في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق تحت شعار نشر الديمقراطية وتدمير أسلحة الدمار الشامل. في عام 2011، تدخّل حلف الناتو في ليبيا لـ«حماية المدنيين». في عام 2015، تدخّلت روسيا في سوريا «لمحاربة الإرهاب». كل هذه التدخلات حملت شعارات نبيلة. وكلها خلّفت خراباً — إلى جانب أهداف تحققت، لكن ليست تلك المُعلنة دائماً. لفهم الشرق الأوسط، يجب أن نتعلّم قراءة المصالح تحت الشعارات.
لماذا الشرق الأوسط؟ الجواب في الأرض والبحر والنفط
لو لم يكن في الشرق الأوسط نفط ولا مضائق استراتيجية، هل كان العالم سيُبدي هذا الاهتمام المحموم بكل حادثة فيه؟ الإجابة الصادقة: على الأرجح لا. وهذه الصدق هو نقطة البداية لأي فهم حقيقي.
النفط: الموارد التي جلبت الكوارث
يمتلك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 48% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة عالمياً. المملكة العربية السعودية وحدها تضخّ 12% من إنتاج العالم. إيران تُشكّل 5% أخرى. ومضيق هرمز — الذي لا يتجاوز عرضه 54 كيلومتراً — تمرّ عبره 20 مليون برميل يومياً تُمثّل 30% من النفط البحري العالمي. هذه الأرقام تفسّر ببساطة لماذا لا تستطيع أي قوة عظمى أن تتجاهل ما يجري في هذه المنطقة.
الجغرافيا الاستراتيجية: ملتقى القارات
الشرق الأوسط ملتقى ثلاث قارات: آسيا وأفريقيا وأوروبا. قناة السويس وحدها تمرّ عبرها 12% من التجارة البحرية العالمية. مضيق باب المندب نقطة عبور لا بديل عنها بين المحيطَين الهندي والأطلسي. من يُسيطر على هذه المنطقة — أو من يحول دون أن يُسيطر عليها خصومه — يمتلك ورقة ضغط اقتصادية استثنائية.
الولايات المتحدة: المهيمن الذي يريد الانسحاب لكن لا يستطيع
لا توجد قوة دولية شكّلت الشرق الأوسط الحديث كما فعلت الولايات المتحدة. من دعم إسرائيل 1948 إلى الغزو العراقي 2003 مروراً باتفاقيات كامب ديفيد 1978 وعاصفة الصحراء 1991 — أمريكا حاضرة في كل محطة فارقة. لكن هذا الحضور الضخم أنتج متناقضات لا تزال تُشكّل السياسة الأمريكية حتى اليوم.
ثلاثية المصالح الأمريكية
المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ليست خطاً واحداً — إنها ثلاثية متوترة أحياناً. أولاً: ضمان تدفق النفط بأسعار مقبولة (وهو ما يفسّر حماية دول الخليج). ثانياً: أمن إسرائيل (وهو التزام استراتيجي لا يتزعزع منذ 1973). ثالثاً: منع ظهور قوة إقليمية هيمنة — سواء كانت إيران أو العراق في عهد صدام أو غيرهما — تُهدد إمكانية التأثير الأمريكي. هذه المصالح الثلاثة متوافقة في الغالب لكنها تتعارض أحياناً، وهنا تُولَد التناقضات.
الإرث المُعقَّد: من صدام إلى داعش
غزو العراق 2003 هو أفضل مثال على كيف يمكن للتدخل بنوايا حسنة (افتراضاً) أن ينتج كوارث. الفراغ الذي خلّفه تدمير الدولة العراقية أنتج داعش. تفكيك الجيش العراقي أنتج المئات من الضباط الذين أسّسوا التنظيم لاحقاً. وإيران — الخصم المفترض — هي المستفيد الأكبر من إزالة خصمها التاريخي صدام. النتيجة عكسية بامتياز.
روسيا والصين: القوتان الساعيتان لملء الفراغ
روسيا: العودة من باب سوريا
بعد عقدَين من الغياب النسبي عن المنطقة إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، عادت روسيا إلى الشرق الأوسط بالقوة العسكرية عام 2015 من بوابة سوريا. الهدف المُعلن: «محاربة الإرهاب». الهدف الحقيقي المتعدد الأوجه: إنقاذ حليف مهدَّد بالسقوط (الأسد)، استعراض القوة أمام أمريكا، تأمين قاعدة بحرية في طرطوس (المنفذ الوحيد على البحر المتوسط)، واستعادة الهيبة كقوة عظمى في ملفات إقليمية.
الصين: الطريق الحريري لا الجنود
الصين تنتهج نهجاً مختلفاً جذرياً: الاستثمار الاقتصادي بديلاً عن القواعد العسكرية. عبر مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ضخّت بكين مئات المليارات في دول المنطقة: موانئ في عُمان وإسرائيل وأفريقيا الشرقية، محطات طاقة في العراق، شراكات نفطية مع السعودية والإمارات وإيران. في 2023، توسّطت في التطبيع السعودي-الإيراني — وهي أهم مبادرة دبلوماسية في المنطقة منذ عقود — دون أن تُرسل جندياً واحداً.
الشعوب العربية: بين مطرقة التدخل الخارجي وسندان الطغيان الداخلي
أكثر ما يُظلم في تحليلات الجيوسياسة هو أن الشعوب تتحوّل فيها إلى «متغيّر ديموغرافي» أو «قاعدة جماهيرية» — بينما هي في الواقع البشر الذين يدفعون ثمن كل هذه الحسابات الباردة.
الوكالة المسروقة
مفهوم «الوكالة» — أي قدرة الأفراد والمجتمعات على تقرير مصيرهم — يُعدّ رفاهةً في سياقات كثيرة في المنطقة. حين تُقرر قوى خارجية دعم ديكتاتور أو تدمير دولة أو تمويل ميليشيات، فإن الشعوب تفقد ما كان يُمكنها بناؤه لو تُرك لها الأمر. العراقيون لم يُقرّروا غزو 2003. السوريون لم يُقرّروا الحرب بالوكالة على أراضيهم.
لكن التدخل الخارجي ليس المشكلة الوحيدة
التحليل الأمين يُقرّ أيضاً بأن كثيراً من إخفاقات المنطقة داخلية المصدر. الاستبداد المحلي، غياب المساءلة، الفساد البنيوي، وتهميش المرأة والشباب — هذه عوامل لا يمكن تحميل الغرب أو روسيا مسؤوليتها الكاملة. التوازن بين الاعتراف بالتدخل الخارجي ومسؤولية النخب المحلية هو مطلب التحليل الموضوعي.
«لا يوجد تدخل أجنبي في التاريخ الحديث حلّ مشكلة جذرية في دولة أخرى. التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج — يُمكن فقط أن يُحفَز أو يُعرقَل.»— ريتشارد هاوس، مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، 2025
اقرأ الشعار وانظر وراءه: كل تدخل خارجي يحمل شعاراً. التحليل الجيوسياسي يبدأ بسؤال بسيط: مَن يستفيد؟
السيادة ليست استسلاماً للداخل: رفض التدخل الخارجي لا يعني قبول الطغيان الداخلي. السيادة الحقيقية تبدأ بمحاسبة الحاكم المحلي.
المخرج: الدول التي خرجت من هذه الدوامة فعلت ذلك ببناء مؤسسات — لا بانتظار منقذ خارجي ولا برفض كل ما هو خارجي بالجملة.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت