في الخطاب الشعبي العربي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي من القاهرة إلى بغداد، يُصوَّر الحوثيون في كثير من الأحيان على أنهم «مقاومة» باسلة، رجال جبال يصنعون المستحيل في مواجهة قوى عظمى بأسلحة بسيطة. تستهوي هذه الصورة الخيال الجمعي، خصوصًا حين تتشابك مع قضية فلسطين ومواجهة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية. غير أن ثمة سؤالاً جوهريًا يظل مغيّبًا عن هذا الوعي العام: مَن هم الحوثيون فعلاً، وما الذي يفعلونه باليمن وبأجياله؟
إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تقتضي الغوص في البنية العقدية للحركة، وفهم المنهج الاثني عشري الذي تعتمده منذ تحولها الأيديولوجي مطلع التسعينيات، وتحليل تداعياته على الهوية اليمنية والتماسك الوطني والمستقبل الديموغرافي لهذا البلد.
من الزيدية إلى الاثني عشرية: التحول الأيديولوجي الصامت
لفهم الحوثيين، لا بد من العودة إلى جذورهم الدينية. نشأ المؤسس حسين بدر الدين الحوثي في أسرة زيدية من شمال اليمن. والزيدية مذهب إسلامي شيعي معتدل، يختلف جوهريًا عن الاثني عشرية الإيرانية في مسائل الإمامة وسلطة رجال الدين والتراث الفقهي. غير أن رحلة حسين الحوثي إلى إيران وسوريا في مطلع التسعينيات، ولقاءاته بمرجعيات الحرس الثوري الإيراني ومكاتب الإمام الخامنئي، أحدثت تحولًا عميقًا في فكره وبرنامجه.
عاد الحوثي إلى صعدة حاملاً معه نموذج ولاية الفقيه وأدوات التنظيم الديني-السياسي للحرس الثوري. بدأ يُعيد صياغة الموروث الزيدي في قالب اثني عشري، مستعيرًا مفاهيم من تراث السيد علي خامنئي والشهيد محمد باقر الصدر، ومدمجًا إياها في خطاب محلي يُغلّفها بهوية يمنية. الشعار الخماسي المعروف «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» ليس بدعة يمنية؛ إنه ترجمة حرفية للشعار الذي طور في مدارس الحرس الثوري الإيراني.
«الحوثيون ليسوا زيدية يدافعون عن هويتهم؛ بل هم ذراع تطبيقية لمشروع ولاية الفقيه في الجزيرة العربية، يسعون إلى إعادة تشكيل المجتمع اليمني وفق نموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية.» تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، واشنطن
الجهاز الأيديولوجي: المدارس والحسينيات وإعادة تشكيل الهوية
الأداة الأكثر خطورة في المنهج الحوثي ليست الصواريخ ولا الطائرات المسيّرة — بل الفصل الدراسي. منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، انكبّوا على إعادة هيكلة المناهج الدراسية بصورة جذرية. رصدت تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، ومنها هيومن رايتس ووتش ومنظمة أنقذوا الأطفال، إدخالَ مواد تمجّد الثورة الإيرانية ومنهج الإمام خميني في كتب التاريخ والتربية الدينية للمراحل الابتدائية. كما أُدمجت مفاهيم العداء للغرب وتكفير الحكومات السنية في المناهج العلمية تحت غطاء «التربية الوطنية».
ولا يقتصر الأمر على المدارس الرسمية؛ بل امتد إلى شبكة من المراكز الحسينية التي تنتشر في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وتعمل كأذرع للتبشير الطائفي. تستقطب هذه المراكز الأطفال والشباب بتقديم الغذاء والرعاية في مناطق تعاني من شُح الموارد جراء الحرب، مقدِّمةً التبعية العقدية ثمنًا ضمنيًا للخدمة.
📌 المنهج الاثني عشري في المدارس الحوثية — المحاور الرئيسية
أولاً: إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بما يُكرّس رواية الغبن الشيعي وشيطنة الخلفاء الأوائل وصحابة النبي.
ثانيًا: إدراج ولاية الفقيه كمرجعية دينية وسياسية عليا تعلو على الدولة والقانون والمواطنة.
ثالثًا: تأهيل الأطفال للجهاد عبر تمجيد الاستشهاد وتصوير الموت في سبيل الجماعة كأسمى الغايات.
رابعًا: عداء منهجي تجاه العروبة السنية والوحدة اليمنية، واستبدالهما بهوية طائفية تستمد أصولها من النموذج الإيراني.
تجنيد الأطفال: الوجه الأشد قتامةً للمنهج
في عام 2021، رصد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن ما وصفه بـ«نمط ممنهج» لتجنيد الأطفال من قِبَل الحوثيين. تُشير تقديرات منظمة اليونيسف إلى أن الجماعة جنّدت آلاف القاصرين ضمن صفوفها القتالية، مستغلةً انهيار المنظومة التعليمية وتفشي البطالة وغياب الدولة في مناطق النزاع.
الأخطر من التجنيد العسكري أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال تلقّوا سنوات من التنشئة الأيديولوجية في مراكز الحوثيين قبل الالتحاق بالمواقع القتالية. يُشكّل هذا النمط ما يمكن وصفه بـ«الدورة الأيديولوجية المغلقة»: الطفل ينشأ ويتعلم ويُؤطَّر ويُجنَّد داخل منظومة واحدة متكاملة لا أُفق خارجها. ما تصنعه هذه الدورة ليس جنديًا، بل إنسانًا مُعاد برمجته بصورة تجعل إعادة اندماجه في مجتمع مدني مفتوح أمرًا بالغ الصعوبة.
الاقتصاد السياسي للسيطرة الحوثية
لا يمكن فهم الاستدامة الحوثية دون تحليل بنيتها الاقتصادية. تمسك الجماعة بمؤسسات الدولة اليمنية بأسرها في المناطق الخاضعة لنفوذها: البنك المركزي، وزارة المالية، الجمارك، والميناءات. هذا الإمساك يُوفّر لها إيرادات تُمكّنها من تمويل آلتها الحربية والأيديولوجية في آنٍ واحد.
تضاف إلى ذلك الإيرادات من الرسوم المفروضة على المساعدات الإنسانية الدولية، وهو ما وثّقته الأمم المتحدة ونبّهت إليه. تحوّلت المساعدات الإنسانية من أداة لإغاثة الضحايا إلى مصدر تمويل للجهاز الذي يصنع ضحايا جدد. وقد أحدث هذا النمط انتقادات حادة في أوساط المنظمات الدولية التي بات بعضها يُعيد النظر في آليات تقديم المساعدات في المناطق الحوثية.
⚠️ تحذير استراتيجي
تُشير تقارير مراكز الدراسات إلى أن استمرار تمويل المساعدات الإنسانية دون آليات رقابية فعّالة يُسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز القدرة المالية الحوثية وتمديد أمد الصراع. الشُّح الإنساني والهيمنة السياسية يتغذيان معًا.
الصورة الإعلامية وإشكاليات الوعي العربي
يُعدّ سوء تمثيل الحوثيين في الخيال الجمعي العربي ظاهرة تستحق التأمل الجاد. وتتضافر في هذا السياق عوامل عدة: أولها عجز وسائل الإعلام عن اختراق المناطق الخاضعة للحوثيين ورصد الواقع الميداني، وثانيها هيمنة السردية الإيرانية التي تضخ صورة المقاومة عبر قنوات ومنصات تتمتع ببنية تحتية إعلامية قوية، وثالثها استعداد جزء من الجمهور العربي لتقبّل أي خطاب مضاد للهيمنة الغربية حتى لو جاء على حساب الحقيقة.
أسهمت العمليات الحوثية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر في تعزيز هذه الصورة على نطاق أوسع. فمن زاوية إعلامية بحتة، تبدو صور الصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة نحو سفن تجارية «مخصومةً» مضادةً للهيمنة الغربية. لكن ما تُغفله هذه الصورة أن ضحايا الاضطراب في الملاحة هم في معظمهم دول نامية تعتمد على التجارة البحرية، وأن أكثر المتضررين تجاريًا هم الاقتصادات الهشة التي تمر صادراتها عبر مضيق باب المندب.
«أن تنظر إلى الحوثيين عبر عدسة الصراع مع إسرائيل وأمريكا وحدها هو أن ترى نصف الصورة. النصف الآخر هو ما يفعله الحوثيون باليمنيين، وهو الأكثر استدامةً والأعمق أثرًا.» مقابلة مع باحثة يمنية في مركز ستيمسون، واشنطن
التدمير الممنهج للنسيج المجتمعي اليمني
اليمن قبل الحرب كان يُمثّل تنوعًا دينيًا فريدًا في شبه الجزيرة العربية: زيديون وشوافع وأقليات إسماعيلية وصوفية وجماعات يهودية قديمة. شكّل هذا التنوع لقرون نسيجًا اجتماعيًا بالغ الهشاشة لكنه كان قائمًا. ما يسعى إليه المنهج الحوثي، كما يُظهره التحليل العلمي لأدبياته ووثائقه الداخلية، هو استبدال هذا التنوع بهوية طائفية أحادية تتمحور حول المرجعية الاثني عشرية الإيرانية.
رصدت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش حملات انتهاك ممنهجة ضد التجمعات السنية، ومصادرة مساجدها وتعيين أئمة حوثيين فيها، وفرض قيود على الاحتفال بالمناسبات الدينية الإسلامية غير المندرجة في التقويم الاثني عشري. كما رصدت اضطهادًا للمسيحيين وبقايا الأقلية اليهودية وأتباع الطريقة الصوفية.
بين المشروعية الدفاعية والمشروع الهيمني
لا ينبغي أن يُفضي تحليل المنهج الحوثي إلى إسباغ المشروعية المطلقة على خصومهم. الواقع أكثر تعقيدًا: نشأت الجماعة الحوثية في سياق إقصاء وتهميش حقيقيَّين عانت منهما فئات من الشمال اليمني في ظل نظام صالح، واستعمل التدخل العسكري السعودي قوةً جويةً فتكت بالبنية التحتية اليمنية وأودت بحياة المدنيين بأعداد موثّقة. هذه الوقائع ينبغي الإقرار بها.
غير أن الإقرار بمظالم الحوثيين التاريخية لا يُلزم بتبنّي مشروعهم الأيديولوجي. ثمة فارق جوهري بين «حركة مقاومة مسلحة لها مظالم مشروعة» و«تنظيم أيديولوجي عابر للحدود يسعى إلى إعادة تشكيل مجتمعه على أساس طائفي، ويُصدّر ذلك المنهج إلى محيطه الإقليمي». الحوثيون في مرحلتهم الراهنة يتموضعون أقرب إلى النموذج الثاني.
الأفق حتى 2040: ما الذي ينتظر اليمن؟
إذا استمر الوضع على مساره الراهن دون تحول استراتيجي جذري، فإن المشهد اليمني حتى عام 2040 قد ينطوي على عدة سيناريوهات:
السيناريو الأول — التجميد الممتد: يستمر الحوثيون في السيطرة على الشمال وصنعاء، وتبقى الحكومة الشرعية محدودة الموارد والقدرات في الجنوب، ما يُرسّخ واقع تقسيم فعلي دون حل سياسي. في هذا السيناريو، تُنجز الجماعة أهدافها الأيديولوجية في المناطق الخاضعة لها دون الحاجة إلى انتصار عسكري كامل.
السيناريو الثاني — الانهيار الكلي: في غياب دولة وطنية فاعلة، تتصاعد وتيرة التفكك القبلي والجهوي، وتُصبح اليمن دولة فاشلة تمامًا مفتوحة للتسلل الجهادي من تنظيمات القاعدة وداعش.
السيناريو الثالث — المفاوضة الإقليمية: في ظل تطور العلاقات السعودية-الإيرانية بعد اتفاق بكين عام 2023، يُصبح اليمن ورقةً في تسوية إقليمية أوسع. يتوقف نجاح هذا السيناريو على مدى استعداد طهران للتخلي فعليًا عن الجماعة التي استثمرت فيها عقودًا.
إن أخطر ما يُمثّله الحوثيون على المدى البعيد ليس صواريخهم في البحر الأحمر، بل مشروعهم الاجتماعي داخل اليمن. جيل من الأطفال تربّى على منهج يُقدّس ولاية الفقيه ويُحرّض على الآخر المذهبي والوطني هو تداعٍ بطيء لليمن الواحد الجامع.
فهم الحوثيين بعمق — لا مديحًا ولا إدانةً أعمى، بل تحليلاً موضوعيًا — هو شرط أساسي لأي مقاربة سياسية ناجعة، وللرأي العام العربي الذي يُريد أن يُحكم حكمًا عادلاً على ما يجري في اليمن.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت