لم يكن في الحسبان يوماً أن يُصبح اليمن، في خضمّ واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية، معبراً دولياً رئيسياً للهجرة. بيد أن الجغرافيا لا تنتظر الاستقرار السياسي، والبشر لا يتوقفون عن الحركة حين ينعدم الأمل في مكانهم. تتقاطع على الشريط الساحلي اليمني بين خليج عدن وباب المندب حركات بشرية متعددة الاتجاهات، مُشكِّلةً ظاهرة فريدة في تاريخ الهجرة الدولية: بلد في حالة حرب يؤدي دور مركز عبور إقليمي. وهذا الواقع المُفارِق لا يُلقي بظلاله على الوضع الإنساني اليمني فحسب، بل يُعيد رسم المشهد الأمني والاقتصادي والديموغرافي لمناطق بأسرها.
البعد الأمني: الهجرة في قلب ديناميكيات الصراع
تتشابك الهجرة مع الديناميكيات الأمنية لصراع اليمن بطرق لا يمكن اختزالها في معادلة بسيطة. فالجغرافيا الساحلية التي يُستخدم فيها المهاجرون مساراتٍ من المواني الصغيرة والخلجان النائية هي الجغرافيا ذاتها التي تتمركز فيها شبكات تهريب الأسلحة والمتفجرات وشبكات تمويل الجماعات المسلحة.
وقد رصدت لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية باليمن في تقاريرها المتتالية تداخلاً واضحاً بين شبكات تهريب البشر وشبكات الأسلحة، لا سيما على المحور الساحلي الغربي وفي مناطق المهرة وسقطرى. وتستخدم الجماعات المسلحة في بعض الحالات عائدات تهريب البشر لتمويل عملياتها، وإن كان التوثيق الدقيق لهذه العلاقة يبقى أمراً عسيراً في ظل انعدام الشفافية.
«اليمن يُعاني من أزمة أمنية مركّبة: الحرب الداخلية من جهة، والهشاشة الحدودية البحرية من جهة أخرى، وبينهما ممرات يستغلها الجميع — المهاجرون والمهرّبون والمقاتلون على حدٍّ سواء.» تقرير مجموعة الأزمات الدولية، 2023
كما يُشير بعض التقارير إلى أن مجنّدين إثيوبيين وصوماليين انتهى بهم المطاف في صفوف مجموعات مسلحة بعد فشل رحلة العبور أو وقوعهم في قبضة مليشيات مسلحة. وهذا ما يُضيف بُعداً جديداً لمنظومة الأمن، إذ بات المهاجر الاقتصادي في بعض الحالات ورقة في لعبة الصراع المسلح دون أن يكون ذلك بإرادته.
الأمن البحري ومعادلة باب المندب
يُشكّل باب المندب أحد أكثر الممرات البحرية في العالم ازدحاماً وحساسيةً، إذ يعبر منه يومياً ما يزيد على 50 سفينة تجارية تحمل نفطاً وبضائع متنوعة. وقد أضافت موجات الهجرة البحرية غير النظامية بُعداً أمنياً آخر إلى هذا الممر الحيوي.
فالقوارب المحملة بالمهاجرين كثيراً ما تُثير حوادث مع القطع البحرية الدولية التي تستلزم الاستجابة وفق القانون الدولي للبحار. وقد رصدت القوة البحرية الأوروبية في عملية "أتالانتا" عشرات الحوادث المتعلقة بالمهاجرين سنوياً في هذه المنطقة، يصعب التمييز فيها أحياناً بين قارب مهاجرين ومركب تهريب أو زورق مفخخ محتمل في ظل حالة التأهب المرتبطة بهجمات الحوثيين.
وقد أطلق هذا الواقع نقاشاً استراتيجياً أممياً حول ضرورة التنسيق بين مهام مكافحة القرصنة وحماية المهاجرين وعمليات مراقبة الأسلحة في منطقة واحدة، مما يعكس تعقيد المنظومة الأمنية التي أفرزتها هذه الهجرة.
التأثيرات الاقتصادية: إضافة للأزمة أم رافد للاقتصاد الخفي؟
يقف الاقتصاديون أمام إشكالية صعبة في تقييم أثر الهجرة الإفريقية على اليمن: فالدولة منهارة وسوقها الرسمي شبه معطّل، مما يجعل أي تأثير للهجرة يتجلى بالدرجة الأولى في الاقتصاد غير الرسمي.
على صعيد العمالة، يُلاحَظ في عدد من المدن اليمنية — لا سيما عدن وتعز والحديدة — وجود عمالة إفريقية في قطاعات بناء صغيرة ونقل وخدمات منزلية وبيع متجوّل. وتُقدّم هذه العمالة أجراً أدنى بكثير من اليد العاملة اليمنية، وهو ما يُقلق النقابات العمالية في المناطق ذات التركّز الأكبر.
| القطاع | طبيعة التأثير | درجة التوثيق |
|---|---|---|
| سوق العمل غير الرسمي | ضغط نزولي على الأجور الدنيا | متوسطة |
| شبكات التهريب | إيرادات غير مشروعة لمجموعات مسلحة | موثّقة |
| الخدمات الإنسانية | ضغط إضافي على موارد المساعدات الدولية | مرتفعة |
| الاقتصاد المحلي الصغير | طلب محدود في بعض المناطق | ضعيفة |
على صعيد المساعدات الإنسانية، يُشكّل وجود مهاجرين إفريقيين ضغطاً إضافياً على المنظومة الإنسانية الدولية العاملة في اليمن. فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة مُلزمتان بتقديم خدمات لهؤلاء المهاجرين وفق التزاماتهما الدولية، لكن الموارد محدودة ومنافِسة لاحتياجات اليمنيين أنفسهم.
التحولات الديموغرافية: طبقات السكان في مناطق الأزمة
تُعدّ التحولات الديموغرافية الناجمة عن الهجرة الإفريقية من أكثر جوانب هذه الظاهرة تعقيداً وأقلها توثيقاً. فالبيانات الديموغرافية الدقيقة في اليمن شحيحة أصلاً في زمن السلم، فكيف الحال في ظل الحرب؟
ما يمكن رصده من تقارير ميدانية هو تشكُّل جيوب ديموغرافية مختلطة في عدد من المدن الساحلية. ففي عدن تحديداً، تُشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى وجود تجمعات إثيوبية وصومالية شبه دائمة في عدد من الأحياء الطرفية. وفي المكلا والشحر على الساحل الحضرمي، بات وجود مهاجرين إفريقيين جزءاً من المشهد اليومي للمدينة.
هذا التمازج الديموغرافي يُثير تساؤلات معقدة على المدى البعيد: ما مدى استيعاب المجتمعات اليمنية المحلية لهؤلاء القادمين؟ وهل سيُفضي الوجود المديد لبعضهم إلى أشكال من الاندماج الجزئي أو الاستيطان غير الرسمي؟ وما مآل الأطفال المولودين من أبوين مهاجرين على الأرض اليمنية؟
«في عدن اليوم، تسمع لغات ثلاث في السوق الواحد: العربية والأمهرية والصومالية. إنها صورة لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. ولا أحد يعرف ما ستبدو عليه هذه المدينة بعد عشر سنوات أخرى.» صحفي يمني مقيم في عدن، مقابلة مع الباحثة د. لوسي بيردسلي، 2024
الهوية والتوتر الاجتماعي: حين يلتقي الخوف بالخوف
يعيش كثير من اليمنيين في ظل ضغوط هائلة من الفقر والحرب والنزوح، مما يُخلق بيئة تُغذّي التوترات الاجتماعية مع المهاجرين الأفارقة. ولا تنبع هذه التوترات دائماً من العنصرية المنظّمة، بل في أغلب الأحيان من التنافس على موارد شحيحة: وظائف نادرة، ومساكن بأسعار في المتناول، ومساعدات إنسانية محدودة.
وقد رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش حوادث اعتداء على مهاجرين أفارقة في عدد من المناطق اليمنية، كما وثّقت المنظمة الدولية للهجرة احتجاز مهاجرين في مراكز احتجاز مكتظة تفتقر إلى أدنى معايير الكرامة الإنسانية. وفي المقابل، ثمة شهادات لمهاجرين حظوا بمساعدة من مجتمعات يمنية محلية في لحظات احتياج بالغ، مما يُظهر صورة مُركّبة بعيدة عن التصنيفات الجاهزة.
التداعيات على دول الجوار: جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا
لا تقتصر تداعيات هذه الهجرة على اليمن؛ فدول الجوار تتأثر هي الأخرى بتموجاتها. جيبوتي، بمساحتها الصغيرة وعدد سكانها الذي لا يتجاوز مليوناً، تُعاني من ضغط هائل بوصفها نقطة العبور الرئيسية. وقد أنشأت الحكومة الجيبوتية تعاوناً مع المنظمة الدولية للهجرة في إطار ما يُعرف بـ"مركز الهجرة المختلطة"، لكن الإمكانات الاستيعابية تظل محدودة.
إثيوبيا من جهتها تتلقى آلاف المُرحَّلين سنوياً من السعودية عبر الطائرات الخاصة. وقد أسهمت هذه التدفقات العكسية في تصاعد الضغط على مراكز استقبال المُرحَّلين في أديس أبابا وجهات الجنوب. كما تكشف البيانات أن نسبة غير قليلة من المُرحَّلين يُعيدون الكرة ويُحاولون مجدداً في رحلة خطرة أخرى، مما يُفيد بأن الدوافع الاقتصادية الجذرية لم تُعالَج بأي شكل.
الإطار القانوني الدولي في مواجهة الواقع
يُجسّد الوضع القانوني للمهاجرين الأفارقة في اليمن فجوة واسعة بين ما ينص عليه القانون الدولي وما يفرضه الواقع. فاليمن طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، وقد كان تاريخياً من الدول الأكثر انفتاحاً في المنطقة تجاه اللاجئين الصوماليين تحديداً.
غير أن انهيار مؤسسات الدولة أفرز فراغاً قانونياً خطيراً: فالجهاز الذي كان يتولى تسجيل اللاجئين وطالبي اللجوء بات شبه معطّل، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعمل في ظروف شديدة القسوة وبقدرات محدودة، ويجد المهاجرون والفارون من النزاع أنفسهم في منطقة رمادية لا قانون يحميهم فيها ولا دولة قادرة على محاسبة منتهكيهم.
📌 الوضع القانوني للمهاجرين في اليمن: الفجوة بين النص والواقع
اليمن موقّع على اتفاقية اللاجئين ومانح حق الدخول دون تأشيرة للصوماليين منذ 1984. لكن الحرب أفضت إلى: انهيار منظومة التسجيل، وغياب الحماية الفعلية، وشيوع الاحتجاز التعسفي، وانعدام الملاجئ الآمنة الكافية. هذا الفراغ القانوني يُحوّل المهاجر من شخص يتمتع بحقوق مكفولة دولياً إلى كائن هش في فضاء لا قانون فيه.
نحو 2040: استشراف مسارات الهجرة وتحولات اليمن
تتشكّل مسارات المستقبل وفق ثلاثة متغيرات كبرى: مسار الحرب اليمنية، والتطور الاقتصادي في دول المنشأ الإفريقية، والسياسات الإقليمية للدول الخليجية.
في سيناريو التسوية اليمنية جزئياً حتى 2030، قد تتوسع قدرات الدولة على ضبط الحدود، مما يُضيّق الهامش أمام شبكات التهريب. لكن الأبحاث الأكاديمية في مجال الهجرة تُشير إلى أن تحسّن الحوكمة في بلد العبور لا يُوقف الهجرة بل يُحوّلها نحو مسالك أخرى أو يُجبر المهاجرين على الإقامة الطويلة في مناطق العبور.
أما في السيناريو الاقتصادي الإفريقي، فإن النمو الاقتصادي في إثيوبيا مرهون بتجاوز أزمة ديونها الخارجية وتحقيق استقرار سياسي يبدو بعيداً حالياً في ظل التوترات الإثنية المتصاعدة. وفي الصومال، لا يُشير أي مؤشر إلى تحول بنيوي قريب يُقلّص الدوافع للهجرة.
ويبقى المتغير الخليجي الأكثر تأثيراً. فإذا اتجهت السياسات السعودية والإماراتية نحو مزيد من الانفتاح على العمالة الإفريقية عبر قنوات منظّمة — في إطار رؤية 2030 السعودية ومتطلباتها من العمالة — فإن ذلك قد يُفضي إلى تقليص الهجرة غير النظامية، إذ يُتيح بديلاً قانونياً أقل خطورة وأكثر استدامة.
اليمن لم يُصبح بوابة القرن الإفريقي بقرار أو تخطيط، بل بالضرورة الجغرافية والإخفاق السياسي المتراكم. والهجرة غير النظامية التي تعبره لا تُشكّل تهديداً أمنياً مُتجانساً كما يصوّره أحياناً الخطاب الشعبوي، لكنها تحمل في طياتها مخاطر حقيقية تتعلق باستغلال الهشاشة ومزج الملفات الأمنية.
الحل الجذري لا يمرّ عبر اليمن وحده، بل يستلزم مقاربة متكاملة تشمل تنمية القرن الإفريقي وتسوية النزاع اليمني وإصلاح سياسات العمالة الخليجية في آنٍ معاً. وإلى أن تتضافر هذه المعادلة الثلاثية، ستبقى الخلجان اليمنية الصغيرة شاهدة على رحلات بين يأسين.