بين الواقعية التي ترى في النظام الدولي فوضى صراعية خالصة، والليبرالية التي تراهن على تعاون مؤسسي متنامٍ، تطرح المدرسة الإنجليزية (English School) — ويُطلق عليها أيضاً "نظرية المجتمع الدولي" — طريقاً وسطاً أصيلاً: نعم، لا توجد حكومة عالمية مركزية، لكن هذا لا يعني غياب النظام كلياً؛ فالدول تُشكّل فيما بينها "مجتمعاً" (Society) يتشارك قواعد وأعرافاً ومؤسسات دبلوماسية حتى في أشد لحظات التنافس.

من النظام الدولي إلى المجتمع الدولي

يكمن جوهر إسهام المدرسة الإنجليزية في تمييز دقيق قدّمه هيدلي بول في كتابه المرجعي "المجتمع الفوضوي" (The Anarchical Society) عام 1977، بين مفهومين غالباً ما يُخلط بينهما:

⚙️ النظام الدولي (International System)

مجرّد تفاعل بين وحدات (دول) تُدرك وجود بعضها البعض وتتأثر بقرارات بعضها — دون أي شعور بمصلحة أو قيم مشتركة بالضرورة.

🤝 المجتمع الدولي (International Society)

مجموعة دول تُدرك مصالح وقيماً مشتركة، وتلتزم بقواعد مشتركة في علاقاتها (كاحترام السيادة والمعاهدات)، وتُشارك في مؤسسات مشتركة كالدبلوماسية والقانون الدولي.

🌍 المجتمع العالمي (World Society)

مستوى أعمق يتجاوز الدول ذاتها ليشمل الأفراد والمنظمات غير الحكومية كأعضاء في مجتمع إنساني كوني أوسع من نظام الدول.

التقاليد الثلاثة الكبرى في الفكر الدولي

صنّف مارتن وايت، أحد مؤسّسي المدرسة الإنجليزية، تاريخ الفكر السياسي الدولي إلى ثلاثة تقاليد كبرى ما زالت المدرسة تستخدمها كإطار تصنيفي أساسي:

التقليدالرؤية للنظام الدوليأقرب نظرية معاصرة
الهوبزي / الواقعيصراع دائم على السلطة، لا مجتمع حقيقي بين الدولالواقعية
الكانطي / الثوري-الكونيتضامن إنساني كوني يتجاوز الدول والحدود الوطنيةالليبرالية المثالية، الكوزموبوليتانية
الغروتي / العقلانيمجتمع دول يتشارك قواعد وأعرافاً دون إلغاء السيادة أو التنافسالمدرسة الإنجليزية ذاتها (الطريق الوسط)

سُمّي التقليد الثالث نسبةً إلى الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس، أحد مؤسسي القانون الدولي الحديث في القرن السابع عشر، والذي جادل بأن العلاقات بين الدول يمكن أن تخضع لقواعد قانونية وأخلاقية حتى في زمن الحرب — وهو بالضبط الموقف الذي تتبنّاه المدرسة الإنجليزية كموقعها الخاص المتمايز.

مؤسسات المجتمع الدولي

يُحدّد بول مجموعة من "المؤسسات" (Institutions) بالمعنى الواسع — لا بمعنى منظمات رسمية بالضرورة، بل ممارسات وأعراف راسخة — التي تُبقي المجتمع الدولي متماسكاً: توازن القوى (كآلية تمنع هيمنة دولة واحدة)، القانون الدولي، الدبلوماسية، الحرب (كأداة منظّمة بقواعد لا فوضى مطلقة)، ودور القوى الكبرى في إدارة النظام. هذه المؤسسات، بحسب بول، أقدم وأعمق تاريخياً من أي منظمة دولية رسمية حديثة كالأمم المتحدة.

«الدول، رغم صراعاتها المستمرة، تُشكّل مجتمعاً بمعنى أنها تعترف بمصالح مشتركة معينة، وتضع لنفسها قواعد معينة في تعاملها مع بعضها البعض.»

— مُستوحى من هيدلي بول، «المجتمع الفوضوي»، 1977

لماذا "إنجليزية"؟ ولماذا تُعدّ طريقاً وسطاً أصيلاً؟

اكتسبت المدرسة اسمها من ارتباطها بمجموعة من الأكاديميين البريطانيين في "لجنة السياسة البريطانية حول النظام الدولي" منذ الستينيات (بول، وايت، مانينغ، وغيرهم)، وإن كانت اليوم تقليداً عالمياً يضمّ باحثين من جنسيات متعددة. يكمن تميّزها في رفضها الحاسم لكلا الاختزالين المتطرّفين: فهي ترفض اختزال الواقعية للنظام الدولي في صراع صِرف، كما ترفض تفاؤل الليبرالية المثالية المفرط بإمكانية تجاوز منطق الدولة والسيادة كلياً — وتُصرّ بدلاً من ذلك على أن "المجتمع" شيء حقيقي وراسخ تاريخياً، وإن كان محدوداً وهشاً بطبيعته.

أسئلة شائعة حول المدرسة الإنجليزية
هل المدرسة الإنجليزية أقرب إلى الواقعية أم الليبرالية؟
لا هذه ولا تلك بالضبط — فهي تتموضع عمداً كطريق ثالث. تشترك مع الواقعية في الاعتراف بمركزية السيادة والدولة، وتشترك مع الليبرالية في الاعتراف بوجود قواعد وقيم مشتركة حقيقية تتجاوز محض حسابات القوة.
ما الفرق بين "المجتمع الدولي" و"المجتمع العالمي" بدقة؟
المجتمع الدولي يتألف من الدول كأعضاء أساسيين يتشاركون قواعد السيادة والدبلوماسية. المجتمع العالمي مفهوم أوسع يشمل الأفراد والمنظمات غير الحكومية والشعوب مباشرة، متجاوزاً الدولة كوسيط حصري — وهو بُعد أكثر طموحاً وجدلاً داخل المدرسة ذاتها.
هل ما زالت المدرسة الإنجليزية مؤثرة اليوم؟
نعم، خصوصاً في الجامعات البريطانية والأوروبية والأسترالية، وتُستخدم أدواتها التحليلية على نطاق واسع لدراسة كيفية توسّع "المجتمع الدولي" تاريخياً من نواة أوروبية ليشمل العالم بأسره بعد إنهاء الاستعمار.
ما علاقة هذه المدرسة بمفهوم "النظام الدولي القائم على القواعد"؟
علاقة وثيقة جداً؛ فمفهوم "النظام القائم على القواعد" (Rules-Based Order) المُستخدم كثيراً في الخطاب الدبلوماسي المعاصر يُعبّر بشكل مباشر عن فكرة "المجتمع الدولي" التي طوّرتها هذه المدرسة قبل عقود من تداول هذا المصطلح إعلامياً.
خاتمة

تُقدّم المدرسة الإنجليزية أداة تحليلية متميّزة لفهم كيف يمكن أن تتعايش الفوضى وغياب حكومة مركزية عالمية مع درجة حقيقية من النظام والقواعد المشتركة — وهذا التوازن الدقيق بين الفوضى والمجتمع هو ما يجعلها طريقاً ثالثاً أصيلاً لا مجرد توليفة بين الواقعية والليبرالية.

لمتابعة السلسلة: التعددية والتضامنية عند هيدلي بول

ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · نظريات العلاقات الدولية · مؤسس geopolo

محلل في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا والقوى الكبرى. مؤسس مجلة geopolo للتحليلات الاستراتيجية المستقلة.

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك الإلكتروني.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت