🔑 مستقبل اليمن التقسيم اليمني الفيدرالية في اليمن الحوثيون والشرعية الجنوب اليمني التسوية السياسية

في اللحظة التي يتوقف فيها المرء عند خريطة اليمن اليوم، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة: دولة واحدة تضم على أرضها عدة كيانات سياسية وعسكرية شبه مستقلة، تتحكم كل منها في أرضها ومواردها وحدودها ومنافذها، وتُدير شؤونها وفق منطقها الداخلي بمعزل عن أي سلطة مركزية فاعلة. فهل الحديث عن "الدولة اليمنية" في هذه الظروف مجرد مفهوم قانوني فارغ من مضمونه؟ أم أن ثمة نسيجاً تاريخياً وثقافياً لا يزال يُحافظ على أُسس مشروع وطني يمكن إعادة بنائه؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد أكاديمية؛ إنها تمس مصالح ملايين اليمنيين الذين يُعانون من الحرب والفقر والنزوح، وتتشابك مع حسابات القوى الإقليمية والدولية التي تُدير صراع اليمن وفق أجنداتها. وفهمها يستلزم العودة إلى الجذور التاريخية لمسألة الوحدة والهوية اليمنية، قبل استشراف المسارات المستقبلية الممكنة.

3
كيانات رئيسية تُسيطر على الأرض اليمنية: الحوثيون، الحكومة الشرعية، المجلس الانتقالي الجنوبي
1990
عام توحيد اليمن الشمالي والجنوبي — وحدة لم تتجاوز 25 عاماً قبل اندلاع الحرب
11
جولة من مفاوضات السلام الرسمية وغير الرسمية منذ 2015 دون اتفاق شامل
70%
من السكان اليمنيين يحتاجون مساعدة إنسانية في 2024 — الأكثر في تاريخ البلاد

الجذور التاريخية: وحدة مُتَخيَّلة أم هوية مُشتركة؟

ينبثق الجدل حول مستقبل الدولة اليمنية جزئياً من تناقض موروث في مفهوم "اليمن" ذاته. فحتى عام 1990، كانت هناك دولتان: الجمهورية العربية اليمنية في الشمال التي تأسست عام 1962 خلفاً للمملكة المتوكلية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب التي نالت استقلالها عن بريطانيا عام 1967. وقد شهدت الدولتان تجارب سياسية واجتماعية متباينة جداً: صنعاء نحو النموذج الجمهوري القبلي المحافظ، وعدن نحو التجربة الاشتراكية بحلفائها السوفييت.

الوحدة التي تحققت عام 1990 جاءت في جُلّها نتاج توافق بين النخبتين الحاكمتين لا تعبيراً عن مشروع تكاملي عميق. وقد سرعان ما تجلّت هشاشتها في حرب 1994 حين حاول الجنوب الانفصال وأُعيد توحيده بالقوة العسكرية. ومن ذلك الجرح لم يَئِدّ الجنوب، بل راكم استياءً تحوّل إلى حركة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يمثّل اليوم قوة سياسية وعسكرية راسخة.

«وحدة 1990 لم تبنِ دولة، بل ضمّت كيانين متباينين تحت علم واحد. ولا عجب أن هذه "الوحدة" لم تصمد حين تعرضت لأول اختبار ضغط حقيقي.» الأكاديمي اليمني أحمد الجنيد في مؤتمر دراسات الشرق الأوسط، برلين 2023

في المقابل، تُؤكد تيارات فكرية يمنية أخرى أن الهوية اليمنية الجامعة أعمق من أن يُختزلها تاريخ الوحدة القريب. فالشعر اليمني والموروث الثقافي المشترك وعمق الروابط القبيلة العابرة للحدود الإدارية يُشكّلون لحمة حضارية ذات جذور ممتدة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن اليمن قادر على إعادة التأسيس على بنية أقوى تعترف بالتنوع وتُدير التعددية دون القطيعة.

خريطة القوى الراهنة: ثلاثة كيانات وحسابات متباينة

يعكس المشهد الميداني الراهن توزيعاً للسيطرة يُشكّل أرضية واقعية لأي مسار مستقبلي:

الحوثيون (أنصار الله) يُسيطرون على صنعاء ومعظم المرتفعات الشمالية وصعدة والحديدة ومنفذها الرئيسي على البحر الأحمر. وقد طوّروا على مدى سنوات بنية حوكمة موازية شاملت الجباية الضريبية والتعليم والإعلام والقضاء. ويرفضون أي صيغة تُقيّد سلطتهم، مُستندين إلى شرعية الانتصار الميداني وخطاب الهوية الزيدية والمقاومة. وتُغذّي إيران نفوذهم بالأسلحة والتدريب والدعم المالي، وإن تباينت الأهداف الإيرانية عن الأجندة الحوثية في بعض النقاط.

الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً تعمل من المنفى بين عدن والرياض، وتُسيطر على مناطق متفرقة في مأرب وحضرموت وعدد من المحافظات الشرقية. وتعتمد اعتماداً شبه كلي على الدعم المالي السعودي الذي تجاوز حجمه التراكمي بحسب التقديرات 20 مليار دولار منذ 2015. وقد أُضعف موقفها التفاوضي بسبب خلافاتها الداخلية وصراعات النفوذ بين مكوناتها.

المجلس الانتقالي الجنوبي يُسيطر على عدن ومناطق واسعة من الجنوب، ويطالب بالانفصال معتبراً الوحدة تجربة فاشلة. يحظى بدعم إماراتي ينعكس في قدراته العسكرية والمالية. ويُمثّل الاحتقان التاريخي للجنوبيين الذين يشعرون بالتهميش منذ حرب 1994، لكنه في الوقت ذاته لا يمتلك موقفاً موحداً من مسألة الحوكمة الداخلية لجنوب مفترض.

الأطراف الإقليمية ومعادلة النفوذ

لا يمكن قراءة مستقبل الدولة اليمنية بمعزل عن حسابات القوى الإقليمية، إذ لكل طرف أجندة تتقاطع مع المصالح اليمنية دون أن تتطابق معها بالضرورة:

السعودية تريد يمناً مستقراً لا يُشكّل تهديداً أمنياً على حدودها، لكنها تُفضّل يمناً ضعيفاً مُعتمِداً على دعمها على يمن قوي مستقل. وقد أفضى الاستنزاف المالي والعسكري الهائل لتدخلها منذ 2015 إلى مراجعات استراتيجية تُلمّح إلى رغبة في الخروج من المستنقع، تجلّت في الانفتاح السعودي الإيراني عام 2023.

الإمارات تُركّز على ضبط الطرق التجارية وتأمين ميناء عدن والساحل الجنوبي بوصفهما حلقة في سلسلة نفوذها البحري الممتد من سواحل إفريقيا إلى بحر العرب. ودعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي ينسجم مع مصلحتها في يمن جنوبي موالٍ أكثر من انسجامه مع أي التزام بمبدأ الوحدة اليمنية.

إيران توظّف ورقة اليمن في سياق استراتيجيتها الإقليمية الأشمل للضغط على السعودية وتطويق الخليج، وليس ابتغاءً للحل اليمني الداخلي. ومن هنا جاء انفتاح الحوثيين الانتقائي في المفاوضات: يُظهرون مرونة حين تُشير الحسابات الإيرانية إلى ذلك، ويتصلّبون حين تستدعي المصالح الإيرانية الإبقاء على الضغط.

مسار التقسيم: الانزياح الهادئ نحو الأمر الواقع

⚠ السيناريو الأول: التقسيم الفعلي

يُشير هذا السيناريو إلى احتمال تكريس الانقسام القائم دون إعلان رسمي، على غرار نماذج الصومال وليبيا. بموجبه، يستمر الحوثيون في حوكمة الشمال بشكل شبه دولة، والمجلس الانتقالي يُكرّس سلطته على الجنوب، فيما تتحول الحكومة الشرعية إلى كيان رمزي يملك اعترافاً دولياً دون سلطة فعلية.

الاحتمالية: مرتفعة في غياب إرادة إقليمية-دولية حقيقية للحل. التداعيات: تجميد مزمن للصراع، استمرار المعاناة الإنسانية، وفراغ أمني طويل الأمد.

ثمة مؤشرات عملية تدفع نحو هذا السيناريو: فالحوثيون أسّسوا مؤسسات موازية راسخة، والمجلس الانتقالي بنى بنية أمنية وإدارية في الجنوب، وكلاهما يُصدر وثائق رسمية وجوازات سفر وعملات في بعض الحالات. الانفصال الناعم يحدث تدريجياً حتى وإن ظلت الخرائط الرسمية تُصوّر دولة موحدة.

مسار الفيدرالية: إدارة التعددية بدل إلغائها

⚖ السيناريو الثاني: الفيدرالية التفاوضية

يقوم هذا السيناريو على توافق بين الأطراف الرئيسية على نظام فيدرالي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة مع الحفاظ على كيان فيدرالي جامع. وكانت وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني 2014 قد أقرّت مبدأ تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية، قبل أن تُجهض بقوة البنادق.

الاحتمالية: متوسطة مشروطة. تستلزم: تراجع الحوثيين عن مطامح السيطرة الكاملة، وتفاهمات سعودية-إماراتية-إيرانية، وضمانات دولية للتنفيذ. التداعيات الإيجابية: تقاسم الثروة وإدارة التنوع وتجنب تقطيع الوحدة الجغرافية.

النموذج الفيدرالي يواجه تحديات بنيوية في السياق اليمني. فأولاً: مسألة الثروة النفطية في مأرب وحضرموت — من يتحكم فيها؟ الصيغة الفيدرالية ستُواجه مباشرة سؤال توزيع العائدات. وثانياً: الهوية الزيدية للحوثيين وهويتهم القبلية لا تنسجم بسهولة مع نظام فيدرالي يُضيّق صلاحياتهم المطلقة. وثالثاً: الحكم الفيدرالي يستلزم مؤسسات حوكمة وطنية راسخة لا وجود لها حالياً.

مسار التوحيد المُجدَّد: حلم أم مشروع ممكن؟

🌱 السيناريو الثالث: إعادة التوحيد المُؤسَّس

يستلزم هذا السيناريو تسوية سياسية شاملة تُفضي إلى إعادة بناء دولة يمنية تعددية تعاقدية تُدار بمؤسسات جديدة لا بإصلاح الموروث البيروقراطي الفاسد. يستوجب ذلك إشراك جميع الأطراف — بمن فيهم الحوثيون والمجلس الانتقالي — في عملية تأسيسية جديدة، وضمانات إقليمية ودولية، وتمويلاً لإعادة الإعمار يُقدَّر بعشرات المليارات.

الاحتمالية: منخفضة على المدى القصير، ممكنة على المدى البعيد إذا تحوّلت الحسابات الإقليمية. يبقى الأكثر استدامة على المدى البعيد.

للحصول على فكرة عن تعقيد هذا السيناريو، يكفي النظر إلى حجم إعادة الإعمار المطلوبة: تُقدّر الأمم المتحدة كلفتها بأكثر من 100 مليار دولار. ويتطلب ذلك توافراً سياسياً على المستوى الإقليمي يشمل المملكة العربية السعودية والإمارات وإيران وسلطنة عُمان ودول الخليج، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل التنافسات الإقليمية الراهنة رغم الانفراج السعودي-الإيراني الذي يُمثّل انفتاحاً مهماً نحو هذا الاتجاه.

المتغير العُماني: الوساطة الهادئة التي لا يُشار إليها

في خضم التحليلات المُكثّفة لدور السعودية وإيران وأمريكا في اليمن، كثيراً ما يُغفَل الدور العُماني الذي ظل يعمل في صمت. فسلطنة عُمان حافظت على خطوط تواصل مفتوحة مع الحوثيين على مدار سنوات الحرب، وأضافت بذلك قيمة وساطة نادرة في منطقة يُهيمن عليها المنطق التصادمي. وقد تجلّى هذا الدور في الإفراج عن أسرى وتسهيل مفاوضات سرية متعددة.

الموقع الجغرافي العُماني ذاته — الحدود البرية الطويلة مع اليمن وغياب أي عداء تاريخي — يُعطي مسقط أوراق لعب فريدة في أي مشهد تسوية محتمل. وقد أشارت دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن عُمان "الطرف الأقل تحيزاً والأعلى مصداقية" في المشهد الإقليمي المعقد.

المشهد حتى 2040: مسارات التحول المحتملة

حين نُحدّق في أفق عام 2040، يمكن تخيّل ثلاثة مسارات للمشهد اليمني:

مسار التجميد المُطوَّل (2026-2035): يستمر التنافس بين الكيانات الثلاثة دون حسم، مع هدنات متكررة وانتكاسات، وإدارة دولية لأزمة مزمنة. تتدهور التنمية البشرية مع كل سنة تأخير، ويرسّخ جيل جديد نشأ في ظل التجزئة هويات قطاعية أقوى من هوية وطنية جامعة.

مسار الانعطافة الإقليمية (2026-2030): يُفضي تطبيع سعودي-إيراني عميق وصفقة شاملة إلى حل متدرّج في اليمن. يبدأ هذا المسار بوقف إطلاق نار مستدام، ثم بترتيبات انتقالية مؤقتة، ثم بمفاوضات هيكلية حول نظام الحكم. هذا المسار مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الجيوسياسية الأشمل.

مسار التحول من الداخل (2030-2040): قد تُفرز الحرب المطوّلة نفسها ظروف نهايتها: الإرهاق المالي للحوثيين، وتراجع الدعم الخارجي، وصعود جيل يمني جديد يُقدّم المطالب الاقتصادية والاجتماعية على حسابات الهوية والإيديولوجيا. وقد شهدنا إرهاصات هذا المسار في احتجاجات الحيّ الجنوبي عام 2024 وتظاهرات شبابية ضد السلطات المحلية في عدة مدن.

🔍 التقدير الاستراتيجي

اليمن الموحّد ليس مجرد حلم رومانسي، لكنه ليس ضرورة تاريخية حتمية أيضاً. فالوحدة الحقيقية تبنى عبر تعاقدات اجتماعية وسياسية لا عبر إرادات خارجية أو توافقات نخبوية هشّة. وما يُعيق الدولة اليمنية اليوم ليس التعددية الجغرافية أو القبلية أو الطائفية في جوهرها، بل غياب مشروع سياسي وطني جامع يُقنع اليمنيين بأن كيانهم المشترك يُلبّي مطامحهم أكثر مما تفعله كياناتهم الجزئية.

على أرض الواقع، السيناريو الأكثر ترجيحاً هو "الفيدرالية الوقائعية" — أي نظام يبدو رسمياً موحداً لكنه يُدير فعلياً تقاسماً للسلطة والموارد بين الكيانات القائمة. وهذا يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو توحيد حقيقي أو توطيداً لتقسيم مُقنَّع، تبعاً للإرادة السياسية الداخلية والدعم الإقليمي.

❓ أسئلة جوهرية
هل يريد الجنوبيون فعلاً الانفصال؟
المشهد معقد. قطاع واسع من الجنوبيين يُطالب باستعادة الدولة الجنوبية بسبب التهميش الاقتصادي والسياسي. لكن استطلاعات محدودة أجرتها منظمات غير حكومية أظهرت أن شريحة من الجنوبيين تُفضّل نظاماً فيدرالياً عادلاً على الانفصال التام، مما يُشير إلى أن المطالبة بالانفصال ليست حتمية بل انعكاس لغياب العدالة.
ما الذي يجعل الفيدرالية صعبة التطبيق في السياق اليمني؟
ثلاثة عوائق رئيسية: أولاً توزيع الثروة النفطية، ثانياً غياب المؤسسات الوطنية القادرة على إدارة نظام فيدرالي معقد، وثالثاً رفض الحوثيين لأي صيغة تُقيّد سيطرتهم على المناطق التي يحكمونها. هذه العوائق قابلة للتجاوز لكنها تستلزم تسويات سياسية مؤلمة من كل الأطراف.
ما الدور الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يؤديه فعلاً؟
المجتمع الدولي يستطيع تقديم ضمانات أمنية وتمويل إعادة الإعمار وبناء المؤسسات. لكنه يعجز عن استبدال الإرادة السياسية الداخلية. والتجارب الدولية تُشير إلى أن التدخل الخارجي دون شراكة محلية حقيقية يُنتج حلولاً هشة سرعان ما تنهار. المسار الأنجح هو دعم العملية التفاوضية اليمنية لا فرض نتائجها.
geopolo — التحرير الجيوسياسي
تحليل استراتيجي · الشرق الأوسط وأفريقيا

تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية، تتناول ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا والقوى الكبرى.