في أبريل 2023، اندلعت الحرب في السودان بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو الملقب حميدتي. كانت الحرب متوقعةً لدى كثير من المراقبين الذين تابعوا التنافس الطاحن بين الرجلين منذ الإطاحة بالبشير عام 2019. لكن ما لم يُصرَّح به بوضوح في التغطيات الإعلامية السائدة هو الدور الذي تؤديه الإمارات في هذا الصراع - دور يُجمع المحللون الأمريكيون والأوروبيون الذين فحصوا مسارات الأسلحة والذهب على أنه بالغ التأثير.
حميدتي والإمارات: علاقة توطّدت في اليمن
لا يبدأ الارتباط الإماراتي-الحميداتي من اندلاع الحرب السودانية، بل من ساحات اليمن. منذ عام 2015، شاركت قوات الدعم السريع في التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن، وكانت الإمارات الطرف الأكثر إشراكًا مع هذه القوات ميدانيًا. من خلال هذا التعاون العسكري الوثيق، تطوّرت شبكة علاقات بين أبوظبي وقيادة الدعم السريع تجاوزت طابعها الميداني إلى علاقات اقتصادية وسياسية متشابكة.
وثّقت تحقيقات صحفية دولية، لا سيما تلك التي أجرتها صحيفة The Wall Street Journal وموقع Alaaddin الاستقصائي، نمطًا من تحويل الأسلحة من مخزونات في الإمارات وليبيا إلى قوات الدعم السريع خلال مرحلة الحرب السودانية. نفت أبوظبي هذه الاتهامات بشدة، لكن الضغط الأمريكي والأوروبي تصاعد في اتجاه مطالبة الإمارات بإيضاحات رسمية.
«ما يجري في السودان ليس مجرد صراع على السلطة بين جنرالين - بل هو ساحة لتنافس نفوذ إقليمي ودولي، تتقاطع فيه مصالح الذهب والموانئ والهيمنة الاستراتيجية على قلب القارة الأفريقية.» تقرير مجموعة الأزمات الدولية، 2024
اقتصاد الذهب: كيف تتدفق الثروة السودانية نحو الخليج
يحتل السودان مرتبة من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا. غير أن نسبة كبيرة من إنتاجه تُصدَّر بصورة غير رسمية عبر شبكات تهريب بدلاً من المنافذ الرسمية الخاضعة لرقابة الدولة. تُشير تقارير منظمة Global Witness وغيرها إلى أن جزءًا وافرًا من هذا الذهب يجد طريقه إلى أسواق دبي بوصفها مركزًا عالميًا لتجارة الذهب.
شبكات الذهب التي تنشط في المناطق الخاضعة لقوات الدعم السريع - ولا سيما في دارفور وكردفان - تتداخل مع شبكات ترتبط بمقربين من أبوظبي. هذا الاندماج الاقتصادي يجعل من مصلحة أطراف في الإمارات استمرار هيمنة الدعم السريع على هذه المناطق، بصرف النظر عن التكلفة الإنسانية.
الزراعة والأراضي: الاستثمار الإماراتي في السودان ما قبل الحرب
ليست المصالح الإماراتية في السودان وليدة الحرب. قبل 2023، اشترت مجموعات تجارية إماراتية مرتبطة بصناديق سيادية مساحات زراعية شاسعة في شمال السودان وشرقه، مستهدفةً تأمين احتياطيات غذائية استراتيجية لدولة الإمارات في مواجهة أزمات غذائية عالمية مستقبلية. هذا الاستثمار الزراعي يمنح أبوظبي مصلحةً راسخة في استقرار هذه المناطق - أو على الأصح في السيطرة عليها من طرف يضمن حمايتها.
في هذا السياق، يصبح دعم قوات الدعم السريع - التي تسيطر على مناطق واسعة من إنتاج الذهب والأراضي الزراعية - منسجمًا مع المنطق الاستثماري الإماراتي، حتى وإن كان ذلك يعني الانحياز الضمني في نزاع مسلح يُكبّد السودانيين مآسي لا توصف.
📌 مصالح الإمارات في السودان: جدول مقارن
الذهب: شبكات تصدير عبر دبي تُقدَّر بمئات الملايين سنويًا.
الأراضي الزراعية: مشتريات تتراوح بين عشرات الآلاف وبضعة ملايين فدان وفق تقديرات متباينة.
الموانئ: اهتمام إماراتي موثّق بميناء بورتسودان على البحر الأحمر.
التأثير السياسي: دعم تحولات ما بعد البشير لصالح جهات موالية للتوجه الخليجي.
ميناء بورتسودان: الجائزة الاستراتيجية
لمن يُريد فهم الأهمية الاستراتيجية للسودان من منظور إماراتي، ينبغي له أن يتأمل خريطة شركة DP World. هذه الشركة الإماراتية المتخصصة في إدارة الموانئ دأبت على التفاوض للحصول على عقود ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، الذي يُشكّل نقطة دخول بالغة الاستراتيجية لأفريقيا الشرقية. الفوز بإدارة هذا الميناء سيُعزز شبكة الموانئ الإماراتية التي تُحكم قبضتها بالتدريج على الطرق البحرية الرئيسية في المنطقة.
ضمن هذا المنطق، إبقاء السودان في حالة من الفوضى المُدارة - لا الاستقرار التام الذي يُقلّص الحاجة لحضور خارجي، ولا الانهيار الكلي الذي يُهدد الاستثمارات - قد يكون في صميم الحساب الاستراتيجي لأطراف إقليمية بعينها.
الموقف الدولي وإشكاليات المحاسبة
أصدر البرلمان الأوروبي في عام 2024 قرارًا يُطالب بالتحقيق في مسارات الأسلحة إلى السودان، وأشار بصورة ضمنية إلى المسؤولية الإماراتية. وطالبت الولايات المتحدة رسميًا أبوظبي بإيضاحات حول مزاعم نقل الأسلحة. غير أن الثقل الاقتصادي الإماراتي في المنظومة الغربية - استثمارات في صناعات دفاعية، واتفاقيات أمنية، وتطبيع مع إسرائيل تحتضنه واشنطن - يُخفّف من حدة أي موقف دولي حاسم.
⚠️ تحذير إنساني
تُعدّ الحرب في السودان من أشد الأزمات الإنسانية حدةً في العالم اليوم. اثنا عشر مليونًا نزحوا عن ديارهم. مليونا طفل معرّضون للمجاعة الحادة. وعمليات الاغتصاب والتطهير العرقي موثّقة في دارفور. أي تحليل لهذا الملف ينبغي أن يضع هذه الحقائق الإنسانية في صدارة المشهد.
المستقبل حتى 2040: السودان الممزّق والنفوذ الخليجي المتمدد
في غياب تسوية سياسية شاملة يشارك فيها المجتمع السوداني المدني وتحظى بضمانات إقليمية ودولية حقيقية، ثمة خطر حقيقي أن يسير السودان نحو «صوملة» مديدة: تقسيم فعلي للسيطرة، واقتصاد غير رسمي قائم على الموارد الخام، وهشاشة مزمنة تُتيح للفاعلين الخارجيين إدامة نفوذهم بأثمان زهيدة.
في هذا السيناريو، تخرج الإمارات رابحةً اقتصاديًا في المدى المتوسط - موانئ، ذهب، أراضٍ - مع تحمّل تكاليف سمعة متزايدة على المستوى الدولي. أما السودانيون، فيحملون الثمن كاملاً.
الدور الإماراتي في السودان ليس مؤامرة خفية بالمعنى الكلاسيكي - بل هو منطق استثماري-أمني يتبع مساره الخاص. أبوظبي تبحث عن الذهب والموانئ والأراضي والنفوذ، وتجد في شراكة قوات الدعم السريع طريقًا مختصرًا لتحقيق هذه الأهداف.
لكن منطق المصلحة القصيرة المدى هذا ينطوي على مخاطر استراتيجية طويلة الأمد: السودان المنهك لا يُشكّل محيطًا آمنًا للاستثمار على المدى البعيد، والشراكة مع قوات متهمة بجرائم حرب موثّقة يُضعف من الصورة الدولية للإمارات التي تسعى إلى موقع ريادي في النظام الاقتصادي العالمي.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت