حين يتحدث الباحثون عن "ديموغرافيا الحرب"، يُعنون في الغالب بأرقام الوفيات وإحصاءات المجندين وتعداد النازحين. لكن التحولات الديموغرافية في مناطق النزاعات أعمق وأشد تأثيراً من هذه الأرقام المباشرة؛ إنها تُعيد كتابة الخارطة البشرية لبلد بأسره: تُخلّف بعض المناطق خاليةً من سكانها التاريخيين وتُكثّف أخرى بوافدين لم يختاروا الانتقال إليها، تُؤنّث بعض المجتمعات وتُشيخ بعضها الآخر، وتُحوّل الفقر المُنتظِر إلى بؤس مُزمن. واليمن، الذي دخل عامه الثاني عشر من الحرب، يُمثّل حالة دراسية بالغة الثراء لهذه الظاهرة المُركّبة التي تحمل في طياتها تحديات سياسية واقتصادية وهوياتية ستُلازم البلاد لعقود.
النزوح الداخلي: ليس هرباً بل إعادة توزيع بشري
الرقم الرسمي للنازحين داخلياً — 4.5 مليون وفق المفوضية الأممية — لا يُعبّر عن حجم الظاهرة بالقدر الكافي، إذ يُخفي في طياته تعقيداً هائلاً. فالنزوح اليمني لم يكن من الريف إلى المدينة، ولا حتى من مناطق الحرب إلى مناطق الهدوء فحسب؛ بل كان في حالات كثيرة متعدد المراحل: أسرة تُغادر صعدة نحو صنعاء، ثم تُعيد النزوح منها نحو مأرب، ثم قد تُضطر إلى مغادرة مأرب ذاتها حين تشتعل فيها المعارك.
وقد أنتج هذا النزوح المتكرر ظاهرة "المخيمات الدائمة" التي تتناقض مع طابعها المؤقت المزعوم. فمخيمات النزوح في مأرب وعدن ومارب وحضرموت باتت في حالات كثيرة جيوباً سكانية شبه دائمة بمدارس ومراكز صحية وأسواق. ويُشير مسح أجرته المنظمة الدولية للهجرة عام 2023 إلى أن 32% من النازحين الداخليين يُقيمون في موقع نزوحهم الحالي منذ أكثر من خمس سنوات، وأن 40% منهم لا يعرفون إذا كانوا سيتمكنون يوماً من العودة إلى مناطقهم الأصلية.
«النازح في اليمن لا يُسمّى لاجئاً لأنه في بلده، لكنه في الواقع يُعاني من انفصال عميق عن جذوره وهويته المحلية، مما يجعل إعادة الاندماج بعد الحرب تحدياً معقداً قد يفوق تحدي إعادة البناء المادي.» تقرير الشبكة العالمية للنزوح الداخلي (NRC) ، 2024
الجغرافيا الجديدة للسكان: من فُرّغ ومن امتلأ
ربما الأكثر دلالةً في التحولات الديموغرافية اليمنية هو كيف أعادت الحرب توزيع السكان بين المحافظات بصورة لم يشهدها اليمن في تاريخه الحديث.
المحافظات التي فقدت سكانها: تشير بيانات المسوحات السكانية المُجمَّعة إلى أن محافظات صعدة وتعز والحديدة والمحويت فقدت ما بين 20 و40% من سكانها المُقيمين تاريخياً بسبب الحرب المباشرة والحصار الاقتصادي. وبعض قرى الحديدة والساحل الغربي باتت أطلالاً حرفياً بعد معارك 2018.
المحافظات التي كثّفت: في المقابل، استقطبت مأرب بفضل نفطها وأمنها النسبي والدعم الذي تحظى به من الحكومة الشرعية أعداداً هائلة من النازحين. وقد قفز عدد سكانها المُقيمين من نحو 500,000 قبيل الحرب إلى ما يُقدَّر بمليونين أو أكثر في أوقات الذروة. هذا التحول الديموغرافي المتسارع أفرز ضغوطاً هائلة على الخدمات والسكن والمياه والبنية التحتية.
عدن والتعقيد الهوياتي: عدن تُمثّل حالة خاصة. فهي بيّئت من جهة بسكان من مناطق شمالية هربوا من الحرب، ومن جهة أخرى باتت تضم تجمعات من اليمنيين الجنوبيين النازحين من مناطق تفرض فيها الحوثيون سيطرتهم. هذا التداخل يُرسّخ في عدن ديناميكية توتر هوياتي بين "الأصيل" والوافد، وهي ديناميكية تُصعّب بناء مشروع سياسي جامع.
الهجرة الخارجية: هجرة النخب وتفريغ رأس المال البشري
لا يقل تأثير الهجرة الخارجية خطورةً عن النزوح الداخلي، وإن كان أقل وضوحاً في الأرقام الكبيرة. فقبيل الحرب، كان المغتربون اليمنيون في الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية يُرسلون تحويلات مالية تُمثّل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد اضطر كثير منهم إلى العودة في بداية الحرب، لكن الموجة المعاكسة — أي المغادرة — تسارعت خلال سنوات الحرب الأولى.
الأخطر في المشهد هو هجرة الكفاءات والنخب المهنية. فالأطباء والمهندسون والأكاديميون والصحفيون والقضاة الذين بنى اليمن رأسماله المؤسسي عليهم غادروا البلاد إلى مصر والأردن وتركيا وكندا وغيرها. وتُشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن اليمن فقد جزءاً كبيراً من كوادره الطبية المتخصصة، مما جعل المنظومة الصحية مُعتمِدة بصورة شبه كلية على الكفاءات الأجنبية التطوعية وعلى الكوادر الصغيرة وغير المُدرَّبة كفاية.
التركيبة العُمرية وقنبلة الجيل الضائع
تكشف الإحصاءات الديموغرافية المتاحة أن نحو 50% من سكان اليمن دون سن الخامسة عشرة، وهي نسبة تعكس معدلات الخصوبة المرتفعة تاريخياً في اليمن. لكن هذه النسبة في سياق الحرب لا تعني قوة شبابية مستقبلية، بل تعني جيلاً بأسره نشأ في ظل الانهيار والفقر وانعدام التعليم الجيّد والصدمة النفسية.
⚠ تحذير: الجيل الضائع
تُشير منظمة اليونيسف إلى أن نحو 2 مليون طفل يمني خارج المدرسة في عام 2024. وتُقدّر الدراسات الأكاديمية أن "جيل الحرب" — أي من وُلدوا بين 2015 و2025 — سيدخل سوق العمل في الفترة 2030-2040 بمستويات تعليمية وصحية ونفسية أدنى بكثير من معدلات ما قبل الحرب. وهذا "الدين الإنساني" المتراكم سيُشكّل العائق الأصعب أمام أي مسار لإعادة البناء الاقتصادي.
فضلاً عن ذلك، تواجه النساء في اليمن تحولات ديموغرافية واجتماعية بالغة التعقيد. فالحرب أفرزت ظاهرة "الأسر المُعيلة بالنساء" حيث تحوّلت الزوجة أو الأم إلى رأس الأسرة بعد سقوط أو نزوح أو احتجاز الزوج. وتُشير تقارير هيئة المرأة الأممية إلى أن نسبة الأسر التي تعولها نساء ارتفعت من نحو 15% قبيل الحرب إلى ما يزيد على 30% في مناطق عديدة. هذا التحول المُفاجئ في أدوار النوع الاجتماعي حمل مفارقة مُؤلمة: أعطى بعض النساء قدراً غير مسبوق من الوكالة الاقتصادية، لكنه في الوقت ذاته حمّلهن عبئاً غير مسبوق في سياق فقر حاد وانعدام حماية اجتماعية.
صحة الجيل القادم: تداعيات الحصار على الجسد اليمني
يتجلى أعمق أثر ديموغرافي للحرب في الأرقام الصحية. فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية واليونيسف، ارتفعت معدلات سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون الخامسة من نحو 9% عام 2014 إلى أعلى من 20% في مناطق عدة عام 2022، مع وصولها إلى أرقام كارثية في بعض المحافظات الخاضعة للحصار.
وتُشير الأبحاث الطبية إلى أن سوء التغذية في السنوات الخمس الأولى من العمر يُحدث تأثيرات دائمة وغير قابلة للتعويض على النمو المعرفي والبدني للطفل. وهذا يعني أن الأطفال الذين عانوا من سوء التغذية خلال سنوات الحرب سيحملون في أجسادهم وأدمغتهم أثراً دائماً لهذه الأزمة، وهو ما يُسميه الخبراء الصحيون "الندوب الصامتة" للحرب.
«ما تُبنيه الحرب من خسائر بشرية في الجسد اليمني سيظل يُعيق الإنتاجية الاقتصادية لعقدين على الأقل بعد توقّف إطلاق النار. الأرقام التي نُسجّلها اليوم هي مديونية ديموغرافية ستُسدَّد بيأس إنساني لم يُولد بعد.» د. نجلاء الشيباني، أستاذة الصحة العامة بجامعة صنعاء، 2023
الهوية في زمن التشتت: من اليمني؟
تطرح التحولات الديموغرافية العميقة سؤالاً جوهرياً يتجاوز الإحصاء نحو العمق السياسي والفلسفي: من هو اليمني في عام 2026؟ هل هو ابن المنطقة التي نزح عنها أم المنطقة التي استقر فيها؟ هل هو المُقيم في الداخل أم المغترب في الخليج الذي ظل يُموّل ذويه عن بُعد؟
هذا السؤال ليس فلسفياً فحسب؛ له آثار سياسية وقانونية وانتخابية. فأي عملية سياسية تسووية تستلزم تحديد مَن يحق له التمثيل والتصويت وإبداء الرأي في مستقبل البلاد. وقد طرح الحوار الوطني 2013-2014 هذه المسألة دون حسم، وستظل مطروحة في أي عملية تفاوضية مستقبلية.
كما تطرح الهجرة الخارجية إشكالية "الولاء المُمزَّق": فكثير من المغتربين اليمنيين في الخليج ينتمون إلى منطقتين في آنٍ واحد — مجتمعاتهم الأصلية في اليمن ومجتمعاتهم المُتبنّاة في الخليج. وهذا التشتت يُضعف قدرتهم على العمل بوصفهم ضغطاً سياسياً منظّماً لمصلحة التسوية اليمنية.
مقارنة نموذجية: اليمن وتجارب النزاعات الأخرى
يُتيح المقارنة بين اليمن وتجارب مشابهة كسوريا والعراق وأفغانستان استنباط دروس بالغة الأهمية.
في سوريا، أفرز النزوح الكثيف داخل البلاد تغييرات ديموغرافية سياسية موظّفة: بعض الأطراف استغلت الحرب لتهجير سكان بعينهم وإحلال آخرين في مناطق استراتيجية. وقد أصبح هذا "التطهير الديموغرافي الناعم" أداةً من أدوات الصراع السياسي. ولا يُمكن استبعاد منطق مشابه في اليمن، وإن كانت مؤشراته أقل وضوحاً حتى الآن.
في أفغانستان، أعادت سنوات الحرب توزيع السكان بصورة أفرزت حواضر منتفخة وأرياف منهكة. ومع عودة طالبان إلى السلطة، اصطدمت بواقع ديموغرافي مختلف جذرياً عما كان عليه قبل عقدين، مما يُرسّخ التوترات ويُعقّد الحوكمة.
الدرس المشترك: التغييرات الديموغرافية التي تُحدثها الحرب تُرافق البلاد لعقود بعد وقف إطلاق النار. وقد أنفقت دول مثل بوسنيا وليبيريا وأنغولا ما بين عشرين وثلاثين عاماً في معالجة ما أحدثته حروبها من تحولات بشرية، وهذا حتى في ظروف أفضل بكثير مما يُواجهه اليمن.
استشراف ديموغرافي حتى 2040: مسارات الجرح والتعافي
يرسم الأفق حتى 2040 ثلاثة تطورات ديموغرافية بالغة الأثر ينبغي لأي تخطيط جاد أخذها في الحسبان:
أولاً: النمو السكاني في ظل الهشاشة. اليمن كان قبيل الحرب ينمو بمعدل يزيد على 2.5% سنوياً. وبافتراض تراجع معدلات الوفاة مع أي تحسن في الوضع الأمني، يُتوقع أن يُقارب عدد السكان اليمنيين 40 مليون نسمة بحلول 2040، في بلد لا تزال بنيته التحتية وطاقته الاقتصادية بمستويات ما قبل 1990. هذا التعارض بين النمو الديموغرافي وتراجع القدرة الاستيعابية سيُشكّل ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً هائلاً.
ثانياً: معادلة إعادة الاندماج. مع أي تسوية سياسية محتملة، ستواجه الحكومة اليمنية مهمة عودة ملايين النازحين إلى مناطقهم. لكن هذه العودة لن تكون بسيطة: منازل مُدمَّرة، وأراضٍ مُعادة توزيعها، ومجتمعات تغيّرت تركيبتها. وقد تُفضي عمليات إعادة الاندماج إلى توترات جديدة قبل أن تُحسم، كما شهدنا في ليبيريا ورواندا وسيراليون.
ثالثاً: دور الشتات في إعادة البناء. المجتمعات اليمنية في الخليج وبعض دول الغرب تحتفظ برأس مال بشري ومالي قد يكون رافداً حيوياً لإعادة البناء. وقد وفّرت التحويلات المالية للمغتربين شريان حياة للأسر اليمنية طوال سنوات الحرب. غير أن استثمار هذا الشتات في إعادة البناء يستلزم سياسات استقطاب واضحة وضمانات أمنية وقانونية لا تبدو قريبة في الأفق الراهن.
اليمن لن يعود ديموغرافياً إلى ما كان عليه قبل الحرب. هذا يقين. التحولات البشرية التي أحدثتها سنوات النزاع ستُرافق البلاد لجيلين على الأقل. والسؤال الاستراتيجي الأجدى ليس "كيف نُعيد اليمن إلى ما كان"، بل "كيف نبني مؤسسات وسياسات تستوعب اليمن الجديد كما هو، بتعدده وتوتراته وموارده وعقبات إعادة اندماجه؟"
الديموغرافيا ليست قدراً ثابتاً، بل هي مادة خامة تُشكّلها السياسات والاستثمارات والإرادة المجتمعية. واليمن الذي نشأ جيله الجديد في ظل الحرب يمتلك أيضاً قدرة على المقاومة والتكيف ظهرت في تجارب المجتمعات المحلية التي صمدت وابتكرت آليات إدارة حياتية وسط الجحيم. هذا الرصيد من الصمود الإنساني يُشكّل، إلى جانب التحديات الهائلة، نقطة انطلاق محتملة لمستقبل مختلف.