في ديسمبر 2023، حين أطلق الحوثيون صواريخهم ومسيّراتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، لم يكن الهدف الفعلي فحسب ناقلات النفط وسفن الحاويات، بل كان في الأعماق النظامُ الأمني الدولي الذي تقوم عليه التجارة العالمية. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي جغرافي؛ إنه شريان نابض يضخ في يومٍ واحد ما يمثل نحو 10 مليارات دولار من القيمة التجارية. وعندما يُصبح هذا الشريان عُرضة للتهديد، تتكشّف في لحظة واحدة الهشاشة الأمنية الدولية والتناقضات العميقة بين القوى الكبرى في إدارة مناطق المصالح المشتركة.
غير أن هجمات الحوثيين، رغم فداحة تداعياتها الاقتصادية التي رفعت تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا بنسبة تتراوح بين 100% و300% وفق مؤشرات فريتوس الدولية، كانت في الوقت ذاته حافزاً لكشف معطيات استراتيجية أعمق: ما هي المصالح الحقيقية للقوى الكبرى في هذا الممر، وكيف تتنافس أو تتعاون في إدارته، وأين يقع اليمن من هذه المعادلة بوصفه لاعباً وبيئة للصراع في آنٍ معاً؟
الجغرافيا الاستراتيجية: الممر الذي لا غنى عنه
يمتد البحر الأحمر على مسافة نحو 1900 كيلومتر من خليج السويس شمالاً إلى باب المندب جنوباً. وهذه المسافة الضيقة — لا يتجاوز عرض الممر في نقطة باب المندب 30 كيلومتراً — تُمثّل واحدة من أكثر نقاط الاختناق البحرية حساسيةً على وجه الأرض، مُقارنةً فحسب بمضيق ملقا وقناة بنما وهرمز.
أهميته الاستراتيجية تتعدد أوجهها: فهو الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا مروراً بقناة السويس، مما يُختصر أسابيع كاملة على السفن مقارنة بالطريق البديل حول رأس الرجاء الصالح. وهو الممر الرئيسي لنفط الخليج نحو أوروبا، وللبضائع الآسيوية نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية. فضلاً عن ذلك، تربط في قاع البحر الأحمر كابلات ألياف ضوئية بالغة الأهمية تحمل ما يزيد على 17% من حركة الإنترنت العالمية، مما يُعطيه بُعداً رقمياً استراتيجياً إضافياً.
«من يُسيطر على باب المندب يمسك بمفاتيح أكثر من ثلث التجارة بين شرق العالم وغربه. إنه من أكثر نقاط الجغرافيا السياسية حساسيةً في القرن الحادي والعشرين.» الباحث الجيوسياسي روبرت كابلان في كتابه "الانتقام الجغرافي"
الحوثيون كأداة استراتيجية: التحليل بعيداً عن الأحكام المسبقة
أثارت هجمات الحوثيون على السفن في البحر الأحمر نقاشاً أكاديمياً واستراتيجياً معمّقاً: هل هذه الهجمات تعبير عن وكالة حوثية مستقلة أم مجرد توظيف إيراني لأداة إقليمية؟ والجواب وفق أغلب التحليلات أكثر تعقيداً من هذه الثنائية.
الحوثيون يمتلكون أجندتهم الخاصة ولا يُحرّكهم الدعم الإيراني وحده. فالهجمات البحرية أعطتهم شرعية شعبية داخلية غير مسبوقة وحوّلتهم في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الإقليمي إلى طرف في قضية المقاومة ضد الحصار الغربي والدعم الأمريكي لإسرائيل. كما أتاحت لهم ورقة تفاوضية ثمينة في أي مسار للتسوية اليمنية المحتملة.
في الوقت ذاته، إيران تستثمر هذه الهجمات في ضغط استراتيجي متعدد الأهداف: إشغال القوى البحرية الأمريكية، وتصعيد تكاليف دعم إسرائيل في غزة، وتأكيد حضورها الجيوسياسي على المحور الممتد من طهران إلى البحر الأحمر. وقد طورت طهران قدرات الحوثيين البحرية والصاروخية بشكل ملحوظ منذ 2019 وفق تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة.
الاستراتيجية الأمريكية: الحارس الذي يتردد
شكّلت الولايات المتحدة عملية "حارس الازدهار" في ديسمبر 2023 ردّاً على هجمات الحوثيين، ونجحت في استقطاب تحالف من عشرات الدول. لكن حجم التحالف الفعلي كان أقل مما أُعلن: فكثير من الدول المنضمة إليه رفضت الانخراط في العمليات الهجومية. وكشف هذا التردد عن شرخ في الإجماع الدولي حول التعامل مع الملف.
الاستراتيجية الأمريكية تواجه تناقضاً بنيوياً: واشنطن تريد حماية حرية الملاحة لكنها لا تريد التورط في حرب برية في اليمن، ولا ترفع التكاليف على الحوثيين إلى حد قد يُقوّض مسارات التسوية، ولا تُغضب الحلفاء الخليجيين الذين تتباين حساباتهم. هذه القيود المتشابكة أفضت إلى استراتيجية "احتواء ناعم" تُلجم الهجمات دون تغيير المعادلة.
وتُضاف إلى ذلك متغيرات السياسة الأمريكية الداخلية. فادارة بايدن كانت تُحاول الموازنة بين الالتزام بالتحالف مع الرياض وأبوظبي والرغبة في تجنب التصعيد في المنطقة، بينما جاءت إدارة ترامب الثانية (2025-) بنهج أكثر حدة تجاه الحوثيين مصحوباً بضربات موسّعة وتصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية.
الصين وديلمّا البحر الأحمر: بين المصلحة التجارية والحياد الاستراتيجي
من الأطراف الأكثر إثارة للجدل في معادلة البحر الأحمر الصين، التي تُمثّل مصالحها على هذا الممر حالة استثنائية. فالصين أكبر دول العالم تجارةً مع أوروبا، وثلاثة أرباع هذه التجارة يمر عبر البحر الأحمر. وقد أثّرت هجمات الحوثيين مباشرة على تكاليف الشحن الصينية وأوقات التسليم.
لكن الصين امتنعت عن الانضمام إلى عملية "حارس الازدهار"، وأحجمت عن أي إدانة صريحة للهجمات الحوثية. وتتقاطع عدة حسابات في تفسير هذا الموقف:
- الصين لا تريد الانزلاق إلى التحالفات الأمنية الأمريكية التي تراها أداةً لتكريس الهيمنة.
- العلاقة الصينية الإيرانية (اتفاقية الشراكة الاستراتيجية 2021 البالغة 400 مليار دولار) تُضيّق هامش المناورة.
- بكين تُقدّم نفسها بديلاً للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وأي انخراط في عمليات أمريكية يُقوّض هذا الموقع.
- الحرص على التعامل مع الحوثيين ممثلاً سياسياً محتملاً في حال انتهى النزاع اليمني لصالحهم.
هذا الموقف الصيني يُعكس ما يُسمّيه المحللون "التفادي الاستراتيجي" Selective Engagement: تحمّل التكاليف الاقتصادية قصيرة الأجل مقابل الحفاظ على المرونة السياسية طويلة الأجل.
| الطرف | المصلحة الأساسية | الموقف من الأزمة | القيود |
|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | قيادة النظام البحري الدولي | عمليات عسكرية محدودة | تجنب الانزلاق البري |
| الصين | حرية الملاحة التجارية | حياد استراتيجي | العلاقة مع إيران |
| إيران | الضغط الإقليمي والردع | دعم الحوثيين غير مباشر | تجنب المواجهة المباشرة |
| المملكة العربية السعودية | الأمن الإقليمي وهيبة التدخل | مفاوضات متوازية مع تعليق عمليات | الاستنزاف المالي وتغيير الأولويات |
| الإمارات | مراكز الموانئ الاستراتيجية | انتقائية في الانخراط | العلاقات الاقتصادية مع الصين |
سباق القواعد العسكرية: جيبوتي نموذجاً لعصر التنافس
تُمثّل جيبوتي الصغيرة حالة دراسية مثيرة لطبيعة التنافس الدولي على البحر الأحمر. ففي هذه الدولة ذات المساحة الصغيرة والسكان المحدودين تتمركز: قاعدة عسكرية أمريكية (ليمونيير)، وقاعدة فرنسية تاريخية، وقاعدة صينية هي الأولى لبكين خارج أراضيها، وقاعدة إيطالية، وتسهيلات يابانية، وارتباطات دفاعية سعودية. إنها بطاقة جيوسياسية حقيقية تُقدمها جيبوتي لكل القوى مقابل قدر من السيادة ومبالغ مالية ضرورية لميزانيتها.
ويعكس الوجود الصيني في جيبوتي حجم التحول في الاستراتيجية الصينية: فبكين التي أحجمت تاريخياً عن إنشاء قواعد خارجية وجدت نفسها مُضطرة إلى تأمين مصالحها التجارية والطاقوية عبر وجود عسكري. وتشير التقارير إلى مساعي صينية لتطوير هذه القاعدة وتوسيع قدراتها، في خطوة يرصدها المخططون الأمريكيون بقلق متزايد.
الأبعاد الاقتصادية: عندما يُصبح البحر أغلى
أسفرت هجمات الحوثيون عن تحوّل اقتصادي ملموس: فمعظم شركات الشحن الكبرى كميرسك وهاباغ لويد والخطوط البحرية الصينية أعادت توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف نحو 14 يوماً على رحلات نقل الحاويات من آسيا إلى أوروبا وزاد التكاليف التشغيلية بصورة حادة.
ووفق تقديرات البنك الدولي، تسبّبت الأزمة في انخفاض عبور السفن عبر قناة السويس بنحو 40% خلال أشهر الذروة في 2024، مما ألحق خسائر مالية فادحة بمصر التي تعتمد على عائدات القناة مصدراً استراتيجياً للنقد الأجنبي. وقد وصل هذا الانكماش في وقت بالغ الحساسية لمصر التي كانت تُعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة.
الكابلات الرقمية: الثغرة التي لا يتحدث عنها أحد
ثمة بُعد استراتيجي للبحر الأحمر نادراً ما يُقارَب في التحليلات الجيوسياسية السائدة: شبكة الكابلات البحرية تحت السطح. فقاع البحر الأحمر يضم نحو 17 كابلاً للألياف الضوئية تنقل جزءاً كبيراً من حركة الإنترنت والبيانات بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا الشرقية. وقد أفادت تقارير في أوائل 2024 بأضرار طالت بعض هذه الكابلات في محيط البحر الأحمر، وإن ظل الغموض يلف الملابسات.
تقطيع أو تعطيل هذه الكابلات يُشكّل ثغرة استراتيجية بالغة الأثر: يُمكن أن يُعطل الاتصالات المالية الدولية ويُؤثر على عمليات البورصات الكبرى وأنظمة الدفع الدولية والاتصالات الحكومية. وقد دفع هذا الواقع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى إطلاق نقاشات جدية حول "مرونة البنية التحتية الرقمية" في المناطق المعرّضة للنزاعات.
نحو 2040: إعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للبحر الأحمر
يرسم الأفق حتى 2040 منافسةً أكثر حدة على البحر الأحمر تتشكّل عبر ثلاثة محاور:
محور البنية التحتية: تُواصل الصين تمويل موانئ وطرق وسكك حديدية تربط القرن الإفريقي بالمنطقة، في إطار مبادرة الحزام والطريق. بينما تُعيد الولايات المتحدة النظر في استثماراتها الأفريقية عبر مبادرات مثل "شراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي". هذا التنافس على الاستثمار سيُحدد من يمتلك النفوذ الاقتصادي الأكبر في الدول المطلة على البحر الأحمر.
محور الأمن والتسليح: ستواصل القوى الإقليمية والدولية توسيع وجودها العسكري البحري. وقد تشهد المنطقة ظهور ترتيبات أمنية جديدة تُشمل أطرافاً لم تكن حاضرة تاريخياً، كالهند التي تُعزز وجودها البحري في المنطقة بشكل ملحوظ.
محور الطاقة: مع التحول نحو الطاقة المتجددة وتراجع الاعتماد على النفط في الاقتصادات الكبرى، قد يتغيّر تدريجياً الثقل الاستراتيجي لممر نفط الخليج. غير أن هذا التحول سيكون بطيئاً، ولن يُغيّر أهمية البحر الأحمر جذرياً قبل عام 2040 على أقل تقدير.
البحر الأحمر لم يُصبح ساحة تنافس دولية بقدرة قادر، بل بتراكم مصالح وهشاشات وطموحات متشابكة. والهجمات الحوثية كشفت كيف أن قوة صغيرة غير نظامية يمكنها تعطيل اقتصاد عالمي بأدوات رخيصة نسبياً، وذلك في عالم يُطوّر منظومات دفاعية باهظة التكلفة.
المعادلة الأكثر توازناً للأمن في البحر الأحمر لن تتحقق بالقوى البحرية وحدها، بل تستلزم معالجة الأسباب الجذرية للاضطراب اليمني، وتوافق دولياً حول قواعد ملاحة مُلزِمة، وشراكات اقتصادية مع الدول الساحلية تُعطيها حوافز حقيقية للاستقرار. وهذه المعادلة أعسر تحقيقاً من تشكيل تحالف عسكري، لكنها الأطول عمراً والأعمق أثراً.