لمن يُريد فهم السياسة الإماراتية في أفريقيا، لا يكفي أن ينظر إلى الخرائط الاستثمارية الضخمة ومذكرات التفاهم الموقّعة في أروقة داڤوس. ينبغي له أن يتتبع ملف سد النهضة الإثيوبي — ذلك المشروع الضخم الذي تحوّل من قضية تنموية أفريقية إلى لغز استراتيجي بالغ التعقيد يمسّ أمن مصر الوجودي. فثمة في هذا الملف، إذا قُرئت جيدًا، آثار أصابع إماراتية لافتة للنظر.
العلاقة بين أبوظبي وأديس أبابا تفوق حجمها الاستثماري المُعلن. منذ عام 2018، حين أسهمت الإمارات بودائع وهبات وصلت إلى ثلاثة مليارات دولار لدعم إصلاحات آبي أحمد الاقتصادية، باتت أبوظبي تحتل موقعًا متميزًا لدى القيادة الإثيوبية. هذا التموضع يُتيح لها ممارسة نفوذ غير مباشر على ملف سد النهضة — ليس بالتدخل السافر، بل عبر إشارات الدعم وترتيب التحالفات الخلفية.
سد النهضة: الملف الوجودي لمصر
لا يُمكن المبالغة في تصوير الأهمية الوجودية لنهر النيل بالنسبة لمصر. يعتمد نحو ستة وتسعين بالمئة من المصريين على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه. في ظل نمو سكاني يتجاوز المليوني نسمة سنويًا، وتراجع حاد في نصيب الفرد من المياه، يُمثّل سد النهضة الإثيوبي — إذا ما أُديرت عملية ملئه دون توافق مع القاهرة — تهديدًا مصيريًا حقيقيًا.
انطلق العمل في بناء السد عام 2011، وتُعدّ إثيوبيا صاحبة الحق التاريخي المُطلق فيه من منظور سيادتها على منابع النيل الأزرق. لكن القاهرة ترفض إتمام الملء دون اتفاقية ملزمة تضمن حصتها المائية. وقد ظل الملف محل مفاوضات شاقة على مدار أكثر من عشر سنوات دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
الدور الإماراتي: بين الظاهر والخفي
لم تُعلن الإمارات أي موقف رسمي صريح من النزاع المصري-الإثيوبي حول السد. وعلى المستوى الدبلوماسي، تُقدّم أبوظبي نفسها شريكًا لكلا البلدين. لكن تحليل مسار الاستثمارات والدعم السياسي يكشف عن صورة مغايرة.
على مدار السنوات الماضية، استضافت الإمارات مؤتمرات اقتصادية موسّعة لدعم المشاريع الإثيوبية، وأعلنت ضخ استثمارات في قطاع الزراعة والبنية التحتية الإثيوبية تتجاوز مليار دولار. كما أسهمت شركة أبوظبي للتنمية (ADQ) في مشاريع زراعية ضخمة على ضفاف النيل الأزرق. هذا الاندماج الاستثماري يجعل الإمارات معنيةً اقتصاديًا بنجاح السد وبإعلاء الموقف الإثيوبي، ليس بالضرورة على حساب مصر، لكن بقدر ما يعزز موقفها التفاوضي.
«في جيوسياسة المياه، الاستثمار الاقتصادي هو أداة قوة. من يملك مصالح اقتصادية في منطقة المنابع يملك نفوذًا على طاولة التفاوض — حتى لو لم يجلس رسميًا عليها.» تحليل في مجلة Journal of African Security Studies، 2024
التنافس الإماراتي-المصري: التحالف الهش
العلاقة المصرية-الإماراتية هي من أكثر العلاقات الإقليمية تناقضًا. فمن جهة، أنقذت أبوظبي الاقتصاد المصري مرات عدة: بعد ثورة يناير 2011، وبعد مرحلة الإخوان المسلمين في 2013، وفي أزمات اقتصادية متعاقبة. الإمارات ضخّت ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار في الاقتصاد المصري منذ ذلك التاريخ.
لكن من جهة أخرى، تتصادم المصالح الاستراتيجية في ملفات محورية: ليبيا، حيث دعمت الإمارات قوات حفتر بينما سعت مصر إلى التوازن؛ وأفريقيا حيث تتنافس أبوظبي والقاهرة على النفوذ التجاري والسياسي مع الدول الأفريقية الكبرى. وفي ملف إثيوبيا، يتجلى هذا التقاطع بصورة حادة: القاهرة تحتاج لموقف إماراتي واضح لصالحها في مواجهة أديس أبابا — لكنها لا تحصل عليه.
📌 الأدوات الإماراتية في إدارة ملف إثيوبيا-مصر
الاستثمار الاقتصادي: ضخ مليارات في الاقتصاد الإثيوبي لإنشاء شبكة مصالح تجعل أديس أبابا شريكًا لا يُستهان به.
الدعم السياسي الضمني: إتاحة المنابر الدولية والاقتصادية لإثيوبيا دون انتقاد مسار السد.
الغموض الاستراتيجي: التزام الصمت الرسمي حول الملف المائي لإبقاء كلا الطرفين محتاجَين للوساطة الإماراتية.
الاختراق المؤسسي: حضور الشركات الإماراتية في قطاعي الطاقة والزراعة الإثيوبيين.
مصر والضغط المائي: تحوّل في التوازن الإقليمي
ما يجعل الورقة الإثيوبية أداةً استراتيجية فعّالة هو أن الأمن المائي لمصر يُضعف قدرتها التفاوضية في القضايا الأخرى. القاهرة حين تكون منشغلةً بأزمة مياه حادة لا تستطيع أن تكون لاعبًا نشطًا في ملفات ليبيا والبحر الأحمر والصومال — وهي جميعها مناطق تستهدف فيها أبوظبي مواقع نفوذ.
يُفضي هذا السياق إلى نتيجة مزدوجة: القاهرة المنهكة بالقلق المائي هي قاهرة أقل قدرةً على المنافسة الإقليمية، وأكثر احتياجًا للدعم الاقتصادي الإماراتي — ما يُمكّن أبوظبي من ممارسة نفوذها بشروط أفضل.
الاقتصاد الأفريقي كسلاح: شركة DP World وآبي أحمد
لا يمكن قراءة الحضور الإماراتي في إثيوبيا بمعزل عن استراتيجيتها الأفريقية الأوسع. شركة DP World الإماراتية للموانئ تُشغّل أو تتفاوض على عقود في جيبوتي وسومالياند وزنجبار وبورتسودان والصومال وموزمبيق وما بينها. إثيوبيا بلد حبيس لا منفذ له على البحر، ما يجعل علاقتها بالموانئ الإقليمية مسألة أمن قومي. الإمارات، التي تُسيطر على موانئ رئيسية في المنطقة، تملك بذلك ورقة ضغط إضافية على أديس أبابا.
الحصار الإثيوبي-الإريتري وعلاقة آبي أحمد بالخليج أتاحا مساحة لأبوظبي للتموضع كضامن اقتصادي وأمني لإثيوبيا في المنطقة — وهو دور يمنحها نفوذًا عميقًا على أجندة أديس أبابا، بما فيها مسألة السد.
الأفق حتى 2040: مصر بين عجز الماء وفائض الضغط
تُشير تقديرات مجلس الأمن المائي الدولي إلى أن مصر قد تصل إلى ما يُسمى «الشح المائي المطلق» بحلول عام 2025-2030 بمعاييره المتشددة، أو بحلول 2040 بالمعايير المعتدلة. في هذا الأفق، يُصبح التحكم في ملء السد قضيةً وجودية حرفيًا لا مجازًا.
في هذا السياق، فإن استمرار الوجود الإماراتي الاستثماري في إثيوبيا دون مناصرة إماراتية صريحة لحقوق مصر المائية يُشكّل ضغطًا استراتيجيًا مركّبًا: الإمارات بحكم علاقتها مع القاهرة تُعطّل رد الفعل المصري المتشدد تجاه إثيوبيا، وبحكم استثماراتها في أديس أبابا تُشجّع الإثيوبيين على التمسك بمواقفهم.
تُنتهج السياسة الإماراتية في علاقتها بمصر وإثيوبيا ما يمكن وصفه بـ«الاستفادة من التوتر الثلاثي»: إبقاء القاهرة محتاجة للدعم الخليجي، وإثيوبيا محتاجة للاستثمار الإماراتي، مع الامتناع عن الحسم في النزاع بين الطرفين.
هذه المعادلة ليست نتاج تخطيط خبيث بالضرورة، بل قد تكون تراكم مصالح انتهجت منطقه الخاص. لكن نتيجتها الفعلية هي أن الإمارات تملك نفوذًا على مستقبل مصر المائي دون أن تحمل مسؤوليته الرسمية.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت