لم يعد السؤال مجرد استعارة أكاديمية يتناقلها الباحثون في مؤتمرات العلاقات الدولية. إنه سؤال يُطرح اليوم بإلحاح متزايد في دوائر القرار، في العواصم الكبرى، في غرف القيادة العسكرية، وعلى صفحات المجلات الاستراتيجية الرفيعة: هل يعيش العالم نسخة جديدة من الحرب الباردة التي هيمنت على الشطر الثاني من القرن العشرين؟ التشابه مع تلك المرحلة مثيرٌ للدهشة في تفاصيله، لكنه مضلل في استنتاجاته. ما نشهده اليوم هو شيء أكثر تعقيداً وأشد خطورة من الثنائية السوفيتية-الأمريكية التي نشأت بين الحربين العالميتين وتفككت مع انهيار الاتحاد السوفيتي.
01التشابه المغري والخلاف البنيوي
ثمة إغراء حقيقي في تشبيه الراهن بما مضى. قوتان عظميان — الولايات المتحدة والصين — تتناظران عبر محيطات، كل منهما تضخ استثمارات عسكرية هائلة، تسعى لتوسيع نطاق تحالفاتها، وتخوض حرباً سردية مستمرة في الفضاء الإعلامي والرقمي. المعجم السياسي القديم عاد بقوة: مناطق النفوذ، خطوط الاحتواء، أحلاف بالوكالة، سباق تسلح. بيد أن التشابه يتوقف عند هذا الحد. الحرب الباردة الأصيلة كانت في جوهرها صراعاً أيديولوجياً مطلقاً: الرأسمالية الليبرالية في مواجهة الشيوعية السوفيتية، نموذجان للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي لا يقبل أيٌّ منهما مشاركة الآخر في الفضاء العالمي. الصراع الأمريكي-الصيني اليوم ليس من هذا الطراز. الصين لا تصدّر ثورة ولا تموّل أحزاباً شيوعية في عواصم العالم ولا تعمل عبر كومنترن جديد. ما تريده بكين هو القوة والمكانة والأمان — وهي أهداف سعت إليها واشنطن ذاتها على مدى قرنين.
02الاشتباك الاقتصادي: ما لم تعرفه الحرب الباردة الأولى
الفارق الجذري بين ما نعيشه اليوم وما عاشه العالم بين عامي 1947 و1991 يكمن في الاقتصاد. في حقبة الحرب الباردة الكلاسيكية، كانت التبادلات التجارية بين المعسكرَين شبه معدومة. أما اليوم فالصين تحتل مرتبة الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي والثاني للولايات المتحدة. سلاسل الإنتاج العالمية تنسج بين الطرفين المتنافسَين شبكةً من الاعتماد المتبادل يبلغ ثمن تفكيكها الآلاف من المليارات وسنوات من التكيّف المؤلم. هذا الاشتباك الاقتصادي يمثل في آنٍ واحد كابحاً للمواجهة المفتوحة ومصدراً للهشاشات المتبادلة. تخشى واشنطن أن تقطع بكين الوصول إلى المعادن النادرة الضرورية لصناعاتها الدفاعية. وتخشى بكين أن تغلق واشنطن باب أشباه الموصلات المتقدمة التي تغذي تحديثها التكنولوجي.
03روسيا: العامل المقلقل لا المحور المنظِّم
أضافت الحرب في أوكرانيا طبقة من التعقيد. أعادت تنشيط ردود أفعال الناتو، ولحمّت المعسكر الغربي مؤقتاً، وأسقطت موسكو في تبعية متنامية لبكين. غير أن روسيا لم تعد قوة عظمى بالمعنى الذي كانت عليه في السبعينيات. ناتجها المحلي يضاهي ناتج إسبانيا. تحديثها العسكري، على حقيقيته في بعض القطاعات، يكشف في أوكرانيا عن ثغرات لوجستية وعقائدية عميقة. هي قوة تزعزع واسعة الأثر، قادرة على زعزعة أوروبا وتهديد جيرانها، لكنها ليست ندّاً أمريكياً كما كان الاتحاد السوفيتي.
04أبعاد الصراع الجديدة: السيبرانية والفضاء والذكاء الاصطناعي
تتشكل المنافسة الراهنة أيضاً على ميادين لم تعرفها الحرب الباردة الكلاسيكية إلا في أضعف صورها: الفضاء الإلكتروني حيث باتت الهجمات الرقمية الدولة ضد البنى التحتية الحساسة أمراً روتينياً، الفضاء المداري حيث تحولت السيطرة على الأقمار الاصطناعية إلى رهان استراتيجي، والذكاء الاصطناعي الذي ستحدد التفوق فيه القوة الاقتصادية والعسكرية للعقود المقبلة. على كل هذه الميادين القواعد غامضة، وعتبات التصعيد غير محددة، والعقائد في طور التكوين.
05خاتمة استشرافية
هل دخلنا حرباً باردة جديدة؟ نعم ولا في الوقت ذاته. نعم بمعنى أن التنافس بين القوى الكبرى عاد ليكون المبدأ المنظِّم للعلاقات الدولية بعد انقطاع الليبرالية التاسعينية. ولا بمعنى أن شروط المواجهة الثنائية للقرن الماضي — الاقتصادية والأيديولوجية والمؤسسية — لم تُستعَد. ما نعيشه شيء جديد يستعير من الماضي أشكاله لا منطقه، ويستدعي أدوات دبلوماسية ومفاهيمية لم نُنضجها بعد. الاستعجال ليس في تصنيف الأزمة. الاستعجال في تفادي أن تتحول الحرب الباردة المجازية إلى حرب حقيقية.
هل تستطيع أفريقيا أن تكون الرابح الكبير في النظام ال…
ديموغرافيا متفجرة ومعادن حيوية واستقلالية استراتيجية متنامية — الأوراق موجودة،…
← اقرأ المقالاليابان تُعيد تسليح نفسها: هل تتخلى طوكيو عن السلمية…
المادة التاسعة ومضاعفة الميزانية الدفاعية وقدرات الضربة المضادة — ثورة استراتي…
← اقرأ المقالبحر الصين الجنوبي: المعركة الصامتة للسيطرة على تجارة…
خمسة تريليونات دولار سنوياً وجزر اصطناعية معسكرة وخط التسع نقاط المنازَع — من …
← اقرأ المقالكيف تحصّن بكين وصولها إلى المعادن الاستراتيجية الأفر…
تقدم بعشرين عاماً — الصين تُسيطر على مواد خام التحول الطاقوي قبل أن يُدرك الغر…
← اقرأ المقال