إلى الصين والخوف من الارتهان لها.
إعادة توجيه التجارة: آسيا كبديل، أفريقيا كفضاء نفوذ
دفعت العقوبات الغربية موسكو إلى إعادة رسم جذرية لخريطة تجارتها الخارجية. فقد تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من تجارة روسيا بشكل حاد منذ عام 2022، بينما ارتفعت حصة آسيا لتقترب من ثلثي إجمالي التجارة الخارجية الروسية. بيانات الجمارك الروسية تشير إلى أن الصادرات الروسية إلى آسيا بلغت أكثر من مئتي مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023، في حين قفزت الصادرات إلى أفريقيا بأكثر من النصف لتصل إلى نحو ستة عشر مليار دولار تقريباً. بهذا التحول، تحاول روسيا بناء "جغرافيا اقتصادية جديدة" تقلل من اعتمادها على أوروبا والولايات المتحدة، ولو بثمن القبول بشروط أقل ملاءمة في التسعير والتكنولوجيا.
في المقابل، تتعامل موسكو مع أفريقيا كفضاء متعدد الوظائف: سوق لاستيعاب صادرات القمح والأسمدة والسلاح، حتى أصبحت روسيا من أبرز موردي الحبوب إلى عدد من الدول الأفريقية؛ فضاء لاستغلال موارد التعدين، مثل الذهب واليورانيوم والمنغنيز، عبر عقود تشارك فيها شركات روسية رسمية وشبه رسمية وشركات أمنية خاصة؛ ومساحة لإظهار روسيا كقوة "شريكة" غير استعمارية، بديلة عن النفوذ الغربي، خاصة الفرنسي، في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
رغم الضجيج السياسي والإعلامي حول "عودة روسيا إلى أفريقيا"، تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الوزن الاقتصادي الروسي في القارة ما زال متواضعاً مقارنةً بالصين أو الاتحاد الأوروبي. فحجم التجارة الروسية–الأفريقية يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات فقط، بينما تتجاوز التجارة الصينية–الأفريقية مئات المليارات. مع ذلك، لروسيا حضور نوعي في الطاقة من خلال مشاريع نفطية وغازية ونووية مدنية، وفي التعدين عبر امتيازات تنقيب مرتبطة بالأمن والدعم العسكري، وفي التسليح والتدريب خاصة في الدول التي تعاني هشاشة أمنية، وفي الحضور الإعلامي والدبلوماسي عبر قمم "روسيا–أفريقيا" والمنح الدراسية والمراكز الثقافية.
🛡️ نموذج "الأمن مقابل الموارد"
يصف عدد من مراكز الأبحاث الأفريقية والدولية نمط التدخل الروسي في أفريقيا بأنه نموذج "الأمن مقابل الموارد". فموسكو تقدم، عبر قوات رسمية أو شركات أمنية خاصة، خدمات حماية للنظم الحاكمة، وتدريباً وتسليحاً لقواتها المسلحة، ودعماً سياسياً في المحافل الدولية. في المقابل، تحصل شركات روسية على امتيازات واسعة في التعدين، أو عقود طويلة الأمد في الطاقة والبنى التحتية، غالباً بشروط غير شفافة.
هذا النموذج يعزز نفوذ روسيا في النخب الحاكمة، لكنه في الوقت ذاته يكرّس أنماط حكم غير ديمقراطية، ويغذي أحياناً صراعات داخلية. ومع أن الوزن الكمي للاقتصاد الروسي في أفريقيا محدود، فإن أثره السياسي والأمني يتجاوز حجمه المادي بكثير.
في آسيا، تعتمد موسكو على مزيج من الطاقة والسلاح ومؤسسات التكامل الإقليمي. فصادرات النفط والغاز تتجه بكثافة نحو الصين والهند وباكستان، عبر عقود طويلة الأمد ومشاريع أنابيب كبرى مثل "قوة سيبيريا". وفي مجال الأمن، تظل روسيا أحد أكبر مزودي السلاح لدول آسيا الوسطى والهند وجنوب شرق آسيا، فيما تستخدم موسكو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي لبناء "مجال حيوي" اقتصادي–أمني في الفضاء ما بعد السوفييتي.
من الاقتصاد إلى الأمن: إنتاج عدم الاستقرار عبر النفوذ
تمديد النفوذ الاقتصادي–الأمني الروسي في أفريقيا وآسيا لا يتم في فراغ، بل في فضاءات مشبعة بمصالح لاعبين آخرين. في أفريقيا، يتقاطع الحضور الروسي في الطاقة والتعدين والأمن مع مصالح فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين وتركيا، خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا والقرن الأفريقي. خروج القوات الفرنسية والأمريكية من بعض دول الساحل ترافق مع دخول فاعلين روس رسميين وغير رسميين لملء الفراغ الأمني، ما رفع منسوب التوتر مع العواصم الغربية.
⚠️ نموذج يغذي صراعات لا يحلّها
يحذر بعض الباحثين من أن نموذج "الأمن مقابل الموارد" الذي تصدّره روسيا يغذي ديناميات صراع داخلية، لأنه يربط بقاء أنظمة هشة بدعم خارجي مسلح، ويقلل من حوافز الإصلاح السياسي والمؤسسي. في آسيا أيضاً، يمتد التنافس إلى ملفات الطاقة وممرات النقل والبنى التحتية؛ فالتنسيق الروسي–الصيني لا يلغي التنافس، خاصة في آسيا الوسطى حيث تحاول موسكو الحفاظ على نفوذها التاريخي في مواجهة استثمارات بكين الكثيفة ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
في ظل العقوبات الغربية، تحوّل الاقتصاد الروسي إلى أداة لخوض صراع استراتيجي غير مباشر مع الغرب في ساحات الجنوب العالمي. في آسيا، يعزز التعاون ضمن إطار تجمع "البريكس"، وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري، من مسعى روسيا والصين وشركائهما لتقويض هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي الدولي. هذا النوع من الصراع يتخذ شكل "حرب بالوكالة" لا عبر الجيوش النظامية فقط، بل أيضاً عبر دعم فاعلين مسلحين أو أنظمة معزولة دولياً مقابل عقود موارد، ويتجلى أيضاً في تصاعد أدوات "الحرب غير المتكافئة": حملات إعلامية موجهة، وعمليات تأثير على شبكات التواصل، وتدخل في الانتخابات، وحرب معلومات.
على الرغم من أن النظام السياسي الروسي شديد الهرمية، فإن مراكز الدراسات تلعب دوراً ملموساً في تغذية النقاش الاستراتيجي حول العقوبات وطرق الالتفاف عليها. داخل هذه الأوساط، يتبلور تصور متنامٍ يرى في العقوبات الغربية فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد حول فكرة "الاكتفاء السيادي"، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع الكفاءة والابتكار المدني. هذه الرؤية تغذي قبولاً أوسع داخل النخبة السياسية لفكرة "اقتصاد الحصار المستدام": مجتمع مستعد لتحمل كلفة طويلة الأمد للحرب والعقوبات، مقابل الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية.
حدود النفوذ: مفارقة البقاء عبر التمدد
رغم الخطاب الذي يروّج لروسيا كقطب اقتصادي بديل في آسيا وأفريقيا، تشير الأرقام إلى أن نفوذها الاقتصادي الكلي يبقى محدوداً مقارنة باللاعبين الكبار الآخرين. في أفريقيا، لا يقارن حجم التجارة والاستثمار الروسي مع الأحجام الصينية أو الأوروبية، ما يجعل القدرة الروسية على إعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية محدودة، وإن كانت قادرة على التأثير في النخب السياسية والأمنية. في آسيا، لا يستطيع الوزن الاقتصادي الروسي منافسة الصين أو حتى اليابان والهند؛ ما يفرض على موسكو الاعتماد على مزيج من الطاقة والسلاح ورأس المال السياسي–العسكري، أكثر من قدرتها على نشر استثمارات إنتاجية واسعة النطاق.
📉 فجوة الصورة والواقع
يمكن أن تتقلص حصة روسيا بسرعة إذا تغيرت النخب الحاكمة في الدول الأفريقية أو الآسيوية، أو إذا قررت هذه الدول تنويع شركائها لتقليل الاعتماد على موسكو.
⚡ حساسية مزدوجة
الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة والسلاح يجعل روسيا حساسة لتقلبات الأسعار، ولتطور الطاقة المتجددة، ولظهور منافسين جدد في سوق السلاح.
🔄 معادلة شبه صفرية
كل تقدم روسي في منطقة ما يعني غالباً تراجع نفوذ لاعب آخر: فرنسا في الساحل، أمريكا في الشرق الأوسط، أو حتى الصين في هوامش آسيا الوسطى.
🎲 رهان طويل الأمد
العامل الحاسم هو قدرة روسيا على تحويل حضورها من شبكة صفقات ظرفية ومشاريع أمنية إلى شراكات اقتصادية عميقة ومستدامة.
المفارقة الجوهرية في المشهد الروسي اليوم هي أن اقتصاداً معاقَباً، ذا بنية ريعية وعسكرية، يحاول ضمان بقائه عبر التمدد الخارجي لا عبر الانكماش الدفاعي. هذه الحركة تفتح أمام روسيا فرصاً اقتصادية جديدة: عقود طاقة وتعدين وسلاح، والوصول إلى موارد إستراتيجية، وتوسيع استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية. لكنها في الوقت ذاته تجعلها جزءاً من منافسة عالمية متصاعدة على الموارد وممرات الطاقة والموانئ والمعادن النادرة.
تنقسم القراءات البحثية حول مستقبل الاقتصاد الروسي إلى مدرستين رئيسيتين. مدرسة أولى ترى أن روسيا قادرة على الاستمرار ضمن نمط "اقتصاد حرب متكيّف" لسنوات قادمة، إذا بقيت أسعار الطاقة في مستويات مقبولة، واستمرت في توسيع أسواقها في آسيا وأفريقيا، وعمقت تعاونها ضمن تجمعات مثل "البريكس" وأنظمة الدفع البديلة. ومدرسة ثانية تحذر من لحظة أزمة داخلية، مالية أو اجتماعية، إذا تراجعت أسعار الطاقة، أو تشددت العقوبات التكنولوجية، أو ارتفعت كلفة الحرب إلى مستويات غير محتملة، أو تراكم التعب الاجتماعي من طول أمد الصراع.
في ظل هذه المعادلة شبه الصفرية، يصبح الاقتصاد الروسي، بقدر ما يسعى إلى تأمين البقاء عبر التمدد، عاملاً نشطاً في إعادة رسم خرائط التنافس الجيوسياسي ورفع منسوب المخاطر الأمنية في مناطق هشّة أصلاً، من الساحل الأفريقي إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
أياً يكن السيناريو الأقرب إلى التحقق، يظل العامل الحاسم هو قدرة روسيا على تحويل حضورها في آسيا وأفريقيا من شبكة صفقات ظرفية ومشاريع أمنية إلى شراكات اقتصادية عميقة ومستدامة، قادرة على امتصاص صدمات العقوبات والحرب. حتى الآن، لم يتحقق هذا التحول بالكامل، ما يجعل الاقتصاد الروسي واقفاً على حافة دقيقة بين صمود "اقتصاد الحرب" وإمكان انفجار تناقضاته الداخلية في لحظة ما.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت