حين طرحت الباحثة الأمريكية سينثيا إنلو في كتابها المرجعي "موز وشواطئ وقواعد عسكرية" (Bananas, Beaches and Bases) عام 1989 سؤالاً بسيطاً ظاهرياً — "أين النساء؟" — فجّرت واحداً من أعمق التحوّلات النظرية في حقل العلاقات الدولية. لم يكن السؤال عن إضافة النساء كموضوع بحث جانبي، بل عن كشف كيف أن الحقل بأكمله — مفاهيمه عن القوة والأمن والدولة والدبلوماسية — بُني على افتراضات ذكورية ضمنية ظلّت غير مرئية لعقود.

📌 سلسلة النسوية في العلاقات الدولية — جميع المقالات

١. النسوية في العلاقات الدولية: مدخل عام ← أنت هنا

٢. الجندر والأمن والاقتصاد السياسي الدولي

٣. نقد النسوية في العلاقات الدولية

الجندر ليس عن النساء فقط — بل عن بنية المفاهيم ذاتها

الادّعاء المركزي للنسوية في العلاقات الدولية أعمق من مجرد المطالبة بتمثيل أكبر للنساء في السياسة الخارجية والدبلوماسية (رغم أهمية ذلك). الادّعاء الأعمق هو أن الجندر (Gender) — أي منظومة الصفات المرتبطة اجتماعياً بـ"الذكورة" و"الأنوثة" — يُشكّل بصمت كيفية تعريفنا لمفاهيم أساسية في الحقل. حين يُعرَّف "الأمن القومي" حصرياً عبر القوة العسكرية والردع، بينما يُهمَّش أمن الأفراد اليومي (العنف المنزلي، الفقر، انعدام الأمن الغذائي) كـ"قضايا خاصة" لا "قضايا أمنية" — فهذا اختيار مفاهيمي يحمل بصمة جندرية واضحة يستحق المساءلة.

آن تيكنر ونقد الواقعية المورغنثاوية

قدّمت الباحثة آن تيكنر أحد أشهر التطبيقات النسوية على النظرية السائدة، حين أعادت صياغة "المبادئ الست للواقعية السياسية" التي وضعها هانس مورغنثاو من منظور نسوي نقدي. حجتها: المفاهيم التي يعتبرها مورغنثاو "موضوعية" و"عقلانية" — كالمصلحة الوطنية المُعرَّفة بالقوة، والفصل بين الأخلاق والسياسة — تعكس في الواقع تصوّراً ذكورياً محدداً تاريخياً للعقلانية والقوة، لا حقيقة كونية محايدة عن طبيعة السياسة الدولية.

المدارس الثلاث الكبرى للنسوية في العلاقات الدولية

📊

النسوية التجريبية/الليبرالية

تُركّز على توثيق غياب تمثيل النساء في مواقع صنع القرار الدبلوماسي والعسكري، وتدعو لإصلاحات مؤسسية لزيادة هذا التمثيل ضمن الأطر القائمة.

🔍

نسوية وجهة النظر (Standpoint)

تُجادل بأن تجارب النساء المُهمَّشة تاريخياً تُقدّم زاوية نقدية فريدة تكشف عن جوانب في السياسة الدولية يُخفيها المنظور المهيمن.

🌀

النسوية ما بعد البنيوية

تُحلّل كيف يُنتج الخطاب السياسي والعسكري ذاته ثنائيات جندرية (الحامي الذكوري القوي مقابل المحمي الأنثوي الضعيف) تُبرّر سياسات بعينها.

💡 مفهوم مفتاحي: أسطورة "الحامي الحمائي"

تُحلّل الباحثات النسويات كيف يُستخدم خطاب "حماية النساء والأطفال" لتبرير حروب وتدخلات عسكرية، بينما يُعاد إنتاج هذا الخطاب ذاته صورة نمطية للمرأة كضحية سلبية بحاجة دائمة لحماية ذكورية — لا كفاعلة سياسية بحقّ ذاتها.

«السياسة الدولية عالم ذكوري بامتياز. أن نأخذ النساء على محمل الجدّ في دراسة هذا العالم يعني أن نُعيد التفكير في المفاهيم الأساسية للحقل، لا مجرّد إضافة النساء إليه.»

— مُستوحى من آن تيكنر، «الجندر في العلاقات الدولية»، 1992

من الهامش إلى الاعتراف الأكاديمي

ظلّت النسوية لعقود في هامش حقل العلاقات الدولية الذي هيمنت عليه الواقعية والليبرالية، لكنها اليوم تُدرَّس على نطاق واسع في الجامعات الغربية كأحد "التوجهات النقدية" أو "ما بعد الوضعية" الرئيسية في الحقل، إلى جانب البنائية وما بعد الاستعمار والنظرية النقدية — وهي مقاربات نناقشها في محاور أخرى من هذه السلسلة.

أسئلة شائعة حول النسوية في العلاقات الدولية
هل النسوية في العلاقات الدولية تعني بالضرورة أن كاتبتها امرأة؟
لا. النسوية هنا إطار تحليلي يمكن أن يتبنّاه باحثون وباحثات من أي جنس، تماماً كما يمكن لأي باحث تبنّي الإطار الماركسي أو الواقعي بصرف النظر عن خلفيته الشخصية.
هل تدّعي النسوية أن النساء أكثر سلماً بطبيعتهنّ من الرجال؟
هذا افتراض إشكالي تتجنّبه أغلب النسويات المعاصرات لأنه يُعيد إنتاج قوالب جندرية جوهرانية. أغلب النسويات يُركّزن على كيف يُشكّل الجندر كبنية اجتماعية السياسات والمفاهيم، لا على فروق بيولوجية مزعومة بين الجنسين.
ما الفرق بين النسوية والبنائية رغم اهتمام كلتيهما بالبنى الاجتماعية؟
النسوية تُركّز تحديداً على الجندر كمحور تحليل، بينما تهتم البنائية بالهوية والأعراف بشكل أوسع. كثير من الباحثات النسويات يستخدمن فعلياً أدوات بنائية، لكن مع تركيز جندري نوعي متمايز.
هل تنتقد النسوية النسوية الغربية ذاتها؟
نعم، وهذا نقاش داخلي مهم جداً — إذ تنتقد النسويات من الجنوب العالمي أحياناً النسوية الغربية السائدة لتعميمها تجربة "المرأة" دون مراعاة فوارق العرق والطبقة والسياق الاستعماري. سنتناول هذا التقاطع في مقال نقد النسوية.
خاتمة

لم تكتفِ النسوية بإضافة النساء إلى صورة موجودة مسبقاً للسياسة الدولية، بل أعادت مساءلة الصورة ذاتها: من يُعرَّف كفاعل، وما الذي يُحسب "أمناً"، وأي الأصوات تُسمع في صنع القرار. هذه المساءلة تبقى ضرورية حتى لمن لا يتبنّى الإطار النسوي بكامله.

لمتابعة السلسلة: الجندر والأمن والاقتصاد السياسي الدولي

ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · نظريات العلاقات الدولية · مؤسس geopolo

محلل في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا والقوى الكبرى. مؤسس مجلة geopolo للتحليلات الاستراتيجية المستقلة.

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك الإلكتروني.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت