إذا كان المقال السابق قد كشف كيف أن حقل العلاقات الدولية، رغم ادّعائه الكونية، أنتجته في الغالب جامعات ومفكرون غربيون — فإن السؤال الطبيعي التالي هو: هل توجد محاولات جادة لبناء نظرية علاقات دولية انطلاقاً من تجربة الجنوب العالمي ذاته، لا كملحق أو استثناء للنظرية الغربية، بل كإطار تفسيري قائم بذاته؟ الإجابة نعم، وقد اتخذت أشكالاً متعددة: من إحياء التراث الفكري الصيني الكلاسيكي، إلى تشخيص خصوصية انعدام الأمن في دول ما بعد الاستعمار، إلى ممارسة سياسية جماعية سبقت التنظير الأكاديمي بعقود.
📌 سلسلة ما بعد الاستعمار — جميع المقالات
٢. علاقات دولية من الجنوب العالمي ← أنت هنا
المدرسة الصينية: من "تيان شيا" إلى الواقعية الأخلاقية
منذ مطلع الألفية الثالثة، برزت في الصين محاولات أكاديمية جادة لصياغة نظرية علاقات دولية "بخصائص صينية"، مستلهَمة من التراث الفكري الكلاسيكي لا من الاستيراد المباشر للنظرية الغربية. أبرز هذه المحاولات مفهوم "تيان شيا" (天下 — كل ما تحت السماء) الذي أحياه الفيلسوف تشاو تينغ يانغ (Zhao Tingyang): نظام عالمي مؤسَّس فلسفياً لا على سيادة دول متنافسة كما في النموذج الوستفالي، بل على فكرة نظام شامل "لا خارج له" يسعى إلى الانسجام العالمي عوضاً عن توازن القوى الصراعي.
في موازاة ذلك، طوّر الباحث يان شويتونغ (Yan Xuetong) من جامعة تسينغهوا ما يُعرف بـ"الواقعية الأخلاقية" (Moral Realism)، التي تستعيد أفكاراً من الفكر الصيني القديم (خاصة المدرسة الكونفوشيوسية) لتقول إن نوعية القيادة السياسية وشرعيتها الأخلاقية — لا القوة المادية وحدها — هي ما يحدد صعود الدول وهيبتها الدولية على المدى الطويل.
تيان شيا (Zhao Tingyang)
نظام عالمي فلسفي "لا خارج له"، ينشد الانسجام الشامل بدل توازن القوى بين وحدات سيادية متنافسة ومنغلقة على ذاتها.
الواقعية الأخلاقية (Yan Xuetong)
شرعية القيادة السياسية وجودتها الأخلاقية، لا القوة المادية فقط، هي محدِّد رئيسي لصعود الدول ونفوذها الدولي.
هذه المحاولات لا تخلو من نقد حتى داخل الأوساط غير الغربية ذاتها: يرى بعض الباحثين أن "تيان شيا" قد تُستخدم لتبرير هرمية جديدة محورها الصين، بدل التحرر من الهرميات القديمة — وهي إشكالية سنعود إليها في المقال الختامي لهذه السلسلة.
نظريات العلاقات الدولية الأفريقية
في أفريقيا، تتشكّل محاولات نظرية مماثلة حول مفاهيم مستمدة من الفلسفات المحلية، أبرزها فلسفة "أوبونتو" (Ubuntu) الجنوب أفريقية — "أنا موجود لأننا موجودون" — التي تُقترَح كأساس بديل للتفكير في الأمن الجماعي والتضامن الإقليمي، في مقابل الفردانية السيادية الوستفالية. كما تُطرَح مقاربات تُبرز خصوصية الإقليمية الأفريقية كما تجسّدت في الاتحاد الأفريقي ومبادرات مثل "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، بوصفها ممارسة سياسية تسعى لتجاوز أطر التدخل الخارجي الموروثة عن الحقبة الاستعمارية.
💡 رابط بالمقال السابق: إرث حدود برلين
كما أوضح المقال الأول من هذه السلسلة، فإن أغلب الحدود الأفريقية رُسمت استعمارياً دون اعتبار للتوزيعات المحلية. النظريات الأفريقية للعلاقات الدولية تنطلق تحديداً من هذه الإشكالية البنيوية: كيف تُبنى دولة ونظام إقليمي مستقران فوق حدود لم تُصمَّم أصلاً لخدمة استقرارهما؟
الواقعية التابعة: انعدام الأمن كخصوصية لدول الجنوب
قدّم الباحث الهندي-الأمريكي محمد أيوب (Mohammed Ayoob) إسهاماً مؤثراً عبر ما سمّاه "الواقعية التابعة" (Subaltern Realism): نقد للواقعية الكلاسيكية التي صيغت أساساً بناءً على تجربة الدول الغربية القوية والمستقرة داخلياً، بينما تعيش أغلب دول الجنوب العالمي وضعاً مختلفاً جذرياً — دول حديثة النشأة، لم تكتمل عملية بناء الدولة فيها بعد، وتواجه تهديدات أمنية داخلية (شرعية النظام، الانقسامات العرقية والطائفية، الهشاشة المؤسسية) أشد خطورة غالباً من أي تهديد خارجي تقليدي.
بهذا المعنى، فإن "انعدام الأمن" في الجنوب العالمي ليس مجرد نسخة أضعف من انعدام الأمن الذي تُنظِّر له الواقعية الكلاسيكية بين الدول الكبرى، بل ظاهرة مختلفة نوعياً تتطلب أدوات تحليلية خاصة بها — أطروحة تلتقي جزئياً مع نقد البنائيين للفرضيات المادية الصرفة للواقعية، رغم انطلاق أيوب من أرضية واقعية أصلاً.
| البُعد | الواقعية الكلاسيكية | الواقعية التابعة (أيوب) |
|---|---|---|
| مصدر التهديد الرئيسي | خارجي — دول أخرى ومنافسة القوى الكبرى | داخلي غالباً — شرعية النظام، الهشاشة المؤسسية والعرقية |
| افتراض الدولة | دولة مكتملة البناء، ذات سيادة فعلية راسخة | دولة في طور التكوّن، سيادة شكلية أكثر منها فعلية |
| الأولوية الاستراتيجية | توازن القوى وردع الخصوم الخارجيين | البقاء السياسي للنظام وبناء الشرعية الداخلية |
باندونغ 1955 وحركة عدم الانحياز: التنظير عبر الممارسة
قبل عقود من صياغة هذه الأطر الأكاديمية، كانت دول الجنوب العالمي قد مارست فعلياً شكلاً مبكراً من "نظرية علاقات دولية بديلة" على أرض الواقع. ففي أبريل 1955، اجتمع قادة 29 دولة آسيوية وأفريقية في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا — بينهم سوكارنو ونهرو وتشو إن لاي وجمال عبد الناصر — ليُعلنوا رفضهم الانخراط القسري في الاستقطاب الثنائي للحرب الباردة، ويؤسسوا لمبادئ التعايش السلمي واحترام السيادة وعدم التدخل بين الدول الحديثة الاستقلال.
تُوِّج هذا المسار عام 1961 بتأسيس حركة عدم الانحياز (Non-Aligned Movement)، التي شكّلت كتلة جماعية للجنوب العالمي داخل الأمم المتحدة وخارجها. هذه الممارسة السياسية الجماعية — لا الكتابة الأكاديمية — كانت أول تعبير منظّم عن رفض القبول التلقائي بمنطق ثنائي القطبية الذي فرضته القوتان العظميان، وأول محاولة لصياغة "صوت جماعي" مستقل للجنوب العالمي في السياسة الدولية.
«لسنا محايدين في كل قضية، لكننا نرفض أن نكون أدوات في يد أي طرف من أطراف الحرب الباردة.»
— أحمد سوكارنو، خطاب افتتاح مؤتمر باندونغ، 1955
يرى كثير من الباحثين في مؤتمر باندونغ وحركة عدم الانحياز جذوراً سياسية مباشرة لكل التنظير اللاحق حول الجنوب العالمي في العلاقات الدولية — فقد سبقت الممارسةُ الجماعيةُ النظريةَ الأكاديمية بعقود، وهو نمط متكرر في تاريخ الفكر السياسي غير الغربي الذي نُوقِش أيضاً من زاوية اقتصادية بنيوية في مقال نظرية النظام العالمي.
من الفلسفة الصينية الكلاسيكية إلى فلسفة أوبونتو الأفريقية، ومن تشخيص أيوب لخصوصية انعدام الأمن في الجنوب العالمي إلى الممارسة السياسية الجماعية في باندونغ — تُظهر هذه المحاولات المتنوعة أن "تحرير" حقل العلاقات الدولية من مركزيته الغربية ليس مشروعاً نظرياً واحداً، بل حقل نقاش مفتوح لا يزال قيد التشكّل.
لمتابعة السلسلة: نقد ما بعد الاستعمار
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك الإلكتروني.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت