في الأروقة الهادئة لوزارة الدفاع الفيتنامية في هانوي، وبين أروقة مجلس الأمن القومي في نيودلهي، تتشكّل واحدة من أكثر الشراكات الاستراتيجية إثارةً في آسيا في القرن الحادي والعشرين. لا يجمع الهند وفيتنام تاريخٌ مشترك قديم فحسب، بل يجمعهما اليوم عدو مشترك بالوكالة: الصين. وبينما تتصاعد الطموحات الصينية في بحر الصين الجنوبي وعلى الحدود الهيمالايا، يزداد إدراك البلدين أن مصيرهما الاستراتيجي مترابط بصورة لم تكن واضحة من قبل.
01من التضامن الاشتراكي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة
العلاقة بين الهند وفيتنام ليست وليدة اليوم. فمنذ حقبة الحرب الباردة، كانت نيودلهي من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية فيتنام الديمقراطية، وكانت بين القلائل الذين وقفوا علنًا إلى جانب هانوي خلال حرب التحرير ضد الولايات المتحدة. لكن طبيعة الشراكة تحوّلت جذريًا بعد انتهاء الحرب الباردة وتسارع الصعود الصيني.
في عام 2016، رفعت الهند وفيتنام مستوى علاقتهما إلى شراكة استراتيجية شاملة - أعلى مستويات الشراكة في النظام الدبلوماسي الفيتنامي. ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة التعاون في المجالات الدفاعية والاستخباراتية والبحرية بصورة لافتة. وتكشف الأرقام حجم هذا التحول: فقد تضاعف حجم التعاون الدفاعي ثلاث مرات خلال العقد الماضي، وباتت الهند تُعدّ من أكبر موردي الأسلحة لفيتنام.
02الصين: المحرك الصامت للتقارب الهندي-الفيتنامي
لا يُصرَّح بهذا علنًا دائمًا، لكن القرارات على أرض الواقع تتحدث بوضوح: الخطر الصيني المشترك هو المحرك الأساسي لتعمّق هذه الشراكة. فالهند تعاني من ضغوط صينية متصاعدة على حدودها الشمالية في منطقة لاداخ والجزء الشرقي من الحدود الهيمالايا، بعد مواجهات دموية في وادي غالوان عام 2020. وفيتنام بدورها تواجه ضغوطًا صينية لا تتوقف في بحر الصين الجنوبي، حيث تنازع الصين فيتنام على جزر سبراتلي وباراسيل والمناطق الاقتصادية الخالصة المجاورة.
ما يجعل هذا التحالف أكثر تعقيدًا هو أن كلا البلدين يتبنّيان رسميًا سياسة "عدم الانحياز" ويرفضان الانضمام إلى تحالفات عسكرية صريحة. فيتنام لا تريد أن تبدو كأنها تختار بين القوى الكبرى، والهند تتبنى تقليدًا تاريخيًا عريقًا في الحكم الذاتي الاستراتيجي. لكن التعاون العملي يتعدى في كثير من الأحيان الخطابات الدبلوماسية الرسمية.
«فيتنام والهند لا تحتاجان إلى معاهدة رسمية لتدركا أن أمنهما متشابك. الصين تُفهمهما ذلك كل يوم بأفعالها.»
- محلل استراتيجي هندي، مجلة الشؤون الخارجية، 2025
03من التدريبات إلى التسليح: أبعاد التعاون الدفاعي
يتمحور التعاون العسكري الهندي-الفيتنامي حول ثلاثة محاور رئيسية تكشف عن عمق الشراكة الاستراتيجية:
- التعاون البحري: وفّرت الهند تدريبات متخصصة لطواقم الغواصات الفيتنامية من الفئة كيلو الروسية، وتشارك في تطوير القدرات البحرية الفيتنامية عبر برامج تبادل الضباط والتدريب على القتال تحت الماء.
- صفقات الأسلحة: قدّمت الهند لفيتنام خطوط ائتمان دفاعية بمليار دولار لشراء سفن دورية ومركبات مدرعة وأنظمة رادار. كما تدرس هانوي الحصول على صواريخ براهموس الهندية-الروسية التي تُعدّ من أسرع الصواريخ المضادة للسفن في العالم.
- التعاون الاستخباراتي: تبادل المعلومات المتعلقة بالتحركات البحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، وهو تعاون لا يُعلَن عنه رسمياً لكن شواهده متعددة.
⚠️ براهموس: نقطة التحول المحتملة
إذا تمّ بيع صواريخ براهموس لفيتنام، فستكون فيتنام أول دولة في جنوب شرق آسيا تمتلك هذه المنظومة المتقدمة. صاروخ يبلغ مداه 290 كلم وسرعته ثلاثة أضعاف سرعة الصوت قادر على تغيير موازين القوى البحرية في بحر الصين الجنوبي جذريًا.
ردّ فعل بكين المتوقع: احتجاجات دبلوماسية حادة وتصعيد في النشاط العسكري البحري، ما يجعل القرار النهائي حول هذه الصفقة اختبارًا حقيقيًا لمتانة الشراكة.
04ما تريده الهند وما تحتاجه فيتنام
لفهم هذه الشراكة بعمق، لا بد من فهم ما يبحث عنه كل طرف بمعزل عن الآخر. الهند تسعى من خلال هذه الشراكة إلى تعزيز حضورها في جنوب شرق آسيا في إطار سياسة "التصرف شرقًا" التي تُعدّ ركيزة في الاستراتيجية الإقليمية لنيودلهي. كما تُوفر فيتنام للهند موطئ قدم استراتيجيًا على مشارف بحر الصين الجنوبي، مما يُعزز قدرة الهند على رصد الأنشطة البحرية الصينية وتطويق الصين استراتيجيًا من الجهة الجنوبية.
فيتنام بدورها تبحث في هذه الشراكة عن توازن دقيق: تقليص اعتمادها الأمني على روسيا بعد الغزو الأوكراني الذي أضرّ بصورة موسكو، وتجنّب الارتماء الكامل في أحضان واشنطن خشية استفزاز الصين. الهند تُقدّم لها خيارًا ثالثًا: قوة كبيرة، غير غربية، ولها مصالح متوافقة مع فيتنام دون أن تحمل ثقل التوترات الأيديولوجية.
05كيف تقرأ بكين هذا التحالف وتستجيب له
لا تخفي بكين انزعاجها من التقارب الهندي-الفيتنامي، وإن كانت ردود أفعالها تتسم بالحذر الحسابي أكثر من الرفض الانفعالي. الوثائق الاستراتيجية الصينية تُصنّف هذا التقارب ضمن ما تسمّيه "محاولات التطويق الاستراتيجي"، وهو توصيف يعكس مدى الأهمية التي تُوليها بكين لهذا الملف.
في الميدان، ردّت الصين بتصعيد نشاطها في بحر الصين الجنوبي: مزيد من جزر اصطناعية، توسيع القواعد الجوية في أرخبيل سبراتلي، وتكثيف دوريات خفر السواحل في المناطق المتنازع عليها مع فيتنام. وعلى المحور الهندي، تستمر المناوشات الحدودية وعمليات بناء الطرق والبنية التحتية العسكرية على الجانب الصيني.
06ما أبعاد هذا التحالف على خريطة آسيا الأوسع
لا يمكن قراءة التحالف الهندي-الفيتنامي بمعزل عن الصورة الإقليمية الأشمل. فهذا التقارب يتقاطع مع تحالف QUAD الذي يجمع الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا، ويُشكّل معه منظومة غير رسمية من الضغوط الاستراتيجية المتكاملة على الصين. غير أن فيتنام ترفض الانضمام إلى QUAD أو أي تحالف رسمي مماثل، مفضّلةً الإطار الثنائي مع الهند الذي يمنحها مرونة أكبر.
ما يُشكّل الفارق النوعي هو أن هذا التحالف يُثبت أن التقارب الاستراتيجي في آسيا ممكن دون الحاجة إلى مظلة أمريكية، مما يُعطي مصداقية لفكرة استقلالية آسيوية في إدارة الأمن الإقليمي، وهو خطاب تُرحّب به الهند كثيرًا بوصفه تجسيدًا لنظريتها حول "تعددية الأقطاب الاستراتيجية".
07تحديات التحالف وحدوده الحقيقية
لا يخلو هذا التحالف من تعقيدات حقيقية. أولها أن فيتنام تحافظ على علاقات اقتصادية عميقة مع الصين تجعل من المستحيل عليها تحدّي بكين بشكل مفتوح وصريح. الصين هي الشريك التجاري الأول لفيتنام، والاعتماد الاقتصادي يُقيّد الخيارات الاستراتيجية. ثانيها أن الهند نفسها تعاني من تناقضاتها: فهي عضو في منظمة شنغهاي للتعاون إلى جانب الصين وروسيا، وتمتنع عن الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، مما يجعل تحالفاتها شبكةً من الشراكات المتقاطعة وليس نظامًا ثنائيًا صارمًا.
08إلى أين يتجه هذا التحالف في ظل متغيرات 2026؟
المتغيرات الجيوسياسية لعام 2026 تدفع نحو مزيد من التعمّق في هذا التحالف لا العكس. تصعيد التوترات في مضيق تايوان، وتنامي القدرات العسكرية الصينية، وتراجع ثقة بعض دول جنوب شرق آسيا في الالتزامات الأمريكية: كل هذه العوامل تجعل الخيار الهندي أكثر جاذبية لفيتنام وأكثر ضرورة لنيودلهي.
التساؤل الحقيقي ليس ما إذا كان هذا التحالف سيتعمّق، بل إلى أي مدى سيقدر على ترجمة التقارب السياسي إلى قدرات ردع فعلية قادرة على التأثير في حسابات بكين. وهذا يتوقف بدرجة كبيرة على مدى قدرة الهند على الإيفاء بالتزاماتها في صفقات التسليح، ومدى جرأة فيتنام على المضي قُدمًا في خياراتها رغم الضغوط الاقتصادية الصينية.
الشراكة الهندية-الفيتنامية ليست تحالفًا عسكريًا رسميًا كما هو معهود في الغرب. لكنها أكثر نفعًا استراتيجيًا من كثير من التحالفات الرسمية بفعل مرونتها وقابليتها للتوسع دون إثارة ردود فعل مبالغ فيها.
ما يجعلها مثيرة للاهتمام هو أنها تُقدّم نموذجًا آسيويًا للردع يعمل خارج الأطر الغربية - ردع بلا معاهدة، وتحالف بلا علم مشترك. وهذا النموذج قد يكون المستقبل الحقيقي لمنظومة الأمن الآسيوي في عصر التعددية القطبية.
بكين تفهم هذا جيدًا. ولهذا السبب تحديدًا تُراقب هذا التقارب باهتمام بالغ وتعدّه أحد أخطر التطورات الاستراتيجية في محيطها الإقليمي.
اقرأ أيضاً
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت