قبل خمسة قرون، كان البحر المتوسط مركز العالم: مسرح المبادلات الحضارية بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، وفي الوقت ذاته ميدان المواجهات الكبرى بين العثمانيين والأسبان والإيطاليين والبرتغاليين. ثم تراجع شيئاً فشيئاً مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ثم قناة السويس، ليعود مجرد شارع داخلي من شوارع الحضارة الغربية. لكن اليوم، في عالم يُعاد فيه رسم خرائط القوة، تعود المتوسط إلى صدارة الاهتمام الاستراتيجي بشكل لافت، ليس بوصفها مسرحاً إقليمياً، بل بوصفها نقطة تلاقٍ لأكثر الصراعات الجيوسياسية تعقيداً في العالم اليوم.
01قناة السويس: شريان لا يُعوَّض
الأهمية الاقتصادية للمتوسط تتمركز في قناة السويس، مسار اثنا عشر بالمئة من التجارة العالمية. ما إن تضطرب الأوضاع في منطقة المتوسط أو البحر الأحمر المتصل به حتى يشعر بذلك الاقتصاد العالمي فوراً. أزمة السفينة إيفر غيفن عام 2021 التي أغلقت القناة لأيام قليلة كلّفت التجارة العالمية أكثر من تسعة مليارات دولار في الأسبوع. وما فعله الحوثيون باستهداف السفن في البحر الأحمر أجبر شركات الشحن الكبرى على تحويل مساراتها ليأتي من رأس الرجاء الصالح، محملاً تكاليف إضافية وتأخيرات زمنية.
02تركيا والتمدد نحو الوسط
على الشاطئ الشمالي، تركيا تحتل موقعاً فريداً يجعلها قادرة على التأثير في كل اتجاهات المتوسط. من خلال مذكرة التفاهم مع حكومة الوفاق الليبية عام 2020، وسّعت تركيا نطاق مطالبتها بالمياه الاقتصادية في المتوسط بشكل أثار ردود فعل حادة من اليونان وقبرص ومصر وفرنسا. هذا النزاع على الحدود البحرية لم يُسوَّ حتى اللحظة، وهو يمثل خطاً محتملاً للتصعيد بين حلفاء ناتو من جهة، وبين قوى متنافسة على الموارد الطبيعية في باطن البحر.
03الصين في المتوسط: دخول هادئ
لم يكن المتوسط في يوم من الأيام ميداناً للاستراتيجية الصينية، حتى قرر الصينيون تغيير ذلك. بوابتهم الرئيسية كانت ميناء بيراوس اليوناني الذي باتت تسيطر عليه مجموعة COSCO الحكومية الصينية. من هنا تتدفق البضائع الصينية إلى أوروبا، وعلى طول هذه الرحلة تراقب بكين باهتمام بالغ مآلات الصراعات الإقليمية لأن أي اضطراب يمسّ مصالحها التجارية المتنامية.
04الغاز وطاقة الصراع
اكتشاف حقول الغاز الطبيعي العملاقة في شرق المتوسط خلال العقد الأول من هذا القرن أضاف بُعداً اقتصادياً نزاعياً جديداً. حقل ليفياثان الإسرائيلي وحقل أفروديتي القبرصي وحقل ظهر المصري كلها رسمت خريطة جديدة للثروة تتقاطع مع حدود متنازع عليها. شركات أوروبية وأمريكية تستثمر في هذا القطاع، وتركيا ترفض إعلان قبرص عن منطقتها الاقتصادية الخالصة، والصراع على حصص التنقيب يمكن أن يتحول إلى مواجهة مسلحة.
05الهجرة كسلاح سياسي
أسلحة الجيوسياسة المتوسطية لا تقتصر على المدافع والأساطيل. الهجرة الجماعية باتت هي الأخرى أداةً يستخدمها الفاعلون الإقليميون. تركيا لوّحت مراراً بفتح الأبواب أمام اللاجئين نحو أوروبا حين تتأزم علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. وليبيا، في غياب دولة مركزية متماسكة، باتت ممراً لا تحكمه دولة.
06الخاتمة: بحر بلا قواعد
ما يجعل المتوسط اليوم أكثر تقلباً مما كان عليه في عقود الحرب الباردة هو تعدد الفاعلين وغياب هيمنة ثنائية تضبط الإيقاع. في الحرب الباردة، كانت أمريكا والاتحاد السوفيتي تتنافسان، لكن كلاهما يحرص على ألا تتحول المنافسة إلى صراع مسلح. اليوم، تتقاطع مصالح أكثر من عشرة لاعبين إقليميين ودوليين بشكل أقل نظاماً، وأكثر قابلية للانفجار من حادثة غير محسوبة.
عودة الإمبراطوريات: لماذا تسعى الصين وتركيا وروسيا لإعا…
الذاكرة الإمبراطورية كوقود سياسي — ثلاث قوى تستعيد أحلام عظمة مضت لإعادة تع…
← اقرأ المقالاستراتيجية "الطوق الفولاذي": كيف تحاصر بكين تايوان تدري…
من الطوق الاقتصادي إلى التطبيع العسكري — بكين تُعيد رسم الواقع الاستراتيجي …
← اقرأ المقالهل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول…
التحالف الذي بُني لتهديد واحد يواجه انقسامات حول تهديد آخر — تركيا وأوروبا …
← اقرأ المقالكيف تنقل الحروب الحديثة مركز القوة من الجيوش التقليدية …
من الخندق إلى الخوارزمية — ثورة الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والذكاء…
← اقرأ المقال