لم تعد الصين قوة برية آسيوية فقط، بل تحولت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى قوة بحرية صاعدة تمتلك اليوم أكبر قوة بحرية مقاتلة في العالم من حيث عدد القطع الرئيسية المسلحة، في حين ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق حاسم في بعض عناصر القوة النوعية مثل الغواصات النووية والخبرة العملياتية العالمية والانتشار المستدام بعيد المدى.
السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت بكين أصبحت قوة بحرية كبرى، بل ما إذا كان هذا التوسع يكفي لتحويلها إلى قوة قادرة على فرض سيطرة واسعة على البحار والمحيطات كما فعلت بريطانيا في القرن التاسع عشر والولايات المتحدة في القرن العشرين.
١ أكبر أسطول في العالم... لكن بأي معنى؟
تشير التقديرات الحديثة إلى أن الصين تمتلك أكبر قوة بحرية مقاتلة من حيث عدد السفن الحربية الرئيسية، إذ أحصى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية 234 سفينة حربية صينية رئيسية مقابل 219 للبحرية الأمريكية وفق معيار القطع المسلحة الأكبر من ألف طن، وهو معيار يختلف عن العد الأمريكي الأوسع الذي يشمل سفن الدعم واللوجستيات.
هذا التفوق العددي مهم لأنه يعكس قدرة الصين على إنتاج السفن بوتيرة مرتفعة، لكنه لا يعني تلقائياً امتلاكها قدرة السيطرة العالمية، لأن الهيمنة البحرية لا تُقاس بالعدد فقط بل أيضاً بمدى السفن، ونوعية التسلح، والخبرة في العمليات المشتركة، وشبكات القواعد والتحالفات.
وتبرز هنا نقطة أساسية في أي تقييم جيوسياسي: الأسطول الصيني قوي جداً في البحار القريبة من سواحله، وخاصة بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، لكنه لا يزال في طور الانتقال من بحرية إقليمية قوية إلى بحرية قادرة على العمل المستدام في البحار البعيدة.
٢ لماذا تبني الصين هذا الأسطول؟
هناك أربعة دوافع رئيسية تقف خلف التوسع البحري الصيني. أول هذه الدوافع هو حماية التجارة، لأن الاقتصاد الصيني يعتمد بصورة عميقة على الممرات البحرية لنقل الصادرات والواردات والطاقة، ما يجعل أي اضطراب في نقاط الاختناق الكبرى مثل مضيق ملقا وباب المندب وقناة السويس مصدر تهديد مباشر للأمن الاقتصادي الصيني.
أما الدافع الثاني فهو تايوان، إذ إن أي سيناريو ضغط أو حصار أو صدام حول الجزيرة يحتاج إلى بحرية قادرة على الردع وفرض الوجود وإعاقة تدخل الخصم في محيط الصراع.
حماية التجارة
الصادرات والطاقة وسلاسل الإمداد تمر عبر ممرات بحرية قابلة للضغط في الأزمات.
تايوان
أي حصار أو صدام حول الجزيرة يتطلب قدرة بحرية على منع تدخل الخصوم.
كسر سلاسل الجزر
بكين تريد الخروج من بيئة بحرية ترى أنها قابلة للتطويق أمريكياً وحليفاً.
الحزام والطريق
الموانئ والاستثمارات البحرية تحتاج إلى حماية سياسية ولوجستية وأمنية.
الدافع الثالث يتمثل في كسر ما تعتبره بكين قيوداً جغرافية تفرضها سلاسل الجزر والتحالفات الأمريكية في غرب المحيط الهادئ. أما الدافع الرابع فهو حماية المصالح المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق وشبكات الموانئ والاستثمارات البحرية الممتدة من آسيا إلى إفريقيا والشرق الأوسط.
٣ حاملات الطائرات: رمز قوة أم أداة غير مكتملة؟
تمثل حاملات الطائرات أكثر مؤشرات الطموح البحري الصيني وضوحاً، لأنها تعكس انتقال بكين من مجرد حماية السواحل إلى بناء أدوات لإظهار القوة في البحار البعيدة. لكن امتلاك حاملة طائرات لا يكفي وحده، لأن فعاليتها ترتبط بمنظومة كاملة تشمل الطيارين، وسفن المرافقة، والإنذار المبكر، والحماية المضادة للغواصات، والقدرة على الصيانة والإمداد بعيداً عن الوطن.
في هذا السياق، اكتسبت الحاملة الصينية فوجيان أهمية خاصة بوصفها أحدث حاملات الصين وأكثرها تقدماً، وقد عبرت مضيق تايوان في يونيو 2026 بحسب وزارة الدفاع التايوانية، في خطوة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها إشارة سياسية وعسكرية إلى تصاعد الثقة الصينية في تشغيل القدرات البحرية الكبيرة في أكثر المسارح حساسية.
ومع ذلك، يبقى الفارق واضحاً بين الصين والولايات المتحدة، لأن البحرية الأمريكية راكمت عقوداً طويلة من الخبرة في تشغيل الحاملات على مستوى عالمي، بينما لا تزال الصين في مرحلة بناء الخبرة العملية وتوسيع قدراتها التشغيلية في البحر البعيد.
٤ المحيط الهندي: ساحة الاختبار الفعلية
إذا كانت البحار القريبة هي مجال الصعود الصيني الأول، فإن المحيط الهندي هو الاختبار الحقيقي لأي طموح بحري عالمي صيني، لأنه يربط الصين بمصادر الطاقة في الخليج وبالأسواق الأوروبية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وهذا ما يجعل أمن هذا الفضاء البحري جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الصينية، لا سيما في ضوء اعتماد بكين على طرق بحرية طويلة ومعرضة للاضطراب في حال الأزمات الدولية أو الحروب الإقليمية.
لكن هذا التمدد لا يجري في فراغ، فالهند ترى المحيط الهندي مجالاً طبيعياً لأمنها القومي، والولايات المتحدة تحتفظ فيه بحضور عسكري وتحالفي قوي، كما أن القوى الإقليمية الأخرى تراقب بقلق أي تحول صيني من الاستفادة التجارية من الموانئ إلى توظيفها كأدوات نفوذ عسكري أو لوجستي دائم.
٥ القواعد الخارجية: الحلقة الأضعف في الطموح الصيني
لا تستطيع أي قوة بحرية العمل على نطاق عالمي من دون قواعد خارجية أو على الأقل شبكة ثابتة من نقاط الدعم والإمداد. وهنا يظهر أحد أهم أوجه القصور النسبي في القوة البحرية الصينية، لأن الولايات المتحدة تمتلك شبكة قواعد وشراكات أوسع بكثير، بينما تظل جيبوتي القاعدة العسكرية الخارجية الأبرز والمؤكدة لبكين.
ولذلك، فإن الصين تستفيد من شبكة موانئ تجارية واستثمارات لوجستية واسعة، لكن الفرق يبقى كبيراً بين ميناء تجاري يمكن استخدامه ظرفياً وبين قاعدة عسكرية متكاملة تسمح بعمليات مستدامة وحماية قتالية كاملة.
من الميناء التجاري إلى السيطرة البحرية
فجوة البنية والقرار٦ لماذا ما تزال الولايات المتحدة متفوقة؟
رغم التوسع الصيني السريع، ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بعناصر تفوق مركزية يصعب على الصين تعويضها سريعاً. فمركز CSIS يشير بوضوح إلى أن الغواصات النووية تظل مجال تفوق أمريكي غير محل نزاع تقريباً، إذ تمتلك الولايات المتحدة 66 غواصة نووية مقابل 12 للصين، مع مدى أعلى وقدرة أكبر على التخفي والهجوم والعمل البعيد.
كما أن الولايات المتحدة ما تزال متقدمة في الخبرة القتالية البحرية، وفي إدارة العمليات المشتركة متعددة المجالات، وفي الاستفادة من تحالفات بحرية مع قوى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وهي عناصر تضاعف قوتها الفعلية في حال النزاع.
وتيرة بناء سفن عالية، أسطول كبير عددياً، قدرة متصاعدة في البحار القريبة، وحاملات طائرات جديدة.
غواصات نووية أكثر، تحالفات عالمية، قواعد بعيدة، وخبرة طويلة في تشغيل القوة البحرية المعقدة.
٧ هل تستطيع الصين السيطرة على البحر الأحمر؟
لا تحتاج الصين بالضرورة إلى السيطرة المنفردة على البحر الأحمر بقدر ما تحتاج إلى ضمان بقاء هذا الممر مفتوحاً أمام تجارتها وطاقتها وسلاسل إمدادها. لكن هذا الهدف يصطدم بحقيقة أن البحر الأحمر وباب المندب يشكلان ساحة مزدحمة بقوى عسكرية دولية وإقليمية، ما يجعل الهيمنة المنفردة عليهما شديدة الصعوبة لأي دولة، بما فيها الصين.
وجود بكين في جيبوتي يمنحها قدرة على المتابعة والحماية المحدودة والدعم اللوجستي، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى نموذج السيطرة الكاملة على ممر بحري بهذا التعقيد. والأرجح أن الصين ستواصل السعي إلى أن تكون لاعباً مهماً ضمن معادلة أمنية متعددة الأطراف، لا قوة وحيدة تتحكم منفردة في البحر الأحمر أو المحيط الهندي.
٨ السيناريوهات حتى عام 2035
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تصبح الصين قوة بحرية إقليمية عظمى قادرة على فرض تفوق واضح في محيطها القريب، خاصة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، من دون أن تصل إلى مستوى الهيمنة البحرية العالمية الشاملة.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تحول الصين إلى قوة عالمية محدودة الانتشار، تستطيع تشغيل حاملات إضافية وتوسيع حضورها المنتظم في المحيط الهندي والبحر الأحمر، من دون أن تزيح الولايات المتحدة عن موقعها العالمي الأول.
ويظل السيناريو الأخطر مرتبطاً بأزمة كبرى حول تايوان، حيث لن يكون السؤال عندها من يسيطر على المحيطات كلها، بل من يستطيع منع الطرف الآخر من العمل بحرية داخل مسرح عمليات محدد ومصيري.
- تفوق صيني قوي في البحار القريبة
- قدرة متزايدة على حرمان الخصم من حرية الحركة
- هيمنة عالمية غير مكتملة
- أزمة كبرى حول تايوان
- تحول البحر إلى مسرح منع وصول
- اختبار مباشر للبحرية الأمريكية وحلفائها
٩ الخلاصة
الصين لا تسيطر اليوم على المحيطات، لكنها لم تعد قوة بحرية هامشية أو محصورة في الدفاع الساحلي. لقد أصبحت فاعلاً بحرياً رئيسياً يغيّر توازنات القوة في غرب المحيط الهادئ ويمتد تدريجياً إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر، مستفيداً من قاعدة صناعية ضخمة وتوسع متسارع في بناء السفن.
لكن السيطرة العالمية على البحار تظل مسألة أعقد بكثير من امتلاك عدد كبير من السفن، لأنها تعتمد أيضاً على الغواصات النووية، وحاملات الطائرات الفعالة، وسلاسل الإمداد، والقواعد الخارجية، والتحالفات، والخبرة القتالية، والقدرة على الصمود في حرب طويلة.
لذلك، فالأرجح حتى عام 2035 ليس أن تستبدل الصين البحرية الأمريكية عالمياً، بل أن تصبح أكثر قدرة على حرمان واشنطن من حرية العمل في مناطق تعتبرها بكين حيوية لأمنها القومي، وعلى رأسها مضيق تايوان والبحار المجاورة.
مراجع مختارة
- CSIS، تقديرات مقارنة حول عدد السفن الحربية الرئيسية الصينية والأمريكية.
- AP، تقرير عن عبور الحاملة الصينية فوجيان مضيق تايوان في يونيو 2026.
- وزارة الدفاع الأمريكية، تقارير القوة العسكرية الصينية وتطور البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت