🔑 سلطنة عمان التشيع السياسي الوساطة الخليجية إيران والخليج الحوثيون وعمان الدبلوماسية الهادئة

في الخريطة الدبلوماسية لمنطقة الخليج، تحتل سلطنة عمان موقعًا استثنائيًا. فبينما ترفع جيرانها الخليجيون أصواتهم في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحافظ مسقط على علاقات دافئة مع طهران تمتد منذ السبعينيات. وبينما انتهجت دول الجوار سياسة العزل والحصار تجاه الحوثيين، تولّت مسقط أدوار الوساطة والتفاوض. هذا التموضع الفريد جعل من سلطنة عمان قوةً لا غنى عنها في حل الأزمات الإقليمية — لكنه طرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت السلطنة تؤدي دور الوسيط المحايد، أم أنها تستثمر في صراعات طائفية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

٥٠+
عامًا من العلاقات الدبلوماسية المتواصلة مع إيران
٢٠١٣
عام استضافة مسقط المفاوضات السرية الأمريكية-الإيرانية
٣
محاور تشيع نشطة تتقاطع في عمان: اثني عشري، إسماعيلي، إباضي
٢٠٢٢
عام الوساطة العمانية لإطلاق الأسرى الأمريكيين من إيران

الإباضية والمسافة الحذرة: الهوية الدينية العمانية كدرع

لفهم الدور العماني في مناطق الصراع، لا بد من استيعاب بنيته الدينية الخاصة. السلطنة دولة إباضية المذهب، وهو مذهب إسلامي مستقل ظهر في القرن الأول الهجري ولا يُصنَّف ضمن السنة ولا الشيعة. هذه الهوية الدينية المستقلة تمنح السلطنة مسافةً رمزية فريدة من النزاعات السنية-الشيعية المتفجّرة في المنطقة، وتُمكّنها من تقديم نفسها كطرف محايد بلا مصلحة طائفية في نتيجة هذه الصراعات.

غير أن هذه الحيادية المُعلنة لا تعني غياب المصلحة الاستراتيجية. مسقط تعلم تمامًا أن قوتها التفاوضية تنبع أساسًا من قدرتها على الوصول إلى جميع الأطراف في آنٍ واحد. كلما اشتعلت التوترات الطائفية وتعذّرت على الآخرين إدارتها، ارتفعت القيمة الجيوسياسية للسلطنة بوصفها قناةً لا يُستغنى عنها.

الممر العماني: من النجف إلى صنعاء

لا تقتصر العلاقة العمانية مع الشيعة على المستوى الإيراني الرسمي، بل تمتد إلى شبكة من المرجعيات والفاعلين الشيعيين على مستويات متعددة. وثّقت تقارير استخباراتية غربية عدة — أشارت إليها منابر مثل صحيفة The Guardian وموقع Middle East Eye — وجودَ قنوات تواصل مباشرة بين مسؤولين عمانيين وقيادات الحوثيين في صنعاء وصعدة.

هذه القنوات أدّت دورًا محوريًا في المفاوضات التي أفضت إلى صفقات تبادل الأسرى وهدنات وقف إطلاق النار المتعددة في اليمن. ورأى المدافعون عن السياسة العمانية أن هذا الدور ضروري لوقف نزيف الدم اليمني. لكن منتقدين آخرين، ومنهم مسؤولون سعوديون ومنظمات يمنية معارضة للحوثيين، يذهبون إلى أن هذه القنوات أسهمت أيضًا في إضفاء شرعية دبلوماسية على الحوثيين وإطالة أمد الصراع.

«الدور العماني يُشبه دور المصرفي الذي يحتفظ بحسابات لجميع الأطراف المتحاربة. المصرفي لا يختار أيًا منها، لكنه يستفيد من بقاء الجميع في قيد الحياة.» تحليل في مجلة Foreign Affairs، 2024

علاقة مسقط-طهران: الحليف الصامت

بدأت العلاقة العمانية-الإيرانية الحديثة قبل الثورة الإسلامية. حين اندلع التمرد الظفاري في جنوب عمان (1965-1976) الذي تبنّاه اليسار الثوري المدعوم إيرانيًا وعراقيًا، كانت طهران في عهد الشاه تُقدّم الدعم العسكري للسلطان قابوس. بعد الثورة عام 1979، حافظ البلدان على قناة تواصل مستمرة حتى في أشد فترات العداء الخليجي-الإيراني حدةً.

هذه العلاقة الخاصة تمنح مسقط نفوذًا فعليًا لدى القيادة الإيرانية، وتجعلها وسيطًا لا تستطيع واشنطن ولا الرياض الاستغناء عنه. حين أرادت إدارة أوباما فتح قناة سرية مع طهران تمهيدًا لمفاوضات الملف النووي عام 2013، اختارت مسقط بالإجماع ممرًا آمنًا لهذا الحوار. وحين احتاجت الإدارة الأمريكية لاحقًا إلى وساطة لإطلاق مواطنين أمريكيين محتجزين لدى إيران، عادت مسقط للعب الدور ذاته.

📌 قائمة الوساطات العمانية الموثّقة في ملفات الصراع الطائفي

2013: استضافة المفاوضات السرية الأمريكية-الإيرانية، بوابة لاتفاق فيينا النووي.

2016-2018: قناة تفاوضية بين الحوثيين وائتلاف دعم الشرعية لصفقات تبادل الأسرى.

2022: الوساطة لإطلاق أمريكيين محتجزين في إيران مقابل أموال إيرانية مجمّدة.

2023-2024: قناة تفاوضية بين طهران وواشنطن في ملف الضمانات النووية الموقتة.

الامتداد التشيعي: شبكات الحسينيات وتدفق العلماء

يُحدث نشر التشيع في مناطق الصراع من خلال مسقط بصورة أكثر هدوءًا وتعقيدًا من النموذج الإيراني المباشر. تتضمن آليات هذا الانتشار تدفق علماء دين شيعة درسوا في النجف وقم إلى مناطق الصراع عبر مسقط، ونشاط جمعيات ثقافية واجتماعية تتمتع بصلات إلى المرجعيات الشيعية وتحمل ترخيصًا عمانيًا أو تتخذ من السلطنة مقرًا لها.

لا يمكن إثبات أن هذه الشبكات تعمل بتوجيه مباشر من الحكومة العمانية. ومسقط تنفي أي دور لها في هذا الملف. لكن ما يُمكن قوله، استنادًا إلى منهجية التحليل الجيوسياسي، هو أن مسقط توفّر بيئةً تتسامح مع هذا النشاط في وقت تُغلقه دول خليجية أخرى، وأن هذا التسامح ليس بريئًا من الحسابات الاستراتيجية.

الرباط الاقتصادي: ميناء الدقم وخط أنابيب مصفح

تتقاطع الجيوسياسة العمانية مع ملف التشيع في مستوى لا يُستهان به: الحوافز الاقتصادية. ميناء الدقم، المشروع العملاق الذي يُطوّره الجانبان الصيني والبريطاني وعدد من المستثمرين الإيرانيين، يُشكّل نقطة بالغة الحساسية. إيران ترى في الوجود التجاري لها ضمن شبكة الموانئ العمانية ضمانةً لممر تجاري جزئي يمكّنها من تحمّل أثر العقوبات الغربية.

في هذا السياق، يصبح الدور العماني في نشر التشيع والوساطة في مناطق الصراع جزءًا من معادلة أعقد: علاقة متبادلة النفع بين مسقط وطهران، تجمع بين الدور الوساطي السياسي والاندماج الاقتصادي والتسامح مع التمدد الأيديولوجي الشيعي.

⚠️ ملاحظة منهجية

تستند هذه التحليلات إلى معطيات موثّقة ومقارنة للسلوك الاستراتيجي، لا إلى نسب مقاصد مؤكدة لصانع القرار العماني. السياسة الخارجية العمانية هي من أكثر السياسات الخليجية تعقيدًا وأقلها شفافية، ما يجعل قراءتها علمًا يجمع بين الاستنتاج والتحفظ.

الموقف السعودي والإماراتي: قلق مكتوم

لا تُصرّح الرياض وأبوظبي علنًا بقلقهما من الدور العماني في مناطق الصراع، لكن تسريبات متعددة تكشف عن توتر خفي. تُدرك كل من الرياض وأبوظبي أن السياسة العمانية ليست مجرد تسليةً دبلوماسية، بل لها تداعيات على التوازنات الطائفية في اليمن والعراق وسوريا وحتى منطقة الشرق الأوسط الأوسع.

وقد تجلّى هذا التوتر في السياق اليمني بصورة خاصة. ففي مرحلة عدة، وصلت المعلومات الاستخباراتية بأن مسقط تنقل رسائل من الحوثيين إلى واشنطن وبروكسل لا تمر دائمًا عبر الرياض، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت عمان تُصادر دور الوساطة الخليجية أو تُعيد توجيه معلوماتها لصالح أطراف بعينها.

المستقبل حتى 2040: عمان في نظام إقليمي متحوّل

مع دخول المنطقة مرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في أعقاب اتفاق التطبيع السعودي-الإيراني عام 2023، بدأت الفوائد الجيوسياسية التي كانت عمان تجنيها من انفرادها بالقناة مع طهران تتآكل. إذا تحوّل التطبيع السعودي-الإيراني إلى حالة دائمة ومؤسّسية، فإن الرياض قد تُطوّر قنواتها المباشرة مع طهران، مما يُقلّص الفضاء الذي تحتله مسقط.

في مواجهة هذا التحول، يبدو أن السياسة العمانية في عهد السلطان هيثم تسعى إلى تنويع مصادر نفوذها: تعميق الاندماج الاقتصادي مع إيران، وتطوير العلاقة مع الصين بوصفها مستثمرًا وضامنًا أمنيًا صاعدًا، والحفاظ في الآن ذاته على متانة علاقاتها مع بريطانيا والولايات المتحدة التي تُشكّل العمود الفقري لأمنها العسكري.

🔍 التقدير الاستراتيجي

تتموضع سلطنة عمان في الفضاء الرمادي الفاصل بين الوساطة الحقيقية والمشاركة المصلحية في صراعات المنطقة. لا يمكن اختزالها بالوصف البسيط «عميلة لإيران» أو «وسيط نزيه تمامًا» — فهي تجمع بين الصفتين بنسب متغيرة تبعًا للملف والتوقيت.

ما يمكن قوله بثقة هو أن مسقط تستفيد استراتيجيًا من التوترات الطائفية في المنطقة بقدر ما تُسهم في تخفيفها. وأن الدور الذي تؤديه في نشر التشيع، ولو بصورة غير مباشرة، هو جزء من هذه المعادلة لا استثناء منها.

❓ أسئلة شائعة
هل عمان دولة شيعية؟
لا، عمان دولة إباضية المذهب، وهو مذهب مستقل لا يُصنَّف شيعيًا ولا سنيًا. لكن الحكومة العمانية تحتفظ بعلاقات دافئة مع كل من المرجعيات الشيعية والسنية.
ما الذي يجعل عمان وسيطًا لا غنى عنه؟
مزيج من العوامل: الحياد الديني النسبي، والعلاقات التاريخية مع طهران، وعدم المشاركة في التحالفات العسكرية ضد الحوثيين، والموثوقية التي اكتسبتها في عيون جميع الأطراف.
هل الدور العماني في اليمن إيجابي؟
الجواب مزدوج: نعم بمقدار ما أفضى إلى صفقات أسرى وهدنات إنسانية. ولا بمقدار ما منح الحوثيين قناة دبلوماسية تعزز موقفهم التفاوضي وتُطيل أمد الصراع وفق بعض التحليلات.
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · الخليج وإيران

محلل في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والقوى الكبرى.

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت