في عام 2017، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته أمام طلاب المدارس الروسية: "من يقود الذكاء الاصطناعي سيحكم العالم". العبارة لم تُضاعف بعد ذلك إلا في السياق الخليجي، حيث أطلقت الإمارات وهي ليست أكبر اقتصاد في المنطقة، الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2017 بهدف أن تُصبح رائدةً عالميةً في هذا المجال بحلول 2031. ثم جاء إعلان المملكة العربية السعودية عن "مبادرة مستقبل الاستثمار" و"مبادرة نيوم" و"مبادرة الذكاء الاصطناعي بالعربية الكبرى" لتُجسّد طموحاً خليجياً نحو قيادة الثورة التقنية.
الشرق الأوسط وهو يدخل عصر الذكاء الاصطناعي يحمل جملةً من الأصول الاستراتيجية: رساميل ضخمة تبحث عن توظيف مُربح بعيداً عن النفط، وسكان شباب متعطّشون للتقنية، وحكومات جاهزة للإصلاح الرقمي. لكنه يحمل أيضاً قيوداً حقيقية: ضعف منظومة البحث العلمي والجامعي، وبيئة تنظيمية ما زالت تتشكّل، وهشاشة أمنية إقليمية تُعيق الاستثمار التقني طويل الأمد.
الإمارات: من النفط إلى اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي
تُمثّل الإمارات حالةً استثنائية في الشرق الأوسط: دولة صغيرة المساحة وقليلة السكان (4 مليون مواطن من أصل 10 ملايين مقيم) أحكمت ربطها بمسيرة تحوّل رقمي استثنائية. أسّست أول وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017. وضخّت استثمارات عبر صندوق أبوظبي للاستثمار ومبادرة MGX في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية (Microsoft وOpenAI وAnthropic وغيرها). وطوّرت نماذج ذكاء اصطناعي عربية اللغة عبر مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI)، إذ أطلقت نموذج Falcon المفتوح المصدر الذي استقطب اهتماماً عالمياً.
📊 الشرق الأوسط ورهانات الذكاء الاصطناعي
• استثمارات الإمارات في قطاع التقنية 2020-2025: أكثر من 30 مليار دولار. • رؤية السعودية 2030: استثمارات في التقنية تستهدف 70 مليار دولار بحلول 2030. • عدد المتحدثين بالعربية في العالم: 450 مليون (سوق هائل لنماذج الذكاء الاصطناعي العربية). • قطاع التقنية في الشرق الأوسط 2025: يُقدَّر بـ 200 مليار دولار. • الاستثمار في مراكز البيانات: طفرة في الإمارات والسعودية ومصر.
المملكة العربية السعودية: طموح التحول الرقمي الأضخم
تُمثّل المملكة العربية السعودية أكبر رهان خليجي على التحول الرقمي. رؤية 2030 تتضمن أهدافاً تقنية طموحة: رفع نسبة الاقتصاد غير النفطي، وتطوير نيوم (المدينة المستقبلية بتكلفة 500 مليار دولار وذكاء اصطناعي في صميم تصميمها)، وإطلاق "السحابة الحكومية السعودية"، واستقطاب شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى لبناء مراكز بيانات إقليمية في المملكة. تنامى قطاع التقنية السعودي بوتيرة لافتة، مع ارتفاع كبير في عدد الشركات الناشئة التقنية وصناديق رأس المال الاستثماري.
الذكاء الاصطناعي والصراعات الإقليمية: البُعد الأمني المقلق
في سياق التوترات الإقليمية الحادة، يكتسب الذكاء الاصطناعي أبعاداً أمنية بالغة الحساسية. فالتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي تشمل: أنظمة استهداف ذكية في الطائرات المسيّرة (التي استخدمها الحوثيون وإسرائيل وإيران وتركيا وآخرون في صراعات المنطقة)؛ والحرب الإلكترونية المُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي التي تُشنّ في الفضاء الإلكتروني بين إيران وإسرائيل والدول الخليجية؛ وأنظمة مراقبة الحدود وإدارة الحشود.
العقبات الجوهرية: ما يعيق التحول الرقمي في المنطقة
رغم الطموح والأموال، تعترض التحول الرقمي في الشرق الأوسط عقبات هيكلية حقيقية. أولاً: ضعف البحث والتطوير؛ فإنفاق دول المنطقة على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.3-0.7% من الناتج المحلي، أي أقل بعشر مرات من المتوسط في الدول المتقدمة. ثانياً: ندرة الكوادر البشرية المتخصصة؛ رغم نمو برامج الذكاء الاصطناعي في الجامعات الخليجية، لا تزال الكوادر المؤهلة تعتمد اعتماداً كبيراً على الاستقطاب الخارجي. ثالثاً: الإطار القانوني والتنظيمي الذي لم يواكب بعد وتيرة التطور التقني. رابعاً: المخاوف الأمنية المرتبطة بسيادة البيانات في المنطقة.
الذكاء الاصطناعي باللغة العربية: فرصة ذهبية
يتحدث العربية ما بين 400 و450 مليون شخص بوصفها لغةً أولى، وأكثر من مليار يفهمونها بدرجات متفاوتة. وتكشف نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية عجزاً واضحاً في الأداء باللغة العربية مقارنةً بالإنجليزية. هذه الثغرة تُمثّل فرصةً ذهبيةً لنماذج وتطبيقات ذكاء اصطناعي عربية موجَّهة نحو التعليم والصحة والقانون والخدمات الحكومية والإعلام. مبادرة Falcon الإماراتية والتوجه السعودي نحو بناء نماذج لغوية عربية يسيران في هذا الاتجاه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً
الأرجح أن الإمارات والسعودية ستُحقّقان قفزات لافتة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والمدن الذكية والطاقة والرعاية الصحية خلال 2026-2035. لكن التحوّل إلى مُنتِج حقيقي لابتكار تقني (لا مستورد ومُطبِّق) يتطلب منظومة بحثية وجامعية وبيئة إبداعية لا تزال في طور البناء.
الخطر الأكبر هو التفاوت الرقمي داخل المنطقة العربية: قفزة خليجية واسعة مقابل تأخر حاد في دول كاليمن والعراق وسوريا ولبنان والسودان، مما قد يُعمّق الفجوات الاقتصادية الإقليمية إلى ما هو أبعد مما هي عليه اليوم. ويظل غياب الاستقرار الإقليمي القيدَ الأكثر خطورةً على جذب الاستثمارات التقنية طويلة الأمد.
النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أسبوع في بريدك الإلكتروني. انضم إلى أكثر من 15,000 قارئ.