لم يعد السؤال الأمني في الخليج بعد حرب 2026 على إيران متعلقًا فقط بقدرة الولايات المتحدة على الردع، بل بطبيعة النظام الأمني الذي يمكن أن تعيش في ظله دول مجلس التعاون خلال العقد المقبل. فقد كشفت الضربات الصاروخية والمسيّرة، واستهداف قاعدة العديد في قطر، واضطراب الممرات البحرية في البحر الأحمر وهرمز، أن نموذج الحماية التقليدي القائم على الاعتماد شبه الكامل على واشنطن لم يعد يمنح الدرجة نفسها من اليقين التي وفرها في العقود الماضية.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن الخليج يدخل مرحلة انتقالية لا تتحدد فقط بميزان القوة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا فقط بصعود الصين، بل كذلك بقدرة الدول الخليجية نفسها على إعادة تعريف معنى التحالف والأمن والسيادة في بيئة عالية السيولة. ومن هنا، فإن تحليل مستقبل التحالفات الأمنية في الخليج يستلزم الجمع بين ثلاثة مفاهيم مترابطة: التحوّط باعتباره إدارةً لتعدد المخاطر، والموازنة بوصفها بناءً لأدوات ردع واحتياط، وتعقيد شبكات التحالف بما يجعل الأمن الخليجي محصلة شبكة واسعة من العلاقات لا مجرد ثمرة لمحور واحد.
وعلى هذا الأساس، تقترح الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الخليج بعد 2026: سيناريو التهدئة المسلحة تحت المظلة الأمريكية؛ وسيناريو تنويع التحالفات وبناء شبكة أمنية متعددة الأقطاب؛ ثم سيناريو الاشتعال المتجدد وتفتت الأمن الإقليمي. والراجح، وفق المعطيات الحالية، أن المستقبل القريب لن يُنتج قطيعة مع واشنطن ولا انتقالًا كاملاً إلى نظام متعدد الأقطاب، بل صيغة هجينة تبقي الولايات المتحدة في قلب المعادلة مع اتساع واضح لسياسات التحوط والتنويع.
٠.١ من أمن الحماية إلى أمن الاحتمال
لأكثر من أربعة عقود، تأسس الأمن الخليجي على معادلة شبه مستقرة: الولايات المتحدة توفر الردع الاستراتيجي والمظلة العسكرية، والقواعد الأمريكية تمثل صمام أمان ضد التهديدات الكبرى، فيما تؤمن دول الخليج التمويل والتموضع والاستقرار السياسي اللازم لاستمرار المنظومة. غير أن الحروب الإقليمية الممتدة منذ 2023، ثم حرب 2026 على إيران، كشفت حدود هذه المعادلة، إذ لم تعد المشكلة في احتمال حرب تقع خارج الخليج، بل في انتقال آثارها – بل وبعض عملياتها المباشرة – إلى داخل المجال الخليجي نفسه.
لقد غيّر استهداف قاعدة العديد، واهتزاز الملاحة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، طبيعة السؤال الأمني من سؤال عن "الحماية" إلى سؤال عن "إدارة الاحتمال". وهذا التحول يعني أن دول الخليج لم تعد تستطيع الاكتفاء بطلب الردع من الخارج، بل بات عليها أن تعيد هندسة موقعها داخل شبكة أوسع من الضمانات والاحتياطات والبدائل.
٠.٢ التحوّط الاستراتيجي: تعريف عملياتي
يمثل مفهوم التحوّط الاستراتيجي إحدى أكثر الأدوات النظرية ملاءمة لتفسير هذا التحول. فالتحوّط ليس حيادًا سلبيًا، ولا صورة مخففة من التوازن الصلب، بل هو استراتيجية وسطية تجمع بين الانخراط مع الدولة المهيمنة أو المهدِّدة، وبين بناء أدوات ردع وموازنة تحسبًا لتحول العلاقة نفسها إلى مصدر انكشاف أو ابتزاز.
التحوّط: سلوك استراتيجي تتبعه الدول الخليجية لتوزيع المخاطر في بيئة عالية اللايقين، عبر المزج بين المشاركة مع القوى الكبرى أو الإقليمية، وبين بناء أدوات ردع وموازنة وتحوط اقتصادي–تقني–دبلوماسي، بهدف تقليل الاعتماد الأحادي والحفاظ على هامش من الاستقلال النسبي.
١ التحوّط بوصفه توزيعًا للمخاطر لا تعليقًا للقرار
لا يعني التحوط التردد أو تأجيل الحسم، بل يعني توزيع المخاطر عبر مسارات متوازية.١ فالدولة المتحوّطة لا تنتظر لحظة يقين كاملة لتختار بين البدائل، لأنها تدرك أن مثل هذا اليقين لم يعد متاحًا أصلًا في بيئة يتراجع فيها التزام القوة المهيمنة، وتصعد فيها قوى جديدة لم تستكمل بعد أدوات الهيمنة الشاملة.
في الحالة الخليجية، يظهر هذا المعنى بوضوح في الجمع بين الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة، والانفتاح الاقتصادي والتقني على الصين، والإبقاء على قنوات الاتصال مع إيران ولو في أشد لحظات التوتر. لذلك لا يتعلق التحوط هنا بانتقال من محور إلى آخر، بل بإدارة متزامنة لاحتمالات متعارضة هدفها تخفيض كلفة الارتهان لطرف واحد.
٢ التحوّط باعتباره تركيبًا بين المشاركة والموازنة
يقوم التحوط على الجمع بين المشاركة والموازنة داخل سلوك واحد.٢ فالمشاركة تعني الانخراط مع الدولة الأقوى أو الدولة المهدِّدة عبر التجارة والاستثمار والاتصال السياسي والمؤسسي، أما الموازنة فتعني بناء قدرات ذاتية أو شراكات مقابلة تمنع تحول هذا الانخراط إلى تبعية كاملة.
وبالنسبة إلى الخليج، يتجلى هذا في تعميق الشراكات الدفاعية مع واشنطن، بالتوازي مع توسيع العلاقات الاقتصادية والتقنية مع الصين، مع الإبقاء على قنوات التهدئة مع إيران والاستمرار في تطوير القدرات الدفاعية الجوية والصاروخية. ومن ثم، فإن التحوط ليس منطقة وسط ضبابية، بل هندسة مقصودة تجمع بين الانخراط والاحتياط ضمن بنية واحدة.
٣ التحوّط في الخليج بوصفه استجابة هيكلية لعالم متعدد المراكز
لا ينبغي فهم التحوط الخليجي بوصفه قرارًا تكتيكيًا عابرًا، بل بوصفه استجابة هيكلية لتحول البيئة الدولية.٣ فالأدبيات المقارنة تشير إلى أن التحوط يبرز لدى الدول المتوسطة والصغرى عندما تجد نفسها بين قوة مهيمنة تتراجع نسبيًا وقوة صاعدة لا تزال غير مكتملة الأدوات.
وهذا الوصف ينطبق على الخليج بدرجة كبيرة: فالولايات المتحدة ما تزال اللاعب العسكري الأهم، لكنها أقل استعدادًا من السابق لتحمل أعباء الضبط الكامل للإقليم، فيما تزداد الصين وزنًا في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، من دون أن تقدم بعد بديلًا أمنيًا كاملاً للمظلة الأمريكية. لذلك، يصبح التحوط هنا سلوكًا عقلانيًا يهدف إلى الحفاظ على العلاقة مع القوة المهيمنة، مع منع تحولها إلى احتكار كامل للقرار الأمني والاقتصادي.
٤ أدوات التحوّط: من الاقتصاد والطاقة إلى الدفاع والدبلوماسية
التحوط الخليجي لا يقتصر على المجال العسكري، بل يعتمد على منظومة أدوات متعددة.٤ فهناك أولًا الأداة الاقتصادية–الطاقية، حيث تستخدم دول الخليج الاستثمارات السيادية والعقود طويلة الأجل وعلاقات الطاقة لتوزيع الاعتماد الخارجي وربط القوى الكبرى باستقرار المنطقة. وهناك ثانيًا الأداة الدفاعية–التقنية، عبر تطوير الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المراقبة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحساسة مع الحفاظ على العلاقة العسكرية الأساسية مع واشنطن.
أما الأداة الثالثة فهي الدبلوماسية–المؤسسية، وتظهر في الوساطة، والانفتاح على المنصات متعددة الأطراف، واستخدام الأطر الإقليمية والدولية لتخفيف الاستقطاب الحاد. وبذلك يصبح التحوط في الخليج أقرب إلى هندسة شاملة للأمن السياسي والاقتصادي والتقني، لا مجرد تعديل محدود في الاصطفاف العسكري.
٥ صانع القرار والإدراك الاستراتيجي
لا يُفسَّر التحوط فقط عبر بنية النظام الدولي، بل أيضًا عبر إدراك النخب الحاكمة لطبيعة التهديد وحدود الحليف وفرص التعددية الدولية.٥ فالسؤال لا يقتصر على توزيع القوة، بل يشمل أيضًا: كيف تفهم القيادات الخليجية تراجع الالتزام الأمريكي؟ وكيف تقرأ صعود الصين؟ وكيف تحدد معنى الخطر الإيراني؟
هذا المستوى الإدراكي يفسر اختلاف أنماط التحوط داخل الخليج. فالسعودية تميل إلى تحوط بنيوي هادئ يوازن بين المظلة الأمريكية والانفتاح الصيني ومتطلبات مشروعها التحولي. والإمارات تميل إلى تحوط شبكي أكثر مرونة يوظف الموانئ والتكنولوجيا والانفتاح العالمي لتعظيم الاستقلال النسبي. أما قطر وعُمان فتقتربان من تحوط دبلوماسي أوضح، يستخدم الوساطة والاتصال والحياد النسبي لرفع هامش المناورة وتقليل المخاطر.
٦ التحوّط والمعضلة الأمنية مع إيران
لا يمكن فهم التحوط الخليجي من دون ربطه بالمعضلة الأمنية مع إيران. فإيران ليست فقط خصمًا إقليميًا، بل أيضًا جارًا دائمًا، وقوة صاروخية، وطرفًا قادرًا على التأثير في الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وفي الوقت نفسه شريك محتمل في ترتيبات التهدئة وخفض التصعيد.
لذلك، يأخذ التحوط تجاه إيران شكلًا مزدوجًا: تواصل وتفاهمات لخفض التوتر من جهة، وموازنة عبر بناء الدفاعات وتوثيق الشراكات مع واشنطن وتحصين الجبهة الداخلية من جهة أخرى. وهنا تتضح القيمة التفسيرية للمفهوم، لأنه يشرح كيف يمكن للدولة الخليجية أن تحاور إيران، وتبني دفاعاتها ضدها، وتحافظ على شراكتها الأمريكية، وتوسع في الوقت نفسه تعاونها مع الصين، من دون أن يعد ذلك تناقضًا بالضرورة.
٠١ العوامل الحاكمة لمستقبل التحالفات الأمنية
يتوقف مستقبل التحالفات الأمنية في الخليج بعد 2026 على مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية المتداخلة:
٠٢ السيناريو الأول: التهدئة المسلحة تحت المظلة الأمريكية
يظل هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، لأنه يجمع بين استمرار الحاجة الخليجية إلى الولايات المتحدة، وبين تراجع الثقة المطلقة في كفاية هذه المظلة وحدها. ففي هذا المسار، تبقى القواعد الأمريكية والاتفاقيات الدفاعية وصفقات السلاح والعلاقات الاستخبارية هي العمود الفقري للأمن الخليجي.
غير أن هذا العمود لم يعد يُفهم بوصفه ضمانًا مطلقًا، بل بوصفه أداة ردع أساسية تحتاج إلى تطعيم عبر تنسيق خليجي أكبر، وبناء قدرات ذاتية أعلى، والإبقاء على قنوات التهدئة مع إيران مفتوحة. وتتمثل خصائص هذا السيناريو في استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وتصاعد التركيز على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وبقاء قنوات خفض التصعيد مع إيران، مع غياب بديل أمني كامل من الصين أو غيرها.
وتكمن دلالة هذا السيناريو في أنه يعكس رغبة خليجية في تعديل شروط التحالف لا في نقضه؛ أي الإبقاء على واشنطن في قلب المعادلة، ولكن من دون التسليم بأن كل تصعيد إقليمي يجب أن يُترجم تلقائيًا إلى اصطفاف خليجي كامل. كما أنه يشير إلى أن الخوف من الحرب المفتوحة سيدفع نحو تعزيز الردع الدفاعي لا إلى الانخراط في مغامرة هجومية واسعة.
٠٣ السيناريو الثاني: تنويع التحالفات وبناء شبكة أمنية متعددة الأقطاب
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن دول الخليج ستتجه تدريجيًا إلى تقليل هشاشتها أمام القرار الأمريكي الأحادي، من خلال توسيع شبكة شراكاتها الأمنية والتقنية، من دون إعلان قطيعة مع واشنطن. وفي هذه الحالة، يصبح الأمن أقل ارتباطًا بالتحالف الثنائي التقليدي، وأكثر ارتباطًا ببنية شبكية تشمل الولايات المتحدة والصين وتركيا وباكستان والهند، وربما شركاء أوروبيين وآسيويين آخرين.
ويأخذ هذا التنويع أشكالًا متعددة: من التعاون في الصناعات العسكرية والأمن السيبراني والبنية التحتية الحساسة، إلى حماية الموانئ والممرات البحرية، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي الدفاعي. كما تتعمق الشراكات التقنية مع الصين، وتتوسع الشراكات البحرية مع قوى آسيوية وإقليمية، فيما تُستخدم الاستثمارات السيادية الخليجية بوصفها أداة مساومة أمنية وسياسية، لا مجرد أداة مالية بحثًا عن العائد.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يواجه حدودًا واضحة؛ فواشنطن لا تنظر براحة إلى التوسع الصيني في المجالات الحساسة، والصين نفسها لا تبدو مستعدة بعد لتحمل كلفة أمنية عسكرية مكافئة للولايات المتحدة. لذلك، فإن التنويع الأكثر ترجيحًا هو تنويع جزئي ومدروس، لا انقلاب كامل في التموضع الاستراتيجي.
٠٤ السيناريو الثالث: الاشتعال المتجدد وتفتت الأمن الإقليمي
هذا هو السيناريو الأخطر، ويقوم على فرضية أن حادثًا بحريًا كبيرًا، أو هجومًا صاروخيًا واسعًا، أو سوء تقدير بين إيران وإسرائيل أو بين إيران وواشنطن، يمكن أن يعيد الخليج سريعًا إلى حالة اشتعال تتجاوز قدرة الدبلوماسية على الاحتواء. وفي هذا المسار، لا تتحول التحالفات إلى منظومة استقرار، بل إلى شبكة استدعاء متبادل للخطر: القواعد تستجلب الضربات، والممرات البحرية تتحول إلى ساحات ابتزاز، والانقسام داخل مجلس التعاون يتسع بين من يريد التهدئة بأي ثمن ومن يرى ضرورة تشديد الاصطفاف.
وتظهر خصائص هذا السيناريو في عودة الصواريخ والمسيّرات إلى المجال الخليجي بشكل متكرر، وتآكل قدرة الردع بفعل ضغط الهجمات وتشتت القرار الدفاعي، وارتفاع كلفة التأمين والشحن والاستثمار إلى مستويات تهدد مشاريع التحول الاقتصادي، إضافة إلى اتساع الانقسام بين العواصم الخليجية حول درجة الاصطفاف مع واشنطن أو الانفتاح على تسويات مع إيران.
وإذا تحقق هذا المسار، فسيُعاد تعريف الخليج بوصفه ساحة مواجهة مفتوحة لا فضاءً لإدارة التوازنات، بما يعني تراجع جاذبيته الاقتصادية، وتآكل هامش السيادة، وتعاظم الارتهان للقوى الكبرى من دون قدرة فعلية على التحكم في مسار الأحداث.
٠٥ إسقاط السيناريوهات على الدول الرئيسية
تمتلك السعودية أكبر هامش للمناورة داخل الخليج بحكم ثقلها النفطي والمالي والجغرافي والديني. ولذلك يُرجح أن تتبنى استراتيجية مزدوجة تقوم على الحفاظ على الشراكة العميقة مع واشنطن، مع توسيع سياسة التحوط عبر الصين والقوى الآسيوية، مع تجنب أي قطيعة تضعف مظلتها الدفاعية.
في السيناريو الأول، ستكون السعودية القائد الطبيعي لمسار التهدئة المسلحة، مستفيدة من قدرتها على الجمع بين الردع والدبلوماسية. وفي السيناريو الثاني، ستكون الأكثر قدرة على تحويل التنويع إلى سياسة دولة مستقرة لا إلى رد فعل ظرفي. أما في السيناريو الثالث، فستكون الأكثر تعرضًا لضغوط الموازنة بين حماية مشروعها الاقتصادي وتجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.
تمثل الإمارات الحالة الخليجية الأكثر استعدادًا لتجريب السيناريو الثاني، أي بناء شبكة أمنية–تكنولوجية متعددة الأقطاب، نظرًا لانفتاحها الواسع على الصين، وقوة بنيتها اللوجستية، وطموحها إلى تقليل الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة. لكنها في الوقت نفسه من أكثر الدول حساسية للسيناريو الثالث، لأن اقتصادها قائم على صورة الاستقرار والانفتاح، ولأن بنيتها التحتية التجارية والمينائية تجعلها عرضة لارتدادات الحرب بسرعة أعلى.
لذلك، يبدو المسار الأرجح للإمارات هو التوفيق بين تعميق الشراكة الأمريكية أمنيًا، وتوسيع التنويع الصيني–الآسيوي تقنيًا واقتصاديًا، في محاولة للحفاظ على مزايا المرونة من دون الوقوع في انكشاف أمني مفرط.
تختلف قطر عن السعودية والإمارات في أن قوتها الأساسية لا تكمن فقط في المال والقاعدة الأمريكية الكبرى، بل أيضًا في قدرتها على أداء دور الوسيط وبناء قنوات مفتوحة مع خصوم متعارضين. وقد جعل استهداف قاعدة العديد الدوحة أكثر وعيًا بخطورة الوجود الأمريكي حين يتحول إلى هدف مباشر، لكنه لم يلغِ قيمة هذا الوجود في حسابات الردع.
ومن ثم، يُرجح أن تراهن قطر على السيناريو الأول مع عناصر قوية من السيناريو الثاني: تحالف أمريكي مستمر، مع إبقاء الوساطة والتواصل مع إيران وفاعلين إقليميين آخرين جزءًا من بنية أمنها الوطني. وهذه المقاربة تمنحها مرونة أكبر من كثير من العواصم الخليجية في لحظات الأزمة، لأنها تحول الدبلوماسية من وظيفة سياسية إلى أداة أمنية مباشرة.
تمثل عُمان حالة خاصة في الخليج، لأنها بنت تاريخيًا جزءًا مهمًا من أمنها على الحياد النسبي، والقدرة على الوساطة، وتجنب الاندماج الكامل في سياسات الاصطفاف الحاد. وقد تعززت قيمة هذا الدور بعد أزمات البحر الأحمر ووساطات خفض التصعيد المرتبطة بها.
في السيناريو الأول، تصبح عُمان ركيزة حيوية في حفظ قنوات التهدئة مع إيران. وفي السيناريو الثاني، يمكن أن تستفيد من تعدد الشراكات من دون أن تتحول إلى ساحة تنافس حاد. أما في السيناريو الثالث، فستكون من أكثر الدول تضررًا من انهيار منطق الوساطة، لأن قوتها النسبية تقوم على بقاء مساحة بين المعسكرات لا داخل أحدها بالكامل.
جدول جدول ترجيحي للسيناريوهات حسب الدولة
| الدولة | س١ — تهدئة مسلحة | س٢ — تنويع التحالفات | س٣ — اشتعال متجدد |
|---|---|---|---|
| 🇸🇦 السعودية | مرتفع | متوسط | متوسط |
| 🇦🇪 الإمارات | متوسط | مرتفع جدًا | تعرّض مرتفع |
| 🇶🇦 قطر | مرتفع | متوسط | متوسط |
| 🇴🇲 عُمان | مرتفع | متوسط | تعرّض مرتفع |
٠٦ استنتاجات رئيسية
تكشف السيناريوهات الثلاثة أن الخليج لا يتجه بعد 2026 إلى قطيعة مع الولايات المتحدة، لكنه أيضًا لا يعود إلى نموذج الاعتماد الأحادي القديم. وما يتشكل هو بيئة أمنية هجينة تبقى فيها واشنطن الضامن الرئيسي، ولكن ضمن منظومة تحوط متزايدة، وتنويع محدود للشركاء، وتوسيع للأدوات غير العسكرية في تعريف الأمن.
كما يتضح أن مستقبل التحالفات الأمنية لن تحدده فقط نوايا واشنطن أو بكين أو طهران، بل قدرة دول الخليج نفسها على بناء حد أدنى من التكامل السياسي–الدفاعي. فكلما بقي الأمن موزعًا بين سيادات متوازية غير منسقة، ازدادت قدرة الخارج على فرض إيقاعه على المنطقة.
المعضلة الخليجية بعد 2026 ليست مجرد معضلة اختيار بين أمريكا والصين، أو بين الردع والتهدئة، بل معضلة كيفية تحويل الاعتماد الخارجي إلى شبكة مصالح قابلة للإدارة.
التحوط ليس حيادًا ولا تردّدًا، بل هندسة مقصودة توزّع المخاطر بين الانخراط مع واشنطن والانفتاح على بكين والاتصال مع طهران في آنٍ واحد.
كل عاصمة خليجية تحوّط بطريقتها: السعودية ببنية هادئة، الإمارات بشبكية مرنة، قطر وعُمان بدبلوماسية الوساطة — وهذا التنوع نفسه هو سمة العصر القادم لا استثناء عليه.
يكشف الخليج في مرحلة ما بعد 2026 عن مفترق حاسم بين ثلاثة مسارات: تثبيت التهدئة المسلحة تحت المظلة الأمريكية، أو توسيع التحوط عبر شبكة تحالفات أكثر تعقيدًا، أو السقوط في دورة جديدة من الاشتعال المتكرر. والراجح أن المستقبل القريب لن يكون انتصارًا كاملاً لأي سيناريو بمفرده، بل مزيجًا مرنًا من الأول والثاني، مع خطر دائم بأن ينزلق إلى الثالث إذا فشلت الدبلوماسية، أو تأخر التكامل الدفاعي، أو حدث سوء تقدير جديد في الإقليم.
وبذلك، لم يعد السؤال المركزي: من يحمي الخليج؟ بل: كيف يمكن للخليج أن يعيد هندسة أمنه بحيث لا يتحول كل تحالف خارجي إلى مصدر حماية وخطر في الوقت نفسه؟ هذا السؤال، أكثر من أي وقت مضى، سيحدد شكل الخليج في العقد المقبل: ساحةً لردود الآخرين، أو فاعلًا قادرًا على توزيع المخاطر وبناء توازناته الخاصة داخل عالم متحوّل.
📑 احصل على الورقة البحثية كاملة
نسخة PDF منسّقة للطباعة والاقتباس، مع جدول المراجع الكامل ووصول دائم لأرشيف الأوراق البحثية القادمة من geopolo.
$19