في لحظة سياسية نادرة داخل واشنطن، وجّه الكونغرس الأمريكي رسالة حادة إلى البيت الأبيض، بعدما صوّت مجلس الشيوخ لصالح قرار يدعو إلى وقف الانخراط العسكري الأمريكي في المواجهة مع إيران. ورغم أن القرار يحمل طابعاً رمزياً أكثر منه إلزامياً، إذ لا يحتاج إلى توقيع الرئيس كونه قراراً مشتركاً بين المجلسين، إلا أن دلالته السياسية تتجاوز بكثير حدود التصويت نفسه، خصوصاً أنه يأتي بعد أشهر من الحرب التي بدأت نهاية فبراير الماضي وتلاها وقف إطلاق نار هش لا تزال تفاصيله قيد التفاوض.
فالمسألة لا تتعلق فقط بإيران، ولا بعدد القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، بل بسؤال أعمق: من يملك قرار الحرب في الولايات المتحدة؟ الرئيس أم الكونغرس؟ وهو سؤال يكتسب أهمية مضاعفة في هذه المرحلة بالتحديد، حين تحاول واشنطن وطهران ترجمة الهدنة القائمة إلى اتفاق سياسي مستقر.
١ تصويت رمزي... لكنه مؤلم سياسياً
جاء التصويت في مجلس الشيوخ بأغلبية ضيقة: 50 صوتاً مقابل 48، في المرة العاشرة التي يحاول فيها الديمقراطيون تمرير قرار مماثل منذ بداية الحرب. والأكثر إحراجاً لترامب أن أربعة من أعضاء الحزب الجمهوري، وهم ليزا موركوفسكي وسوزان كولينز وراند بول وبيل كاسيدي، انضموا إلى الديمقراطيين في التصويت، في مؤشر واضح على أن الإجماع داخل الحزب الجمهوري حول سياسة الرئيس تجاه إيران لم يعد صلباً كما كان يبدو. وقد ساهم غياب اثنين من كبار الجمهوريين عن الجلسة، وهما ميتش ماكونيل وديف مكورميك، في تمكين القرار من المرور، إذ لو حضرا وصوّتا ضده لانتهى الأمر بالتعادل.
هذا الانقسام يمنح القرار وزناً سياسياً خاصاً. فحين يعارض الديمقراطيون ترامب، تبدو المسألة جزءاً من الصراع التقليدي بين الحزبين. لكن حين ينضم جمهوريون إلى هذا الموقف، تتحول الرسالة إلى إنذار من داخل المعسكر نفسه. وقد رد ترامب بحدة عبر منصته الخاصة، واصفاً التصويت بأنه "جاء في توقيت سيئ ولا معنى له"، وقال إن الأربعة الذين خالفوه "زادوا من صعوبة مهمتي، لكنني سأنجزها بطريقة أو بأخرى."
٢ جوهر الأزمة: حرب بلا تفويض واضح
تستند المعارضة داخل الكونغرس إلى مبدأ دستوري أساسي في النظام الأمريكي: الرئيس يقود القوات المسلحة، لكن الكونغرس هو الجهة المخولة بإعلان الحرب. ومنذ حرب فيتنام، يحاول الكونغرس تقييد قدرة الرؤساء الأمريكيين على خوض حروب طويلة دون تفويض تشريعي. لذلك تحوّل الملف الإيراني إلى اختبار جديد لقانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، وإلى مواجهة بين منطق "الرئيس القائد" ومنطق "الرقابة البرلمانية".
بالنسبة لخصوم ترامب، لم يعد مقبولاً أن تستمر الولايات المتحدة في الانخراط العسكري في الشرق الأوسط دون موافقة واضحة من المؤسسة التشريعية، خصوصاً أن البنتاغون يطلب من الكونغرس في الوقت ذاته نحو 80 مليار دولار لتعويض الذخائر والمخزونات التي استُهلكت خلال الحرب. أما البيت الأبيض، فقد دفع باتجاه التقليل من أهمية القرار، معتبراً أنه لا قيمة قانونية له لأن الحرب نفسها انتهت عملياً مع وقف إطلاق النار، وأنه لا توجد أعمال قتالية حالية يمكن "الانسحاب" منها أصلاً.
قرار الحرب من صلاحيات السلطة التشريعية، ولا يجوز أن يبقى الانخراط العسكري رهينة قرار رئاسي منفرد، حتى بعد توقف القتال الفعلي.
القرار رمزي ولا قيمة قانونية له، إذ لا توجد أعمال قتالية حالية ضد إيران يمكن الانسحاب منها بعد وقف إطلاق النار.
٣ مسار التهدئة الذي يقيّد المعركة السياسية
ما يجعل هذا التصويت لافتاً هو توقيته، فهو لا يأتي في خضم قتال مفتوح، بل بعد مسار تهدئة تدريجي بدأ في أبريل الماضي بوقف إطلاق نار أولي لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، تجدد لاحقاً عدة مرات وسط خروقات متقطعة من الجانبين. ثم توصل الطرفان منتصف يونيو إلى مذكرة تفاهم وقّعها الرئيسان دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، تمنح الطرفين ستين يوماً للتفاوض على تفاصيل اتفاق أوسع يشمل برنامج إيران النووي وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات تدريجياً وتحرير أصول إيرانية مجمدة.
🕐 محطات مسار التهدئة بين واشنطن وطهران
فبراير – يونيو 2026هذا السياق يمنح التصويت بعداً مختلفاً عن مجرد رفض لحرب جارية، فهو محاولة من الكونغرس لتثبيت دور تشريعي في مرحلة ما بعد الحرب، بحيث لا يبقى قرار العودة إلى القتال رهينة قرار رئاسي منفرد إذا تعثرت المفاوضات أو انهارت الهدنة، خاصة أن ترامب نفسه لوّح أكثر من مرة بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري إذا لم تلتزم طهران بما تم الاتفاق عليه.
٤ إيران تربح سياسياً دون أن تطلق رصاصة
من الناحية الجيوسياسية، قد يكون المستفيد الأول من هذا التصويت هو إيران. فطهران تراقب جيداً الانقسامات داخل واشنطن، وتدرك أن أي شرخ بين البيت الأبيض والكونغرس يضعف قدرة الإدارة الأمريكية على المناورة في المرحلة التفاوضية الحساسة الحالية.
إيران لا تحتاج بالضرورة إلى انتصار عسكري مباشر كي تحقق مكاسب سياسية. يكفي أن تظهر الولايات المتحدة وكأنها غير قادرة على حسم موقفها الداخلي بشأن الحرب والسلام. هذا يمنح طهران ورقة تفاوضية مهمة في الستين يوماً المقبلة، خصوصاً أن ملفات النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي لا تزال جميعها مفتوحة ولم تُحسم بعد في مذكرة التفاهم.
- صورة عن انقسام أمريكي داخلي يضعف موقف المفاوض
- ورقة ضغط إضافية في مفاوضات الستين يوماً
- تشكيك علني في شرعية القرار العسكري الأمريكي
- إجماع سياسي داخلي حول إدارة الملف الإيراني
- قدرة الرئيس على المناورة بثقة في المفاوضات
- تماسك الصورة الخارجية أمام حلفاء المنطقة
٥ ترامب بين القوة والارتباك
لطالما قدّم ترامب نفسه بوصفه رئيساً قادراً على فرض معادلات جديدة بالقوة والضغط الأقصى. لكن التصويت الأخير يكشف حدود هذه المقاربة. فالقوة العسكرية لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بتماسك داخلي، وقرار الحرب لا يصبح فعالاً إذا تحوّل إلى مادة خلافية داخل المؤسسات الأمريكية، خصوصاً أن بعض كبار الجمهوريين في الكونغرس عبّروا أيضاً عن تحفظات على شروط مذكرة التفاهم نفسها، ومنها خطة إعادة إعمار مقترحة بقيمة 300 مليار دولار لصالح إيران.
الضربة السياسية هنا لا تكمن في أن الكونغرس أوقف الحرب فعلياً، بل في أنه شكك علناً في شرعية إدارتها، حتى في مرحلة التهدئة. وهذه نقطة حساسة جداً بالنسبة لأي رئيس أمريكي، خصوصاً عندما تأتي في لحظة تفاوض دقيقة مع خصم إقليمي مثل إيران لا تزال نتائجه النهائية غير مضمونة.
القوة العسكرية لا تكفي وحدها لفرض السياسة الخارجية، إذا لم تكن مدعومة بإجماع داخلي يحمي قرار الحرب من التشكيك المؤسساتي.
٦ الشرق الأوسط أمام قراءة مختلفة لواشنطن
بالنسبة لدول الخليج وإسرائيل والعراق وسوريا ولبنان، لا يمكن قراءة هذا التصويت كحدث داخلي أمريكي فقط. فهو يبعث برسالة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة مفادها أن الالتزام العسكري الأمريكي لم يعد شيكاً مفتوحاً، حتى في ظل اتفاق تهدئة موقّع.
قد يثير ذلك قلق بعض الحلفاء الذين يرون في الوجود الأمريكي ضمانة أمنية ضد إيران، خصوصاً مع استمرار التوترات في لبنان التي لم تُحل بالكامل ضمن مذكرة التفاهم. لكنه في الوقت نفسه قد يدفع دول المنطقة إلى التفكير بواقعية أكبر: الولايات المتحدة لا تريد حرباً مفتوحة بلا نهاية، والكونغرس لا يريد تكرار نماذج العراق وأفغانستان.
🛢️ دول الخليج
قلق من تراجع الضمانة الأمنية الأمريكية، مع ترقّب لمصير مضيق هرمز وملف النووي الإيراني في المرحلة المقبلة.
🇮🇱 إسرائيل
تحفظ معلن على شروط مذكرة التفاهم، وترقّب لما ستفرضه المفاوضات النهائية على البرنامج النووي الإيراني.
🇱🇧 لبنان
ملف لم يُحسم بالكامل ضمن التهدئة الأمريكية–الإيرانية، ويبقى نقطة احتكاك محتملة بين إسرائيل وحزب الله.
🇮🇶🇸🇾 العراق وسوريا
حذر من تكرار سيناريوهات الانخراط العسكري الأمريكي الطويل، وسط دعوات لإنهاء نماذج الحروب المفتوحة في المنطقة.
٧ هل تتراجع واشنطن؟
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن ستنسحب غداً من المواجهة مع إيران، بل ما إذا كانت قد بدأت تعيد حساب كلفة المواجهة وهي تدخل مرحلة التفاوض على التفاصيل النهائية للاتفاق.
التصويت لا يعني نهاية الضغط الأمريكي على طهران، ولا يعني أن الهدنة القائمة ستنهار. لكنه يعني أن هناك حدوداً سياسية داخلية لا يستطيع ترامب تجاهلها بسهولة وهو يفاوض على مستقبل العلاقة مع إيران. كما يعني أن خيار العودة إلى الحرب الطويلة لم يعد يحظى بتفويض مريح، حتى داخل جزء من المعسكر الجمهوري.
قرار الكونغرس ليس إعلان هزيمة لترامب، لكنه صفعة سياسية واضحة. إنه لا ينهي المواجهة مع إيران، لكنه يضعها تحت المجهر في وقت حساس من المفاوضات. ولا يسحب القوات فوراً، لكنه يذكّر البيت الأبيض بأن قرار الحرب في النظام الأمريكي لا يمكن أن يبقى رهينة إرادة رجل واحد، حتى بعد توقيع اتفاق وقف القتال.
في النهاية، قد تكون الرسالة الأهم لطهران وحلفاء واشنطن معاً هي أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى، لكنها قوة تعاني من انقسام داخلي عميق حول كيفية استخدام هذه القوة، حتى في لحظة تبدو فيها الحرب وكأنها تتجه نحو نهايتها. وهنا تكمن المفارقة: في الشرق الأوسط، لا تُقاس القوة فقط بعدد حاملات الطائرات والصواريخ، بل بقدرة الدولة على تحويل القوة العسكرية إلى استراتيجية سياسية مستقرة. وهذا بالضبط ما يبدو أن واشنطن تكافح من أجل إثباته في مرحلة ما بعد المواجهة المباشرة مع إيران.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت